على مدار التاريخ، شهد العالم اغتيالات سياسية هزت بقوة المشهد الدولي والسياسة الداخلية للعديد من الدول. ورغم تنوع أساليبها، كانت السمة المشتركة بينها هي استخدام العنف لإسكات الآخر للأبد، سواء كان الآخر يحمل أفكارًا مختلفة، أو يتبنى مصالح مغايرة.

لكنها ليست أمرًا حديثًا؛ إذ تضرب الاغتيالات السياسية بجذورها في معظم الحقب التاريخية؛ وأحد أشهر عمليات الاغتيال في التاريخ حدثت في عام 44 قبل الميلاد، وكان ضحيتها يوليوس قيصر، زعيم الإمبراطورية الرومانية إثر مؤامرة من حاشيته.

تاريخ

منذ 10 شهور
منها الحرب العالمية الأولى.. 3 حروب كبيرة اشتعلت بمقتل رجل واحد

في هذه الحادثة، كان يوليوس قيصر هو الآخر الذي يُنظَر إليه على أنه «طاغية»، ومنفذو الاغتيال كانوا مجموعة من حاشيته، بقيادة ماركوس يونيوس بروتوس صديقه، ما أضفى على الواقعة صبغة درامية يتردد صداها حتى اليوم.

ولقي مصير قيصر قادة آخرون في القرنين الأخيرين، مثل: ولي عهد النمسا فرانز فرديناند، ورئيسي الولايات المتحدة السابقين أبراهام لينكولن وجون كينيدي، والزعيم الهندي المهاتما غاندي، وقائد حركة تحرر السود في أمريكا مارتن لوثر كينج، والرئيس المصري الأسبق أنور السادات، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين وغيرهم.

ورغم اختلاف الضحايا والأساليب والأسباب، ظلت الاغتيالات السياسية أبرز الوقائع الثابتة تاريخيًّا، مهما اختلفت المجتمعات، وداخل كل الأنظمة، ديمقراطية كانت أو ديكتاتورية.

1. اغتيال لينكولن.. نهاية مسرحية

كان  الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية أبراهام لينكولن يحضر مسرحية في ماريلاند، في أبريل (نيسان) 1865، عندما أخرج أحد الممثلين مسدسه وأطلق النار على رأس لينكولن فأرداه قتيلًا على الفور، في واحدة من أكثر حوادث الاغتيال غرابة في التاريخ.

اغتيال أبراهام لينكولن

وقعت عملية الاغتيال بعد خمسة أيام من انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية واستسلام الجنوب، وكانت محاولة لإعادة قضية انفصال الولايات الجنوبية للواجهة رغم هزيمتها في الحرب.

أثارت عملية اغتيال لينكولن احتفالات في الولايات الجنوبية، لكنها لم تؤد إلى إحياء قضيتها أو التقليل من هزيمتها. وتولى نائب لينكولن، أندرو جونسون، السلطة مباشرة، وقاد عملية إعادة توحيد الولايات المتحدة بعد الحرب، وعملية إعادة الإعمار.

2. اغتيال ولي عهد إمبراطورية النمسا والمجر.. رصاصة أثارت حربًا عالميةً

في 28 يونيو (حزيران) 1914، اغتال شاب من القوميين الصرب، يبلغ من العمر 19 عامًا، ويدعى جافريلو برنسيب، ولي عهد إمبراطورية النمسا والمجر فرديناند، بعدة رصاصات من مسدسه، في العاصمة البوسنية سراييفو، مما أدى لوفاة الأمير النمساوي على الفور.

كان برينسيب ينتمي لمنظمة «اليد السوداء»، التي كانت حركة قومية أرادت تدمير الحكم النمساوي المجري في البلقان، وإقامة اتحاد بين البوسنة، والهرسك، وصربيا، وتوحيد شعوبها في دولة فيدرالية. وأصبح برينسيب داعيًا نشطًا لتلك القضية الكبرى.

تصاعدت الأحداث بعد حادث الاغتيال، إذ انتقمت الإمبراطورية النمساوية المجرية من صربيا في 28 يوليو (تموز)، بإعلان الحرب عليها وغزوها، وسرعان ما تحطَّم السلام الهش بين القوى الكبرى في أوروبا، وأصبحت هناك جبهتان متحاربتان، الأولى تتكون من: صربيا، وروسيا، وبريطانيا، وفرنسا، وانضمت لهم بعد ذلك إيطاليا، والثانية تتكون من: إمبراطورية النمسا والمجر، وألمانيا، وانضمت لهم بعد ذلك الإمبراطورية العثمانية.

أدت هذه الأحداث في النهاية إلى اشتعال الحرب العالمية الأولى، التي استمرت من 1914 إلى 1918، وأسفرت عن استسلام ألمانيا وتحولها من إمبراطورية إلى جمهورية، وانهيار إمبراطورية النمسا والمجر وانقسامها، وتفكك الإمبراطورية العثمانية، فضلًا عن مقتل 16 مليون شخص، وإصابة 20 مليون آخرين.

3. المهاتما غاندي.. دافع عن الأقليات فاغتاله المتطرفون الهندوس

في عام 1948، قُتل المهاتما غاندي، الذي تمكن من مساعدة الهند في الحصول على استقلالها السياسي من بريطانيا عام 1947، على يد متطرف هندوسي.

رحل غاندي بعد أن قاد العديد من الاحتجاجات السلمية الشهيرة، التي تحدى فيها بريطانيا التي كانت تحتكر استخراج الملح، وقاد «مسيرة الملح» التي استمرت لمسافة نحو 387.8 كم إلى الساحل الهندي لجمع الملح.

في 1940 عاد غاندي، الذي درس القانون في بريطانيا، إلى حملات العصيان مرة أخرى مطالبًا بالاستقلال، واستمر هذا العصيان حتى استقلال الهند عن المملكة المتحدة في 1947.

أثناء نضال الهند من أجل الاستقلال، برزت التوترات بين الهندوس والمسلمين، وناضل غاندي من أجل إعادة الوحدة الوطنية، طالبًا بشكل خاص من الأكثرية الهندوسية احترام حقوق الأقلية المسلمة. لم ترق دعوته للأغلبية الهندوسية، وعدَّتها بعض الفئات الهندوسية خيانة عظمى، ما أدى في النهاية إلى اغتياله على يد متعصب هندوسي بعد عام من قيادته الهند للاستقلال.

رغم ذلك، ما زال غاندي رمزًا قوميًّا في الهند، بل استخدمت الدعاية القومية الهندوسية اسم غاندي في الترويج لمشروعاتها السياسية التي قد تعادي العلمانية التي نادى بها، مثلما قال رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، إن غاندي كان ليؤيد قانون المواطنة الجديد، الذي أثار الجدل بدعوى تمييزه ضد المسلمين.

بعد وفاته، أصبح غاندي رمزًا عالميًّا لما يمكن أن تحققه الاحتجاجات الجماهيرية والمقاومة السلمية، والوحدة واحترام الآخر، ورمزًا لشخصيات ظهرت لاحقًا مثل مارتن لوثر كينج، والرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

4. جون كينيدي.. بداية النهاية للفصل العنصري في أمريكا

في 1963، اغتال الأمريكي المتطرف هارفي أوزوالد الرئيس الأمريكي جون كينيدي، أكثر زعماء البلاد شعبية، برصاصة قاتلة في الرأس أثناء مرور موكبه في مدينة دالاس، في ولاية تكساس.

ورغم مرور أكثر من نصف قرن على عملية الاغتيال، ما تزال أسبابها وملابساتها غير معروفة، وتتأرجح أصابع الاتهام بين اليمين المتطرف تارة، والمخابرات الكوبية تارة أخرى، والموساد الإسرائيلي أحيانًا، والمافيا الإيطالية في أحيان أخرى. ومن المتوقع أن تستمر هذه القصص حتى الإفراج عن وثائق التحقيق كاملة.

ولم ينه الاغتيال مساعي حكومة كينيدي إلى إنهاء الفصل العنصري بين السود والبيض في الولايات المتحدة؛ إذ تمكن خليفته، ليندون جونسون، من تمرير قانونين مناهضين للفصل العنصري؛ قانون الحقوق المدنية، وقانون حق التصويت. وبذلك كان اغتيال كينيدي بمثابة بداية النهاية للفصل العنصري.

5. لوثر كينج.. اغتيال «حلم»

بعد خمس سنوات من اغتيال كينيدي، في عام 1968، قُتل ناشط الحقوق المدنية مارتن لوثر كينج، على يد متطرف وسارق محكوم عليه يبلغ من العمر 40 عامًا، ويدعى جيمس إيرل راي. وسبقت محاولة اغتياله تهديدات سابقة، وصلت إلى حد طعنه وإطلاق النار على منزله.

مارتن لوثر كينج أثناء إلقائه خطابه الشهير «لدي حلم»، عام 1963.

كان كينج ناشطًا ومناضلًا من أجل المساواة بين السود والبيض، اشتهر بخطبه القوية، وأشهرها خطبة «لدي حلم»، التي نادى فيها بإنهاء العنصرية في الولايات المتحدة. وتزعَّم حركة الحقوق المدنية منذ 1955 حتى وفاته، قاد خلالها العديد من الاحتجاجات السلمية ضد التفرقة العنصرية، ومنها مقاطعة ركوب الحافلة بعد اعتقال روزا باركس؛ لرفضها التخلي عن مقعدها في إحدى الحافلات لصالح مواطن أبيض.

كان نضال كينج حتى وفاته خطوة مهمة على طريق المساواة العرقية في الولايات المتحدة، فنال جائزة نوبل للسلام وهو في عمر 35 عامًا، ليكون أصغر من حصلوا عليها، وظل بعد وفاته رمزًا للوحدة في البلاد، وملهمًا لشخصيات عدة، أبرزهم أوباما.

6. اللورد مونتباتن.. رسالة الجيش الجمهوري الأيرلندي لبريطانيا

في عام 1979، قتل الجيش الجمهوري الأيرلندي اللورد لويس مونتباتن، الذي كان مستشارًا لولي عهد بريطانيا، وقائدًا سابقًا للبحرية البريطانية، عن طريق زرع قنبلة في قارب الصيد الخاص به. وتسبب الانفجار في قتل ثلاثة آخرين.

اللورد مونتباتن أثناء لقائه مع غاندي. رحل كلاهما إثر عمليتي اغتيال سياسي منفصلتين.

أرادت منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي إرسال رسالة واضحة للندن بقتل مونتباتن، فحواها أنه حتى صفوة المجتمع البريطاني ليسوا في مأمن من عناصره، في إطار سعي الجيش لإنهاء السيطرة البريطانية على أيرلندا الشمالية وتوحيدها مع الجنوب تحت جمهورية واحدة.

لكن عملية الاغتيال ومقتل 18 جنديًّا بريطانيًّا في عملية أخرى للجيش الجمهوري في اليوم نفسه، أدت إلى اتخاذ الحكومة البريطانية بقيادة مارجريت تاتشر موقفًا «متشددًا» ضد المنظمة.

7. السادات.. ضحية «كامب ديفيد»

في أكتوبر (تشرين أول) 1981، اغتيل الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات على يد ضباط من الجيش المصري، حين كان يشاهد عرضًا عسكريًّا في القاهرة، احتفالًا بذكرى انتصاره على إسرائيل في حرب أكتوبر 1973.

جاء اغتيال السادات بعد شهر واحد من إطلاقه حملة قمعية واسعة، عرفت حينها باسم «اعتقالات سبتمبر»، ضد معارضي اتفاق «كامب ديفيد» مع إسرائيل، استهدفت المفكرين والنشطاء السياسيين، من مختلف الأطياف السياسية والانتماءات الأيديولوجية؛ فزج في السجن، بشخصيات معارضة كثيرة، من ناصريين وشيوعيين وإسلاميين، ينتمون إلى جهات متنوعة، مثل: أساتذة الجامعات، والصحافيين، وأعضاء المنظمات الطلابية.

ودفع السادات ثمن المعارضة والرفض الكبيرين لزيارته للقدس في 1977، ثم إبرامه معاهدة السلام المثيرة للجدل في العام التالي. لكن اغتياله لم يوقف مسار «كامب ديفيد»؛ إذ استمر سلفه حسني مبارك في المسار ذاته، وأكمل الاتفاق مع تل أبيب.

قبل سنوات، قال عبود الزمر، وهو أحد المشاركين في عملية اغتيال السادات، في تصريحات لشبكة «إن بي سي» نيوز الأمريكية، إنه بالرغم من «عدم ندمه» على موت السادات، كان خليفته محمد حسني مبارك أسوأ منه. وبحسب الزمر، كان السادات «أفضل منه ألف مرة».

8. رابين.. ضحية أخرى لاتفاقيات «السلام»

في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، أطلق إيجال عامير، وهو طالب قانون يميني متشدد، النار على رئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحاق رابين، بينما كان يغادر مهرجانًا مؤيدًا للسلام.

جاء اغتيال رابين في وقت كان يحاول فيه عقد اتفاق سلام بين إسرائيل وفلسطين. وقبل عامين من اغتياله، أحدث رابين تقدمًا عندما التقى والفلسطينيون من أجل محاولة التوصل إلى طريقة لإقامة دولة فلسطينية.

لم يكن عامير يريد السلام مع فلسطين، ونجحت عملية الاغتيال في تحقيق ذلك الهدف، ولم يحدث منذ ذلك التاريخ أي اتفاق سلام بين الطرفين.

وأدى الاغتيال عمليًّا إلى وقف مسيرة اتفاق أوسلو، إذ تمكَّن بنيامين نتنياهو، في الانتخابات التي جرت في مايو (أيار) 1996، من التغلب على خليفة رابين في الحكومة ورئاسة الحزب، شمعون بيريز، وتشكيل أول حكومة له.

وتعليقًا على اغتيال رابين، كتب الخبير السياسي دان إيفرون: «مع اغتيال القائد الإسرائيلي، أبلى عامير بلاءً أفضل من مغتالي لينكولن، وكينيدي، وكينج، الذين حظيت سياساتهم بزخم نتيجة اغتيالهم، بدلًا من أن يحدث العكس».

9. الحريري.. تفجير زلزل لبنان

اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير (شباط) عام 2005، في تفجير ضخم استُخدمت فيه مواد شديدة الانفجار، استُهدف موكبه في العاصمة اللبنانية «بيروت»، وأسفر عن مقتله و21 شخصًا وإصابة 231 آخرين.

ونسبت عملية الاغتيال في البداية إلى ضباط لبنانيين مقربين من سوريا، وأثارت احتجاجات قوية أدت إلى انسحاب القوات السورية بعد نحو 30 عامًا من وجودها في لبنان.

اتهمت المعارضة اللبنانية المناهضة لسوريا، النظام السوري بارتكاب الجريمة وقتها، وبدعم من الولايات المتحدة وفرنسا، فُتح تحقيق دولي برعاية الأمم المتحدة، وأُنشئت محكمة خاصة لهذه القضية، لكنها لم تصدر حكمًا حتى الآن، رغم مرور 15 عامًا على اغتياله.

فاقم اغتيال الحريري الانقسام بين السنة والشيعة في البلاد، وباتت السياسة تحركها قوى التكتلين بشكل حصري، مما أدى إلى شلل سياسي في البلاد ما زال مستمرًّا حتى اليوم.

10. بنظير بوتو.. «شهيدة الديمقراطية»

في أواخر 2007، تعرضت بنظير بوتو، أول امرأة تتولى منصب رئيس وزراء في باكستان للاغتيال، في تفجير نفذه انتحاري يبلغ من العمر 15 عامًا في وضح النهار، بعد مسيرة انتخابية شاركت فيها. بعد 11 عامًا من مقتلها، تبنت حركة «طالبان باكستان» المسؤولية عن اغتيالها، في كتاب نشره زعيم الحركة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
«العين بالعين».. عندما خرج قرار اغتيال وزير إسرائيلي من مقهى في رام الله

جاء الاغتيال بعد وقت قصير من عودة بوتو لباكستان، واستعدادها للترشح لمنصب رئيس الوزراء لولاية ثالثة، بعد قضاء ثمانية أعوام خارج البلاد.

كانت بوتو الشخصية الأبرز بين الأحزاب الدينية وغير الدينية، وسبق وتولت رئاسة الحكومة مرتين من قبل. وخرج أنصار حزبها، حزب الشعب، في احتجاجات غاضبة وأضرموا النيران في الشوارع، بينما دعا الرئيس الباكستاني وقتها، برفيز مشرف، إلى الهدوء وضبط النفس. وقد خلق هذا الاغتيال فراغًا سياسيًّا في باكستان.

وما تزال بوتو رمزًا في البلاد حتى اليوم، في ظل استخدام وجهها ورسائلها في الإعلانات، وتوصيف كُثر لها بـ«شهيدة الديمقراطية».

المصادر

تحميل المزيد