هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

كانت السنوات العشر الماضية سنوات «الانفجار» إن صحّ التعبير، فقد تغير شكل منطقة الشرق باندلاع ثورات الربيع العربي، وانفجرت صراعاتٌ إقليمية في دولٍ عربية عدة، من سوريا إلى اليمن وحتى ليبيا، وخُتِمَ النصف الأول من العقد الماضي بخروج الديمقراطيين من البيت الأبيض ليخلفهم الرئيس الأمريكي المُفاجئ للجميع، دونالد ترامب.

كانت تركيا، وما تزال حتى الآن، جزءًا من الصراعات الإقليمية المتشابكة والكثيرة. في هذا التقرير نستعرض جهود «اللوبي التركي» في أمريكا خلال العقد الماضي: ما أجندته؟ ومن العاملون فيه؟ وماذا أنجز حتى الآن؟ وكيف يعمل هذا اللوبي.

نضع في التقرير الآتي صورة عامةً للوبي التركي وتحليلًا لأنشطته خلال العقد الماضي.

معظم التفاصيل والمعلومات الواردة في هذا التقرير استخرجناها من ملفات دولة تركيا في قاعدة بيانات وزارة العدل الأمريكية، التابعة لقانون «فارا»، ويستند التقرير على 750 وثيقة من الشركات التي عملت لصالح اللوبي.

كيف تعامل اللوبي التركي مع مختلف المؤسسات الأمريكية؟

في البداية، لا شكّ أنّ اللوبي الإسرائيلي أو المناصر لإسرائيل في واشنطن هو أكبر لوبي في واشنطن لطرفٍ من الشرق الأوسط، ولا يتمتّع بضخامة الحجم والتمويل فقط، بل له أساسات اجتماعية وسياسية صلبة داخل الولايات المتحدة، والعاملون فيه يهود أمريكيون مدافعون عن المصالح الإسرائيلية ولديهم مصالح خاصة متوافقة معها، ويشغّلون اللوبي بصفتهم يهودًا أمريكيين في المقام الأول.

هذه الميزة لا توجد في أي جماعة ضغط عربية أو شرق أوسطية أخرى، لا في إيران وتركيا، ولا الخليج العربي أو الشام، ولا شمال أفريقيا. فأنشطة لوبيات هذه الدول موجهة بالكامل وبشكل مباشر من الحكومات ولا إسهام سياسي لجالياتها في أمريكا في أنشطة الضغط لصالحها.

ورغم كل ذلك، يظلّ اللوبي التركي واحدًا من أكبر لوبيات المنطقة في واشنطن بعد اللوبي الإسرائيلي، وربما لا ينافسه في حجمه ونفوذه إلا اللوبي الإماراتي. أمّا إنفاق اللوبي التركي على أنشطة الضغط السياسي بين عام 2010 وحتى منتصف عام 2020 فقد وصل تقريبًا إلى 33 مليون و652 ألف دولار أمريكي، وهو رقم أقل بكثير مما أنفقه اللوبي الإماراتي في نفس المدة الزمنية، ويصل حجم إنفاقه إلى 132 مليون و716 ألف دولار.

أنفق اللوبي التركي تقريبًا 33 مليون و652 ألف دولار أمريكي، للعقد الماضي بين 2010 وحتى منتصف 2020.

*وفقًا لوثائق تركيا في قاعدة بيانات وزارة العدل الأمريكية التابعة لقانون «فارا»

ويتشعب اللوبي ليعمل على عدة مستويات في الولايات المتحدة: البيت الأبيض، والكونجرس، والإعلام الأمريكي والمراكز البحثية. وتاليًا نحكي عن ضغطه على كلّ جهة بالتفصيل.

ضغطٌ في البيت الأبيض

نبدأ بالبيت الأبيض، الذي لعبت العلاقة الجيدة معه في السنوات الأربع الماضية (بين 2016 و2020) دورًا مفصليًا لصالح تحركات تركيا في أكثر من ملف. فكيف كسبت تركيا البيت الأبيض ليقف بجانبها؟

تحرّك اللوبي التركي في ثلاث قنوات أوصلت صوت تركيا لترامب، فبدأ بالتواصل معه مبكرًا جدًا، عبر عقدي ضغط سياسي مع أشخاصٍ مقربين منه، العقد الأول مع الجنرال الأمريكي مايكل فلين، أول عسكري يقف في صفّ ترامب في حملته الانتخابية ويروِّج له، وهو من مستشاري ترامب للأمن القومي والسياسة الخارجية، وبعد فوزه بانتخابات الرئاسة عيّن الجنرال ليكون مستشاره للأمن القومي، وقد أُقيل لاحقًا وسُجن مع تقدم تحقيقات روبرت مولر، لتورّطه بالتدخّل الروسي في السياسة الأمريكية وفي انتخابات الرئاسة لعام 2016، ولكن ترامب عفى عنه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، قبل خروجه من البيت الأبيض بفترة قصيرة.

لم يكن الجنرال مُحبًا لأردوغان، وتحدث أكثر من مرة عن الإسلام ووصفه بـ«السرطان الخبيث». لكنّ القناعات تشترى بالمال في واشنطن، إذ بدأ فلين بتقديم خدماته لتركيا فقط بعد شهرٍ من محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في يوليو (تموز) 2016، وتابع تقديمها حتَّى مطلع شهر نوفمبر من نفس العام، قبيل تعيينه مستشارًا للأمن القومي لترامب بعد توليه الرئاسة، وكان هذا أول تواصل موثّق لتركيا مع فريق ترامب. وصلت كلفة هذا العقد إلى 530 ألف دولار.

Embed from Getty Images

مايكل فلين، الجنرال الأمريكي الذي عمل لصالح تركيا وصار لاحقًا أول مستشار أمن قومي لترامب.

ثم جاء العقد الثاني باسم «جمعية اقتصاد المعرفة التركية»، ليوفِّر لتركيا وحزبها الحاكم، حزب العدالة والتنمية، مفتاحًا ذهبيًا لدخول البيت الأبيض والحزب الجمهوري من خلال شركة «مونتي أديفيزوري جروب – Monte Advisory Group» للضغط السياسي.

كان هذا التحرُّك من اللوبي التركي حذقًا، إذ تملك شركة مونتي عائلة جمهورية سياسية هامة. مالكها الأساسي دوجلاس بيكر، وهو سياسي أمريكي من الحزب الجمهوري عمل في إدارة بوش الابن. لكن اسم بيكر يستدعي اسم والده أيضًا، وهو جيمس بيكر، الجمهوري البارز الذي عمل مع الرئيس بوش الأب ومن قبله الرئيس دونالد ريجان، واستلم مناصب مختلفة في وزارة الخارجية ووزارة الخزانة وكبيرًا لموظفي البيت الأبيض.

وعملت شركة بيكر على التواصل مع فريق حملة ترامب للرئاسة، وتواصلت مع الفريق الانتقالي الذي تولَّى الفترة الانتقالية، بين فوز ترامب في نوفمبر 2016 وبين استلامه لمنصبه في يناير (كانون الثاني) 2017. وتُظهر ملفات الشركة في قاعدة بيانات وزارة العدل الأمريكية أنها حصلت مقابل خدماتها على 104 ألف دولار، للفترة بين أغسطس (آب) 2016 وفبراير (شباط) 2017.

للاطلاع على تفاصيل هذا التعاقد وأهدافه اضغط (هنا).

كانت القناة الثالثة للتواصل التركي مع البيت الأبيض عبر رودي جولياني، وهو سياسي جمهوري عمل عمدةً لنيويورك ونافس على انتخابات الرئاسة عام 2008 بحظوظٍ عالية، وتصدَّر اسمه الحياة السياسية الأمريكية مجددًا بعد انضمامه للفريق القانوني لترامب مع انطلاق معركة العزل بقيادة الحزب الديمقراطي، وتحوّل جولياني بعد ذلك لمدافعٍ شرس عن ترامب وسياساته.

تحدثنا في عدة تقارير عن ضغطه لصالح تركيا في ملفات مختلفة، منها: تسليم فتح الله جولن، وقضية البنك التركي، بنك خلق، في محكمة فيدرالية أمريكية، ويمكنك الاطلاع على تقارير تغطي أنشطة اللوبي التركي في هذه القضايا في ملف تركيا في مشروع الحج إلى واشنطن، من (هنا).

5 معلومات سريعة عن جولياني وتركيا:

  • اجتمع جولياني مع الرئيس التركي أردوغان لبحث حلول دبلوماسية لقضية بنك خلق.
  • اقترح جولياني على ترامب أن يستبدل بالقس الأمريكي أندرو برانسون رجل الأعمال الإيراني رضا ضراب، المتهم في قضية بنك خلق التركي.
  • طلب ترامب من جولياني أن يقدم نفس المقترح لريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي السابق، الذي تجاهل بدوره المقترح بحُجّة أن القضية بيد وزارة العدل الأمريكية.
  • ضغط جولياني أيضًا على وزارة العدل الأمريكية، وعلى مكتب المدعي العام الأمريكي، وعلى براين هوك، المبعوث الأمريكي الخاص لإيران.
  • طرح جولياني مسألة طرد فتح الله جولن وتسليمه لتركيا عدة مرات على ترامب؛ ما أثار غضب عاملين بالبيت الأبيض طلبوا من جولياني أن لا يناقش الرئيس على انفراد بقضايا تخصّ تركيا، وفقًا لما نقلته صحيفة «واشنطن بوست».

ولا يفوتنا أن نذكر العلاقة الخاصة بين الرئيسين الأمريكي والتركي، التي دفعت بترامب لمدح أردوغان بعد الهجوم عليه من جو بايدن، المرشح الديمقراطي للرئاسة، ووصفه بأنه «لاعب شطرنج من الطراز العالمي». أما جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق لترامب، فتحدّث عن هذه العلاقة قائلًا أن ترامب يقدم «خدمات شخصية» لعدة سياسيين منهم أردوغان، ما استدعى ردًا من اللوبي التركي إذ حاول نشرَ مقال رأي في صحف أمريكية ينتقد ما قاله بولتون وينفيه باعتباره ادعاءات لا أساس لها.

Embed from Getty Images
القس الأمريكي أندرو برونسون، اعتقل في تركيا ولاحقًا اقترح رودي جولياني على ترامب الاستبدال به فتح الله جولن.

وضغطٌ في الكونجرس

حافظ اللوبي التركي عبر السنوات الماضية على تواصلٍ غير منقطع مع الكونجرس الأمريكي بكافة مستوياته، فتواصلت مع أعضاء المجلسين، النواب والشيوخ، ومع زعماء لجان وزعماء الأحزاب بالمجلسين.

ومدّ اللوبي أنشطته ليتواصل مع الموظّفين العاملين بالكونجرس، على اختلاف رتبهم، فمنهم من يدير مكتب عضو كونجرس، ومنهم من يدير اللجان، مثل لجان الخارجية المعنية بالعلاقات الأمريكية مع الدول الأخرى. فمثلًا تواصلت واحدة من شركات الضغط لصالح اللوبي مع ناز دوراك أوغلو، وهي أمريكية تركية تعمل بالكونجرس، دشّنت جلسات استماع في الكونجرس عن الديمقراطية التركية والعلاقات بين تركيا وأمريكا.

ولموظفين آخرين مناصب استشارية في ملفاتٍ مختلفة، مثل الأمن القومي والسياسة الخارجية والشؤون العسكرية. ويعمل بعض موظفي الكونجرس بصفة «مساعد تشريعي»، وهم مسؤولون عن كتابة التشريعات ومسوداتها الأولية والأخيرة.

وعلى العموم تُظهر ملفات تركيا تواصلًا مع كافة المستويات العاملة بالكونجرس، مع تركيزٍ خاص على لجان العلاقات الخارجية، والقوات المسلحة والاستخبارات، والمخصصات والمالية؛ وهي اللجان المشرفة على إرسال قوات أمريكية للخارج، وصفقات السلاح والتعاون العسكري، وعلى الدعم العسكري والمالي للدول الأخرى.

ومن المهم الإشارة إلى أن تواصل اللوبي مع هذه الجهات يبدأ بالمراسلات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات الهاتفية، وينتهي بالاجتماعات المباشرة وجهًا لوجه، ويمكن القول أن اللوبي التركي وظّف جميع هذه الوسائل، ومثلهُ اللوبي الإماراتي، بينما تركز لوبيات أخرى على التواصل الإلكتروني مع اعتماد أقل على الاجتماعات المباشرة.

ومن اللافت للنظر تركيز اللوبي التركي في سنوات ترامب على الحزب الجمهوري، مع إهمالٍ شبه كامل للديمقراطيين، على الرغم من فوزهم بالأغلبية في مجلس النواب بعد عام 2018. وهو ما قد يجعل التنبُّؤ بمستقبل العلاقات التركية الأمريكية ما بعد ترامب أقلّ تفاؤلًا.

المراكز البحثية والإعلام الأمريكي

بتحليل ملفات اللوبي التركي في واشنطن يُلاحظ أنّ تأثيره على الإعلام الأمريكي والمؤسسات البحثية بواشنطن ضعيف إلى حد ما.

وبنظرةٍ على منشورات المراكز البحثية الكبرى عن تركيا في السنوات الماضية، تصادفنا عناوين تبشّر بـ«سقوط أردوغان الوشيك»، وتنقد سياسات تركيا في سوريا و«استعراض العضلات» خارج حدودها في ليبيا، والعراق، والصومال.

Embed from Getty Images

وتُظهر وثائق اللوبي تركيزه على الحكومة والكونجرس، مع تواصلٍ أقلّ وأضعف مع المراكز البحثية، بينما تحتفظ المعارضة التركية بعلاقات ممتازة مع تلك المراكز؛ خاصة اليمينية والموالية لإسرائيل. يمكنك القراءة عن نشاط أهمّ أحزاب المعارضة التركيا في لوبيات واشنطن (هنا).

هذا الإهمال التركي للعمل مع المراكز البحثية والإعلام الأمريكي يظهر تباينًا مع الأسلوب الإماراتي مثلًا في الضغط السياسي، إذ تتواصل الإمارات بشكلٍ مُكثّف ودائم مع مجموعةٍ واسعة من المراكز البحثية ذات الميول الحزبية أو المستقلة، من اليمين للوسط الأمريكي، وتنسق شراكات وزمالات بحثية معها بالإضافة لتقديم رحلات «بحثية» للباحثين ليزوروا دولة الإمارات ويجتمعوا فيها مع مسؤولين إماراتيين، ويمكنك الإطلاع أكثر على جهود لوبي الإمارات من (هنا).

أبرز الملفات التي ضغط فيها اللوبي التركي

في هذا المحور سنتحدث عن أجندة اللوبي التركي في واشنطن والقضايا والملفات التي شغلته في الأعوام الماضية. ويمكن قراءتها على أنها تمثيل للأجندة التي تشغل عقل الدولة التركية وأذرعها الخارجية أيضًا، فالقضايا التي يطرحها اللوبي على الساسة الأمريكيين متنوعة بين قضايا محلية وإقليمية إلى قضايا دولية، تتشابك مع بعضها البعض.

فمثلًا قضية تسليم فتح الله جولن، رجل الدين والسياسي التركي المُتهم بالتخطيط لمحاولة الانقلاب عام 2016، بقدر ما هي قضية محليّة تخص تركيا إلا أنها دولية أيضًا، فحرب الدولة التركية على التنظيم امتدت لتشمل تواجده عالميًا في باكستان وحتى أفريقيا، والبلقان، وأوروبا، ثم الولايات المتحدة.

والمسألة تمسّ الولايات المتحدة بشكل خاص نظرًا لإقامة جولن فيها، ولذا أصبح تسليمه لتركيا مسألة قانونية أمريكية تخضع لسلطة القضاء الأمريكي ووزارة العدل الأمريكية، ثم للخارجية الأمريكية.

هذا التشابك بين البعد الإقليمي والدولي يبدو أكثر وضوحًا في مسألة أكراد سوريا والجماعات الكردية المسلحة في الشمال السوري. تعتبر الدولة التركية هذه الجماعات «إرهابية» وعملت في السنوات الماضية للقضاء عليها وعلى مشروع الممر الجغرافي الذي يربط بين التجمعات الكردية في شمال العراق مع نظيرتها في سوريا.

هذه المسألة الإقليمية دولية في أصلها، فأمريكا معنية بها بشكل مباشر لأن القوات الكردية حليفتها ووظّفتها وكيلًا عنها لمقاتلة «تنظيم الدولة الإسلامية في بلاد العراق والشام (داعش)».

يمتد نطاق الضغط التركي ليشمل ملفات عديدة، من المسألة الكردية، والخلاف التاريخي حول «مذابح الأرمن» ومن يتحمل مسؤوليتها، وصولًا لمحاولة الانقلاب الفاشلة وحملة الدولة التركية ضد فتح الله جولن وتنظيمه، بالإضافة لملف قانوني سياسي آخر، هو قضية بنك خلق التركي في المحاكم الأمريكية.

ولربما كانت أهم مشكلة على الإطلاق في العقد الماضي هي التحوّل الإستراتيجي لتركيا، من حليفٍ في عباءة الغرب لصديقٍ مشاكس يحاول الخروج عليه، وأبرز نتائج هذا التحول إصرار تركيا على شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس–400».

1. الأرمن.. صداع تركيا في الكونجرس

باختصار، يعمل اللوبي الأرمني سنويًا على استصدار تشريعات من الكونجرس تدين مذابح عام 1915 ضد الأرمن العثمانيين، وتصف المذابح بأنها جرائم «إبادة جماعية» تتحمل مسؤوليتها الدولة العثمانية، ووريثتها المباشرة الجمهورية التركية الحديثة، وترفض تركيا منذ تأسيسها هذه الادعاءات وتبعاتها القانونية. ويحاول اللوبي الأرمني بهذه التشريعات أن يلزم الحكومة الأمريكية بمطالبة تركيا باعترافٍ رسميّ وإقرار بـ«المذابح» على أنها «إبادة جماعية».

وفي 2007 عمل اللوبي الأرمني على تشريع كبير يقر المطالب المذكورة آنفًا، وردًا عليه وقَّعت الخارجية التركية تعاقدًا ذكيًّا مع شركة «نيوسنر للعلاقات العامة – Neusner Communications» – وهي شركة ذات ارتباطات باليهود الأمريكيين واللوبي الإسرائيلي بأمريكا – في نوفمبر عام 2007،

كان هدف التعاقد هو حثّ اللوبي الإسرائيلي والمجتمع اليهودي الأمريكي على الضغط ضدّ اللوبي الأرمني وتحركاته في الكونجرس. وأشرف على العقد سردار كيليتش، سفير تركيا لواشنطن منذ 2014، والذي كان يعمل حينها دبلوماسيًا ومستشارًا بالخارجية التركية.

Embed from Getty Images

سردار كيليتش، السفير التركي في واشنطن منذ 2014 وحتى الآن.

ولاحقًا استأجرت تركيا شركة أخرى باسم «30 بوينت ستراتيجيز – 30 Point Strategies»، لتعمل على الملف نفسه، وحصلت على 495 ألف دولار أمريكي نظيرًا لخدماتها.

وهنا ملخص لأنشطة اللوبي التركي فيما يخص الأرمن والتعاون مع اللوبي المناصر لإسرائيل:

  • يقدم اللوبي الأرمني مشاريع سنوية بالكونجرس تصف المذابح الأرمنية بأنها جرائم إبادة جماعية، وتحمل الدولة العثمانية والجمهورية التركية الحديثة مسؤوليتها.
  • استأجرت تركيا شركتين للتواصل مع اللوبي المناصر الإسرائيلي، يديرهما نعوم نيوسنر، موظف سابق في إدارة جورج بوش الابن كان مسؤولًا عن تنسيق تواصل البيت الأبيض مع المجتمع اليهودي الأمريكي.
  • تواصلت تركيا مع اللوبي المناصر لإسرائيل بهدف توظيفه وحشده للضغط ضد اللوبي الأرمني وتشريعاته ضد تركيا.
  • ضغطت الشركة على اللوبي المناصر لإسرائيل ليؤيد تركيا في تصنيفها لـ«حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)» على أنه «إرهابي»، وناقشت مع المنظمات فرص التعاون التركي الإسرائيلي في هذا الملف.
  • نيابةً عن تركيا، تواصلت الشركة بشكل مكثف مع كبرى المنظمات اليهودية المؤيدة لإسرائيل في أمريكا، مثل: «أيباك»، و«بناي بريث»، ورابطة مكافحة التشهير.
  • عملت الشركة على تنسيق اجتماعات لعبد الله جول، الرئيس التركي آنذاك، واجتماع آخر حضره أحمد داود أوغلو، بصفته مستشارًا لرئيس الوزراء أردوغان، ثم بصفته وزيرًا للخارجية، ونسقت اجتماعات لدبلوماسيين آخرين من الخارجية التركية مع بعض المنظمات.

وللاطلاع على كافة تفصيل هذا التعاقد وأنشطته اضغط (هنا).

2. جهود بلا طائل.. تركيا وتسليم فتح الله جولن

بعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا عام 2016، تحركت الدولة التركية لتصفية تنظيم جولن وملاحقة مسؤوليه داخل وخارج تركيا، وجاء على رأس القائمة زعيم التنظيم، فتح الله جولن، السياسي التركي ورجل الدين الذي تتّهمه تركيا بالتخطيط للانقلاب.

وظّف اللوبي التركي مجموعةً من الشركات الكبرى للضغط في ملف فتح الله جولن، كان أبرزها ثلاث شركات عَمِلَت بشكلٍ خاص على تسليمه وملاحقة تنظيمه في الولايات المتحدة.

يملك الشركة الأولى الجنرال مايكل فلين الذي ذكرناه سلفًا، أول مستشار أمن قومي للرئيس ترامب. وتأتي خطورة التعاقد مع فلين من طبيعة وخلفية الأشخاص العاملين في شركته.

فلين نفسه جنرال متقاعد عمل 33 سنة في الخدمة العسكرية، وقاد لعامين وكالة استخبارات تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية اسمها «وكالة استخبارات الدفاع». أما زملاؤه في الشركة فمنهم جيمس وولسي، رئيس «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي ايه)» بين عامي 1993 و1995، بالإضافة لبراين مكولي، المدير السابق لوحدة العمليات الدولية في «مكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكي (إف بي آي)»، وبدأ عمله لصالح الأتراك فور خروجه من الـ«إف بي آي».

نفذت الشركة تحقيقًا استقصائيًا عن تنظيم جولن وأنشطته داخل الولايات المتحدة، وناقشت تسليم جولن لتركيا لمحاكمته.

ويعيش جولن في الولايات المتحدة منذ 1999، وأصبح خلافه مع الحكومة التركية ومع حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا علنيًا ورسميًا في 2014، بطلب رسمي من الحكومة التركية لتسليمه، واتهمه أردوغان آنذاك بإدارة دولة موازية تتخلل الحكومة والإعلام والقضاء التركي.

وتاليًا ملخص وموجز عن أنشطة مايكل فلين وخدماته لتركيا:

  • نسقت شركة فلين لحملة إعلامية تصوّر فتح الله جولن على أنه خطر كامن ومشابه لخطر آية الله الخميني قبل الثورة الإيرانية عام 1979.
  • نفذت شركة فلين تحقيقًا استقصائيًا عن أنشطة تنظيم فتح الله جولن في الولايات المتحدة وعن سلسلة المدارس التابعة للتنظيم.
  • اجتمع فريق من شركة فلين مع وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، وبرفقته بيرات البيرق، وزير الطاقة التركي آنذاك وصهر الرئيس التركي أردوغان، لمناقشة تسليم فتح الله جولن، عام 2016 بعد محاولة الانقلاب العسكري في تركيا.
  • كتب فلين مقالًا يدعو فيه لتسليم فتح الله جولن ودعم تركيا، ووصف المحقق الأمريكي الخاص روبرت مولر المقال بأنه كان «مهمًا لجهود الجمهورية التركية للتأثير على الرأي العام» بشأن الانقلاب العسكري في تركيا وتبعاته والمسؤولين عنه.
  • أوقف فلين خطة أمريكية وضعتها إدارة أوباما تقتضي تسليح قوات وحدات حماية الشعب الكردية والتعاون معها بهدف استعادة مدينة الرقم من تنظيم «داعش».
  • أخفى فلين تعاونه مع تركيا، في مخالفة للقوانين الأمريكية، ولكنه اعترف به لاحقًا أثناء تحقيقات مولر.

وللاطلاع على كافة تفاصيل التعاقد مع مايكل فلين اضغط (هنا).

185 مدرسة لتنظيم جولن في أمريكا.. فكيف تعامل اللوبي التركي معها؟

لتنظيم فتح الله جولن سلسلة من المدارس في الولايات المتحدة يقدّر عددها بحوالي 185 مدرسة أو أكثر، وتتهمها السلطات التركية باستخدام المدارس واجهةً لغسيل الأموال والتربُّح من التمويل الحكومي الأمريكي للمدارس في أمريكا.

تقدّر التحقيقات التركية أن عدد المدارس 200 مدرسة، يدرس فيها 81 ألف طالب أمريكي، وذكر وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، أن التنظيم يكسب من الأموال الأمريكية الممنوحة للمدارس 800 مليون دولار سنويًا. ووفقًا لتقديرات شبكة «سي بي أس» أخذت المدارس دعمًا حكوميًّا بأكثر من مليارين و100 مليون دولار من 2010 حتى 2017.

في أغسطس 2015، سعت تركيا لملاحقة المدارس قانونيًا، فتعاقدت مع شركة «أمستردام بارتنرز – Amesterdam & Partners» للضغط السياسي والمحاماة، وعملت الشركة على إستراتيجية شاملة تواصلت فيها مع الإعلام الأمريكي، وقدمت شكاوى قانونية للجهات القضائية في عدة ولايات أمريكية تتواجد فيها المدارس، وتواصلت مع الادعاء العام في هذه الولايات ومسؤولي وزارة العدل فيها.

ونفذت الشركة تحقيقًا واسعًا بشأن المدارس وأعدادها وأنشطتها، وما زالت حتى الآن تعمل لتركيا، ووصل مجموع ما تلقته من مدفوعات بنهاية عام 2019 إلى 2 مليون و250 ألف دولار.

Embed from Getty Images

فتح الله جولن، رجل الدين التركي المتهم بالتدبير للانقلاب العسكري في تركيا عام 2016.

وقعت تركيًا في مارس 2016 عقدًا مع شركة «ميركوري للعلاقات العامة – Mercury Public Affairs» للترويج لأعمال شركة أمستردام عن فتح الله جولن ومدارسه، وشملت الحملة الكونجرس والإعلام الأمريكي وإعلانات عن التحقيق، وكلّفت هذه الخدمات 57 ألف دولار أمريكي، وفقًا لوثائق الشركة بوزارة العدل الأمريكية.

كتبنا في «ساسة بوست» تقريرًا مفصلًا عن المدارس وكيف تعمل وتحصل على تمويل حكومي أمريكي لها، وعن تفاصيل الحملة التركية ضدها، يمكنك الاطلاع عليه من (هنا).

وتاليًا موجز عن مدارس جولن وحملة اللوبي التركي عليها:

  • يقول اللوبي التركي أن هنالك 200 مدرسة للتنظيم، يدرس فيها 81 ألف طالب، واستغلها التنظيم لاستقدام 6 آلاف و500 تركي من أعضاء التنظيم للولايات المتحدة بصفة معلمين.
  • تذكر عدة مصادر أن التنظيم يأخذ حصةً من رواتب الأتراك الذين يستقدمهم للعمل في المدارس.
  • تتهم المدارس بأنها واجهات للتنظيم لغسيل الأموال والتربح بطرق غير مشروعة، ولكن المدارس تنفي أي علاقة لها بالتنظيم.
  • قال أحد مستشاري جولن بأن المدارس «بدأت بأفراد يميلون لحركة جولن» وأنه يجب تقييم المدارس بأدائها وفقط.
  • ضغط رودي جولياني، مقرّب من ترامب ومحام له، لكي يرسل البيت الأبيض مذكرةً لوزير الخارجية عن المدارس وأنشطتها، ولكن الوزير ريكس تيلرسون تجاهلها.
  • لم تنجح حملة الضغط التركية بتحقيق أهدافها سواء بإغلاق المدارس أو تسليم إدارتها لجهات أخرى غير التنظيم.

3. الأكراد.. مسألة بعمر الجمهورية التركية

تمتد جذور المسألة الكردية في تركيا منذ تأسيس الجمهورية الحديثة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وظلت مسألة منفجرة ومتجددة طوال العقود الماضية. ولفهم الخلاف التركي الأمريكي على وضع الجماعات الكردية المسلحة في سوريا علينا أن نعود لعام 2011، واندلاع الثورة السورية في سياق الربيع العربي وما تلاها من حربٍ إقليمية كانت ساحتها سوريا، ثم الصعود الكبير لتنظيم «داعش».

دفع صعود تنظيم «داعش» الولايات المتحدة للبحث عن وكيلٍ يُقاتله نيابةً عنها، وكانت هذه الفرصة المثالية للجماعات الكردية لتؤدي مهمة قتال التنظيم، ولكن بمقابل الحصول على تمويل وتسليح وتدريب عسكري من أمريكا.

لم تفوّت الجماعات الكردية الفرصة التي سمحت لها بتعزيز مواقعها في شمال سوريا، لتقف مباشرةً على حدود تركيا الجنوبية، وهذا باختصار شديد خط أحمر تُجمِع عليه كافة أجهزة الدولة التركية وتياراتها، فوجود منطقة آمنة أو مستقلة في شمال سوريا للأكراد قد تتحول لقاعدة لتنسيق وتطوير هجمات داخل تركيا بإسناد من خارج الحدود، وأكثر ما تخشاه الدولة التركية أن ترتبط المناطق الكردية في سوريا بالمناطق الكردية في شمال العراق.

في هذا السياق من محاربة دولية لتنظيم «داعش»، يأتي الدعم الأمريكي الكثيف للجماعات الكردية، ومعه التوتر المستمر في العلاقات الأمريكية التركية.

لكن الأهم من ذلك، أن العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا خلال السنوات الماضية بدأت باستهداف تنظيم «داعش» والقوات الكردية، إذ تصف الدولة التركية كلا خصميها على حدٍ سواء بـ«الجماعات الإرهابية»، ثم وجَّهت العمليات بشكل خاص نحو القوات الكردية لإخراجها من الشريط الحدودي في شمال سوريا.

وأحدثت عملية «نبع السلام» الضجة الأكبر، إذ وافق ترامب على طلب أردوغان بعد اتصالٍ هاتفيّ، وأمر بانسحاب القوات الأمريكية من شمال سوريا لتتابع تركيا عمليتها ضد القوات الكردية الحليفة لأمريكا، وبالفعل انطلقت العملية في 9 أكتوبر 2019 في شمال شرق سوريا، وخرج ترامب ليقول: الأكراد «لم يساعدونا في الحرب العالمية الثانية، ولم يساعدونا في إنزال نورماندي»، في إشارة إلى أن أمريكا لا تدينُ للأكراد بشيء.

عملت العديد من الشركات لصالح اللوبي التركي في ملف الأكراد، وركز بعضها على مشروع قانون قدّمه السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، «قانون 2019 لمواجهة العدوان التركي»، وهو مشروع قانون طموح يسعى لفرض عقوبات على شخصيات مسؤولين أتراك مثل الرئيس ونائبه ردًا على التحرك التركي شمالي سوريا، ويفرض عقوبات على أي شخص ينخرط في تبادل أسلحة ستستخدمها القوات التركية في عملياتها العسكرية ضد «المجتمع الكردي السوري»، بحسب وصف نص التشريع، ولكنه لم يمر حتى الآن.

ضغطٌ مضاد.. أكراد تركيا يخطبون ود واشنطن

على الصعيد المحلي في تركيا، وصل الصراع بين بعض الجماعات الكردية المسلحة والدولة التركية إلى نقطة فاصلة مع مفاوضات ومحادثات سرية مستمرة، أعلنت عنها الحكومة التركية في 2012، مع «حزب العمال الكردستاني (بي كا كا)»، بقيادة عبد الله أوجلان، زعيمه وأحد مؤسسيه. في هذه المفاوضات، لعب الحزب الكردي التركي المعارض، حزب الشعوب الديمقراطي، دور الوسيط بين الدولة وأوجلان.

وشهدت تلك الأعوام انفراجةً في الحياة السياسية للأكراد الأتراك سرعان ما انهارت مع انهيار المفاوضات في منتصف 2015، لتتجه أصابع الاتهام مجددًا نحو حزب الشعوب الديمقراطي وقيادته، بتهم التواطئ وأحيانًا الانتماء لجماعات تصنّفها تركية بالإرهابية مثل «بي كا كا».

ويمتلك حزب الشعوب مكتبًا تمثيليًّا في واشنطن، تابع تمثيل مصالح الحزب عبر السنوات الماضية بالتوازي مع التطورات الإقليمية والمحلية.

ولا بد أن نشير إلى قلة كُلَف المكتب التمثيلي للحزب بالنظر لأنشطته واتساع علاقاته في واشنطن، فلم يكلّف منذ 2012 وحتى منتصف 2020 إلا 171 ألف دولار، وهو رقمٌ لا يذكر في مجال الضغط السياسي.

Embed from Getty Images

مؤيدون لحزب الشعوب الديمقراطي، حزب كردي تركي معارض، ويظهر في الصورة زعيم الحزب المعتقل صلاح دميرتاش.

تكشف وثائق الحزب في وزارة العدل الأمريكية عن تواصل مستمر مع جهاتٍ حكومية أمريكية، بما في ذلك مسؤولين رفيعي المستوى بوزارة الخارجية الأمريكية، من العاملين بالملف التركي والسوري والشؤون الكردية، فمثلًا اجتمع المكتب مع مسؤولين بالخارجية لمناقشة ما أسماه «التدمير والمذابح التي تنفِّذها حكومة الرئيس أردوغان ورئيس الوزراء داود أوغلو في كردستان التركية»، في إشارة للعمليات التركية.

وانعكست الأحداث الداخلية في تركيا على أنشطة الحزب في واشنطن، فمع اعتقال زعيم الحزب، صلاح دميرتاش، في نوفمبر 2016، بتهمة «الدعاية الإرهابية»، نفَّذ المكتب حملة ضغطٍ سياسيّ في الكونجرس للحديث عن قضيته، ويُذكر أن الحزب تواصل مع السيناتور الجمهوري جون ماكين، وكان حينها رئيس لجنة القوات المسلحة، وناقشوا مع مكتبه الاستفتاء الدستوري في تركيا ونتائجه.

للاطلاع على أنشطة الحزب في واشنطن بشكل تفصيلي، يمكنك قراءة هذه المادة، من (هنا).

وتاليًا ملخصٌ عن لوبي حزب الشعوب الديمقراطي في واشنطن وأنشطته:

  • للحزب اتصال مع وزارة الخارجية والدفاع الأمريكيتين، ومع مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض.
  • يتواصل الحزب مع العديد من أعضاء الكونجرس، وبخاصة المهتمين بالشأن التركي، ومن يعملون بلجان الخارجية.
  • تواصل الحزب مع خصوم إقليميين لتركيا، فاجتمع لمرة مع القنصل العام المصري بواشنطن، وتواصل مع السفارة اليونانية، وسفارة قبرص اليونانية، ومع اللوبي الأرمني.
  • تواصل الحزب مع اللجنة اليهودية الأمريكية، واحدة من أذرع اللوبي المناصر لإسرائيل بأمريكا، ومع رون ديرمير السفير الإسرائيلي بواشنطن، ومع مؤسسة بحثية إسرائيلية من إسرائيل باسم «ميتفيم».
  • بنى الحزب علاقات قوية وتواصلًا مستمرًا مع مراكز بحثية يمينية وصقورية وموالية لإسرائيل، وبعضها يتبع أحيانًا لتوجيهات إسرائيلية.
  • مكتب الحزب، ومعه لوبي إقليم كردستان في العراق، فشلوا في دفع الإدارة الأمريكية لفرض عقوبات على تركيا ردًا على تدخُّلها العسكري في شمال سوريا، ولم تنجح ضغوطهم لإيقاف انسحاب القوات الأمريكية.

4. بنك حكومي تركي تلاحقه الحكومة الأمريكية

اعتقلت الولايات المتحدة في مارس 2016 رضا ضراب، وهو تاجر ذهب إيراني – تركي، اتهمته السلطات الأمريكية بالتعاون مع «بنك خلق» بتسيير عملية مرّرت لإيران تحويلات مالية ضخمة، باستخدام واجهات من إيران وتركيا والإمارات، ساعدت طهران على تجاوز العقوبات الأمريكية والالتفاف عليها. ومع تطور القضية اتسعت لتشمل محمد هاكان أتيلا، وهو مصرفي تركي كان يعمل بالبنك ومتهم من قبل أمريكا بالتخطيط للعملية وهندستها.

Embed from Getty Images
محمد هاكان أتيلا، المصرفي التركي المتهم من قبل أمريكا في قضية بنك خلق، ويعمل الآن مديرًا لبورصة مدينة إسطنبول بتركيا.

قررت تركيا الاستعانة بـ«أصدقاء ترامب» لحل المشكلة، فوقعت عقدًا مع شركة «بالارد بارتنرز – Ballard Partners» للضغط السياسي. يرأس الشرك براين بالارد، الذي يتمتع بعلاقة وثيقة مع ترامب وشارك في حملته الرئاسية وتبرع لها بمبلغ 295 ألف دولار. وجاء فوز ترامب ليرفع من أسهم بالارد وشركته نظرًا لعلاقتها به.

قدمت الشركة خدمات ضغط سياسي واسعة النطاق، مع جهات حكومية مختلفة، وقدمت تمثيلًا لتركيا أمام وسائل الإعلام الأمريكية في القضية. ووصل مجموع ما حصلت عليه الشركة من عقديها مع السفارة التركية وبنك خلق إلى 5 ملايين و12 ألف دولار، وفقًا لوثائق الشركة على موقع وزارة العدل الأمريكية.

وكما ذكرنا سابقًا، تدخَّل رودي جولياني لصالح تركيا وطلب في البداية الإفراج عن رضا ضراب، وطرح فكرة استبداله بالقس الأمريكي أندرو برونسون، المعتقل آنذاك في تركيا، ثم ضغط على وزارة العدل، وعلى المحكمة الفيدرالية المُشرفة على قضية بنك خلق.

للاطلاع على تفاصيل عمل اللوبي التركي على قضية بنك خلق، يمكنك قراءة هذه المادة من (هنا).

موجزٌ عن معركة بنك خلق التركي وجهود اللوبي التركي:

  • تواصلت شركة بالارد بارتنرز مع وزارات: الدفاع والخارجية والخزانة الأمريكية، بالإضافة لمكتب ترامب ومكتب نائب الرئيس.
  • ضغط رودي جولياني على وزارة العدل والادّعاء العام الأمريكي لإنهاء القضية.
  • ألح أردوغان على ترامب لحل القضية، ووعده ترامب بحلها بعد التخلص من العاملين عليها.
  • وبالفعل طُرد المدعي العام للمحكمة المسؤولة عن القضية بأمر من الرئيس ترامب، ويذكر أنه أشرف على قضايا وتحقيقات مرتبطة بمساعدين للرئيس.
  • يسعى الادّعاء الأمريكي الآن للمضي قدمًا في قضية جديدة ضد البنك.

5. صفقة «إس–400».. البوصلة التركية تتحرَّك بعيدًا عن الغرب

جاءت صفقة شراء تركيا لمنظومة «إس–400» الروسية لتكون تجسيدًا واضحًا لتوجُّهات تركيا الجديدة، وأهمها تحوّل بوصلتها عن الغرب، وخروجها من موقعها القديم حليفًا مضمونًا للولايات المتحدة وأصدقائها في أوروبا إلى خط سياسي أكثر استقلالية، قادر على بناء تحالفات مُعقَّدة مع خصوم أمريكا، مثل روسيا، بأشكال مختلفة، مع اختلاف أرض المواجهة في سوريا وليبيا أو في الصراع الأرميني – الأذربيجاني.

دولي

منذ سنة واحدة
«حليف أمريكا اللدود».. هل تخرج أنقرة من عباءة واشنطن؟

انعكس هذا التحول الإستراتيجي على السلوك التركي في الملفات الدفاعية وتصنيع السلاح، فمنذ سنوات طويلة، وقبل قدوم حزب العدالة والتنمية للحكم، سعت الدولة التركية، عند عقد صفقات السلاح، إلى أن تكون شريكًا في بناء وتطوير السلاح، لا مجرد زبون.

في واشنطن، ضغط اللوبي التركي في ملفات دفاعية مختلفة، كان أهمها، كما ذكرنا آنفًا، الضغط لإقناع الأمريكيين بضرورة شراء تركيا للمنظومة الروسية وأنها حاجة أمنية ملحّة لتركيا بعدما رفض حلف الناتو أو الولايات المتحدة تزويد تركيا باحتياجها من منظومة الدفاع الجوية الأمريكية «باتريوت».

لكنَّ الرفض الأمريكي كان صلبًا، وتوسَّعَ لفرض عقوباتٍ مختلفة على تركيا أبرزها منعها من شراء مقاتلات «إف–35»، رغم مشاركة تركيا القديمة في برنامج تصنيعها منذ عام 2001. ولم تقف العقوبات عند هذا الحدّ، بل قدَّم الكونجرس عقوباتٍ تمنع تركيا من تحديث مقاتلات «إف–16» أو شراء قطع جديدة لها، على الرغم من أن تركيا ساهمت في تصنيعها أيضًا.

وبشكلٍ عام، عملت معظم الشركات التي وظّفها اللوبي على ملفّ التسليح، ولكن مجموعة من أذرعها ركزت على الملف بشكل خاص.

في 2010 تعاقدت تركيا مع موريس ماكفين، وهو جنرال أمريكي تقاعد عن سلاح الجو الأمريكي، وقبيل تقاعده عمل قائدًا للقوات الجوية لحلف الناتو في مدينة إزمير التركية، ليؤسس مكتبًا تمثيليا لشركة دفاعية تملك وزارة الدفاع التركية حصصًا فيها، وليبدأ ببناء علاقات وتواصل مع شركات الدفاع الأمريكية الكبرى. استمرت علاقة ماكفين بتركيا لعامين وانتهت في مارس 2012، وتلقَّى 289 ألف دولار مقابل خدماته.

وبعده جاءت فرح أوزباك، بتعاقد مع مكتب وكيل الوزارة للصناعات الدفاعية المسؤول عن تنسيق الصفقات والاستحواذات العسكرية التركية. ويُذكر أن فرح عقيدة أمريكية وقانونية مختصة بالشؤون العسكرية.

تابعت فرح على الجهود السابقة ووطّدت التواصل مع الشركات الأمريكية الكبرى، وحافظت على اتصالٍ مستمر مع مسؤولين في الحكومة الأمريكية من المشرفين على الصفقات العسكرية وتحويل الأسلحة والتقنيات الأمريكية.

ونسَّقت فرح تواصل تركيا مع قيادة البرنامج المشترك لتصنيع مقاتلة «إف–35»، وعملت على تخطِّي العراقيل التي تؤخِّر تقدُّم صفقات تركيا لشراء المقاتلات، وذلك وفقًا لملفاتها على موقع وزارة العدل الأمريكية، وتظهر أيضًا أنها تلقت 291 ألف دولار خلال أعوام خدمتها الممتدة بين عامي 2012-2015.

Embed from Getty Images
بوتين، الرئيس الروسي، ونظراؤه: أردوغان رئيس تركيا، وترامب الرئيس الأمريكي في قمة العشرين لعام 2019.

وتتابعت الجهود التركية للتنسيق المباشر بشأن صفقات السلاح حتى نهاية أغسطس 2018، حين أنهت تركيا تعاقدها مع آخر مُمثِّل فردي يدير العلاقات مع الشركات الدفاعية الأمريكية. مع نهاية 2018، انتقلت تركيا من محاولة إقناع الأمريكيين بضرورة شراء المنظومة الروسية، إلى الدفاع عن موقفها والضغط ضدّ العقوبات التي لاحت في الأفق.

تعاقدت الحكومة التركية مع شركة «فينابل – Venable»، التي عملت ضد عدة تشريعات طموحة طُرحت في الكونجرس خلال عام 2019، تستهدف تركيا بعقوبات اقتصادية وعسكرية لردعها عن المسار الذي دخلت فيه، وتلقت الشركة 247 ألف دولار أجرًا لخدماتها.

يمكنك قراءة هذا الموضوع الشامل عن اللوبي التركي والضغط في ملف السلاح بواشنطن من (هنا).

وتاليًا موجزٌ سريع عن اللوبي تركي وملف التسليح في أمريكا:

  • شراء تركيا لمنظومة «إس–400» فتح عليها أبواب عقوبات وضغط متتابع من الكونجرس الأمريكي، لردعها عن التقدم في هذا المسار.
  • العقوبات المحتملة على تركيا عسكرية وليست اقتصادية فحسب، تشمل منع تركيا من شراء «إف–35»، أحدث مقاتلة أمريكية، وتمنع تركيا من تحديث وإصلاح مقاتلاتها من طراز «إف–16».
  • دفعت تركيا أكثر من مليون و58 ألف دولار بشكل مباشر على جهود الضغط السياسي في ملف السلاح والصناعات الدفاعية، من مطلع 2010 وحتى منتصف 2020.
  • تواصل ممثلو تركيا بشكل مستمر مع شركات الدفاع الأمريكية الكبرى، مثل: لوكهيد مارتن، وبوينج، وشركة رايثيون المنتجة للصواريخ الموجهة الدقيقة.
  • تواصل اللوبي مع جهات حكومية أمريكية مختلفة معنية بالأسلحة وصفقات السلاح، مثل: وكالة تعاون الأمن الدفاعي، ومكتب نائب وزير الدفاع للاستحواذ والاستدامة، ومع وكالة «داربا»، مطورة أحدث التقنيات الأمريكية بهدف توظيفها لاستخدامات عسكرية.

المعارضة التركية وعلاقات دافئة مع اليمين الأمريكي وإسرائيل

في الوثائق التركية، تعرّفنا على قصة سياسي تركي معارض يعمل في واشنطن وبنى خلال الأعوام الماضية علاقة عمل دافئة مع اليمين الأمريكي ومع اللوبي المناصر لإسرائيل في واشنطن، هذا السياسي هو يورتر أوزجان، مُمثِّل حزب الشعب الجمهوري في الولايات المتحدة، أكبر حزب تركي معارض والراعي القديم للقيم الكمالية في تركيا.

أسس أوزجان مكتب الحزب بواشنطن عام 2013 واستطاع خلال أعوام قليلة بناء شبكة علاقات واسعة داخل الكونجرس الأمريكي، وحافظ على اتصالٍ مباشر بوزارات مثل الخارجية والدفاع، وكذلك بالبيت الأبيض.

ولكن اللافت للنظر في وثائق الحزب، تواصله المستمر منذ تأسيسه لمكتب الحزب مع جهات مناصرة لإسرائيل، فمثلًا اجتمع رئيس الحزب مع «منظمات يهودية» في زيارة له لواشنطن، وتواصل أوزجان نفسه مع مسؤولين كبار في «أيباك» و«بناي بريث»، وكلها منظمات مناصرة لإسرائيل بالكامل، ولاحقًا حضر المؤتمر السنوي لأيباك في 2018.

امتد التواصل مع اللوبي المناصر لإسرائيل ليشمل المراكز البحثية، فحضر أوزجان المؤتمر السنوي للمعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي في 2014، وشارك في اجتماعات للمعهد، وهو منظمة بحثية أمريكية تروج للسياسات الإسرائيلية وضرورة الدعم الأمريكي لها.

أما العلاقة مع اليمين الأمريكي، فكان أبرز شخص فيها هو جون هانا، المساعد السابق لديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي بوش، وأهم وجه في اليمين الأمريكي الجديد، ومن مهندسي الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان مطلع القرن الحالي.

يعمل هانا الآن في مركز الدفاع عن الديمقراطيات، وهو مركز بحثي صقوري (يدعم سياسة الحرب)، وينسّق أجندته مع اللوبي الإسرائيلي بواشنطن.

Mart’ın sonu bahar parolasıyla, CHP tarihinde yaptığımız en büyük çıkışın mimarı olan Genel Başkanımız Sayın Kemal…

Posted by Yurter Ozcan on Wednesday, 17 April 2019

يورتر أوزجان، ممثل حزب الشعب الجمهوري في أمريكا، مع رئيس الحزب الحالي كمال كليتشدار أوغلو.

يذكر أن مكتب الحزب التركي يتواصل بشكل مستمر مع المركز وباحثين فيه، بالإضافة للباحثين المختصين بالشؤون التركية في مراكز أخرى موالية لإسرائيل مثل مركز التقدم الأمريكي، ومعهد إنتربرايز الأمريكي، بالإضافة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.

كتبنا موضوعًا شاملًا عن أنشطة حزب الشعب الجمهوري في الولايات المتحدة وعن مؤسسه وأبرز علاقاته، يمكنك الاطلاع عليه من هنا.

ملخصٌ لأنشطة حزب الشعب الجمهوري في واشنطن:

  • تواصل الحزب بشكل مكثف مع اللوبي المناصر لإسرائيل، مثل «أيباك»، ومع السفارة الإسرائيلية بواشنطن.
  • يحافظ الحزب على علاقات قوية مع الباحثين المختصين بالشأن التركي في عدة مراكز بحثية أمريكية، وبشكل خاص المراكز اليمينية الصقورية.
  • للحزب تواصل مباشر مع وزارات الخارجية والدفاع، ومع البيت الأبيض.
  • ينسق مكتب الحزب زيارات لوفود من تركيا للاجتماع مع مسؤولين بالخارجية والبيت الأبيض، ومع اللوبي المناصر لإسرائيل.
  • تواصل المكتب عدة مرات مع آنا ماكانجو، مستشارة خاصة لشؤون أوروبا وأوروسيا لجو بايدن عندما كان نائبًا لأوباما.
  • اجتمع أوزجان مع وزارة الدفاع الأمريكية قبل يوم واحد من محاولة الانقلاب في 2016، وقبله بأسبوع مع الخارجية الأمريكية.

شركات كبرى تدير اللوبي التركي

عهدت تركيا في السنوات الماضية لشركات كبرى بمهمة إدارة أنشطة اللوبي المتفرّعة، وبمهمة استئجار شركات صغيرة لتنفيذ خدمات ضغط محددة. من أهمها «مجموعة جيبهاردت – Gephardt Group» للضغط السياسي، وأهمية الشركة من مؤسسها، ريتشارد جيبهاردت، عضو الكونجرس الديمقراطي الذي خدم لأكثر من 28 عامًا، وكان زعيمًا للديمقراطيين بمجلس النواب طوال 14 عامًا من سنوات خدمته.

بدأت الشركة في خدمة تركيا منذ 2008، وتحصلت مقابل خدماتها بين أعوام 2010 و2016 على 9 ملايين و197 ألف دولار. أدارت جيبهاردت جزءًا واسعا من أنشطة اللوبي خلال هذه الأعوام، ثم ورَّثت دورها لشركة «جرين بيرج توريج – Greenberg Taurig»، وانطلقت الشركة للتعاقد مع شركات ضغطٍ جديدة لتواكب التغيُّر في المشهد السياسي الأمريكي بعد وصول ترامب للبيت الأبيض في مطلع عام 2017.

ويعمل في طاقم الشركة مجموعة من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ السابقين الذين عملوا لسنوات في الكونجرس، ومن فريق الشركة رودي جولياني الذي أتينا على ذكره سابقًا. تستمر الشركة في تقديم خدماتها حتى الآن، ومجموع ما حصلته حتى أبريل (نيسان) 2020 يصل إلى 6 ملايين و400 ألف دولار.

أشرفت هاتان الشركتان على الكثير من الشركات الأخرى الصغيرة، وعملت على عموم الأجندة التركية في واشنطن.

تركيا تختار وكلاءها بانتقائية

استطاع اللوبي التركي الوصول لشخصيات نافذة وتعيينها لتعمل لصالحه، ومن أهم هذه الشخصيات بورتر جوس، الذي أدار «وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي ايه)» بين أعوام 2004 و2006، وزميله دينيس هاستيرت، جمهوري كان المتحدث باسم مجلس النواب منذ 1999 حتى 2007، وواحد من أهم الجمهوريين.

وحصلت تركيا على خدماتهما بالتعاقد مع شركة «ديكستين شابيرو – Dickstein Shapiro»، في فبراير 2009، واستمرت العلاقة حتى منتصف 2015 بفاتورة تصل إلى 2 مليون و295 ألف دولار.

تعاقدت تركيا أيضًا مع تاونر فرنش، الموظَّف السابق في الكونجرس بمكتب النائب الجمهوري بيتي سيشنز، وهو رئيس واحدة من أهم لجان النواب، إذ تنظّم جدول أعمال وأجندة المجلس بالكامل، ومن الجدير بالذكر أن سيشنز كان الرئيس السابق لتكتُّل تركيا في الكونجرس.

وضع اللوبي التركي يدها على مُساعده بالتعاقد مع شركة «كابيتول كاونسل – Capitol Councel»، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وتظهر وثائق الشركة تواصلًا مستمرًا مع مكتب سيشنز ومعه شخصيًا. ويعمل في الشركة نفسها جيم ماكري، الذي كان نائبًا جمهوريًا في الكونجرس لفترة طويلة، منذ 1988 حتى 2009.

ولدينا «مجموعة داشلي – Daschle Group»، عملت لتركيا من أغسطس 2017 وحتى نهاية 2018، وحصلت على 648 ألف دولار مقابل خدماتها. تتميز الشركة بمؤسسها توماس داشلي، الذي كان رئيسًا للأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ للأعوام 2001–2003. ولربما داشلي من الشركات القليلة التي عملت لتركيا وتواصلت مع الديمقراطيين في الكونجرس بعد فوز ترامب.

في هذا التقرير: «كيف يتحرك اللوبي التركي في واشنطن؟» نستعرض وثائق خمس شركات كبرى عملت لتركيا في الأعوام الماضية، يمكنك الاطلاع عليه لقراءة مفصلة وشاملة.

تركيا والإعلام الأمريكي

كيف تنسق تركيا تمثيلها الإعلامي في الولايات المتحدة؟ عبر شركاتٍ تشرف بالكامل على العمليات والتواصل الإعلامي في الولايات المتحدة نيابةً عن السفارة التركية.

فبدأت في منتصف عام 2014 علاقة مع شركة «ألبايتاك– Alpaytac»، التي أدارت لمدة عام الشؤون الإعلامية للسفارة التركية بواشنطن، وعملت على نشر مقالات لمسؤولين أتراك منهم الرئيس أردوغان ورئيس وزرائه السابق أحمد داود أوغلو. وروّجت الشركة لأنشطة السفارة وجهود الدبلوماسية التركية في ملفاتٍ عالمية مختلفة.

الإشراف على كامل الأنشطة الإعلامية يأتي مع كلفةٍ عالية، إذ أخذت الشركة مليونًا و420 ألف دولار في عامٍ واحد فقط.

Embed from Getty Images
أحمد داود أوغلو، وزير الخارجية التركي ثم رئيس وزراء تركيا، مع نظيره وزير الخارجية الأمريكي جون كيري

ثم تلتها شركة «أبكو– APCO» في أغسطس 2016، لتقدم خدماتها لتركيا في الشهور الثلاث التالية للانقلاب، بكلفةٍ باهظة وصلت إلى 741 ألف دولار. ثم جاءت شركة «بيرسون مارستيلر – Burson Marsteller» لتتابع تمثيل تركيا إعلاميًا وتروج للفعاليات الثقافية والسياسية التي ترعاها السفارة، بعقد كلّف أكثر من مليون و100 ألف دولار في 6 أشهر.

أدارت الشركة كامل التواصل الإعلامي للسفارة، وقدَّمت استشارات إعلامية لزيارة أردوغان لواشنطن في مايو (أيار) 2017.

تحركات تركية غير سياسية

تقابلنا في وثائق تركيا ملفات لجهات تجارية وصناعية في تركيا، نفَّذت أنشطة تجارية وترويجية وإعلامية.

منها عقدٌ لمجلس المُصدِّرين الأتراك، وهو مجلس يتكوَّن من 65 اتحادًا تصديريًا وليس مرتبطًا إداريا ولا ماليًا بالحكومة التركية. عملت الشركة الأمريكية في العقد على الترويج لأخبار مثل افتتاح مركز تجارة باسطنبول، وتواصلت مع عشرات وسائل الإعلام الأمريكية لتنسيق مقابلاتٍ للمجلس معها، بكلفة 363 ألف دولار.

ونجد عقدًا لرابطة مُصنِّعي الفولاذ والحديد التركية، بهدف الترويج لأهمية العلاقات التركية الأمريكية في هذه الصناعة، ودفعت الرابطة 87 ألف دولار أمريكي.

ومن العقود اللافتة للنظر، عقد لشركة بوروسان مانسمان، وهي شركة حديد وصلب تركية تصنّع أنابيب فولاذية. الهدف من تعاقدها رفع اسم الشركة من لائحة نشرتها وزارة الخارجية الأمريكية تفرض على الشركة ضرائب إضافية، بدعوى أن الشركة التركية تتلقى دعمًا من الحكومة التركية لتصنيع منتجاتها. وتذكر الملفات أنّ الشركة لم تُنفِّذ خدمات ضغط سياسي ومن ثم لا توجد تفاصيل عن نشاطها سوى مدفوعات قيمتها 200 ألف دولار.

ونجد ثلاثة عقود لشركة «فن بارتنرز– Finn Partners»، أحدها للترويج لمجلس مُصدِّري تركيا، ولأهمية المنتجات التركية في السوق الأمريكي، بكلفة 84 ألف دولار. ولها عقدان آخران، واحد مع وزارة السياحة والثقافة التركية، والآخر مع مكتب الثقافة والسياحة في القنصلية التركية بنيويورك، وكلاهما للترويج للسياحة في تركيا بكلفة وصلت إلى 821 ألف دولار.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد