هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكافة الوثائق متاحةٌ للتصفح على الإنترنت.

شهدت دولة الصومال خلال العشر سنوات الماضية العديد من الأحداث والتغيرات المحورية التي شكَّلت وبدَّلت السياسات الداخلية والخارجية؛ فمنذ عام 2010 حتى عام 2020 انتخبت الصومال ثلاثة رؤساء للدولة، هم: شريف شيخ أحمد (2009-2012)، وحسن شيخ محمد (2012-2017)، وأخيرًا محمد عبدالله فرماجو عام 2017.

وبالحديث عن التطورات في ملفاتٍ هامة مثل الأمن والاستقرار لم يزل الانقلاب الذي أدى إلى انهيار الدولة عام 1991 يلقي بظلاله على الصومال حتى الآن، وعلى الرغم من أنّ الصومال ربما أحرزت تقدمًا في ملف الأمن والاستقرار، إلا أن التغيرات لم تكن كافية لاعتباره بلدًا مستقرًا.

يمكن أن نستدل على ذلك بالنظر إلى مراسم انتخاب محمد عبد الله فرماجو، التي جرت في أجواءٍ أمنيةٍ مشددة داخل المطار الرئيس في العاصمة الصومالية مقديشو، وسط حصارٍ أمنيٍّ من آلاف الأفراد التابعين للاتحاد الأفريقي. فضلًا عن ذلك تواصل جماعة الشباب الصومالية المسلحة أعمال العنف، التي خلَّفت حوالي 4 آلاف قتيل في العقد الأخير.

وبالحديث عن ملف الانفصال الذي تسعى له بعض الأقاليم في الصومال، فلم تُنجِز الحكومة الصومالية المركزية تقدُّمًا ملموسًا في توحيد الجبهة الداخلية، وبالأخص على جبهتي إقليم أرض البنط، وإقليم أرض الصومال. وتتمتع هذه الأقاليم بحكمٍ ذاتيّ، بل تسعى حكومتا الإقليمين إلى الاستقلال، وإقامة دولة ذات سيادة للإقليم.

وبالنظر إلى الصومال في الفترة بين عامي 2010 و2020، نجد أن التغيُّرات السياسية التي طرأت على دولة القرن الأفريقي، سواء كانت تخص حكومة الصومال المركزية، أو حكومتي إقليمي أرض الصومال وأرض البنط، دفعت الجميع إلى الحصول على الدعم الدولي، وبالأخصّ الدعم الأمريكي. وأفضل سبيل لذلك هو الضغط السياسي في واشنطن.

Embed from Getty Images
خريطة الصومال.

الضغط السياسي هو أداة فعالة تستخدمها مختلف الدول حول العالم للتأثير على السياسات الأمريكية التي تخصُّها أو تشتبك مع ملفات تنفعها أو تضرها. ويكون ذلك من خلال تعاقدٍ بين الزبون (الذي غالبًا ما يكون جهة حكومية دولية أو حزب سياسي أو شركة مرتبطة بسياسة دولتها) مع شركة أمريكية مُختصَّة أو أفرادٍ مهمين في الرواق السياسي الأمريكي.

ويوثَّق التعاون من خلال كتابة عقدٍ وتسجيله في وزارة العدل الأمريكية، ويحتوي العقد على أهداف الضغط السياسي ومُدَّة العقد والأنشطة التي تقوم بها الشركة الأمريكية بالنيابة عن الزبون، فضلًا عن قيمة العقد بالدولار الأمريكي.

وطبقًا لملفات وزارة العدل الأمريكي؛ أنفقت كافة الأطراف الصومالية حوالي 2 مليون و60 ألف دولار أمريكي على أنشطة الضغط السياسي في الولايات المتحدة خلال العقد المنصرم. وفيما يلي نسرد من أنفق هذه الأموال، ولأي غرض.

فرماجو وحقبة جديدة من الضغط السياسي

سعت الحكومة الصومالية لممارسة الضغط السياسي على الحكومة الأمريكية نهايةً منذ القرن الماضي، ويمتلك الرئيس الحالي عبد الله فرماجو، خبرةً طويلة في السياسة الأمريكية، فقد درس وتعلَّم وشغل مناصب حكومية في الولايات المتحدة عقب لجوئه لها عام 1988، وكان يحمل الجنسية الأمريكية، وهو ما جعله يدرك أهمية الضغط السياسي لتحقيق مصالح الصومال التي «تتشابك» مع الولايات المتحدة.

Embed from Getty Images
محمد عبد الله فرماجو في حفل تنصيبه رئيسًا للصومال في فبراير (شباط) 2017.

ضغطٌ ضدّ العقوبات

قبل أن يصعد فرماجو إلى كرسي الرئاسة بسبعة سنوات، تحديدًا في عام 2010، واجه الصومال عقوبات اقتصادية فرضتها عليه حكومة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، وعَزَت الحكومة الأمريكية تلك العقوبات بسبب ما وصفته بالـ«التقاعس» في الأداء الحكومي الصومالي تجاه أزمة ازدهار «جماعة الشباب»، وأزمة انتشار ظاهرة القرصنة على السواحل الصومالية التي هاجمت عشرات السفن الأمريكية.

اختير محمد عبد الله فرماجو رئيسًا للصومال في 8 فبراير عام 2017، وبعد بضعة أشهر من انتخابه، وجَّه فرماجو حكومته لإبرامِ عقودٍ جديدة تساعده على كسب تأييد الحكومة الأمريكية.

سعى فرماجو أولًا للتخلص من العقوبات: لذلك وقَّعت حكومته عقدًا مع شركة «بارك ستراتيجيز (Park Strategies)» في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، واستمر العقد لمدة أربعة أشهر، وذكرت ملفات وزارة العدل الأمريكية أنَّ الصومال دفعت 41 ألف و646 دولار أمريكي نظير ما قدّمته الشركة من خدمات، ووقع على هذا العقد أحمد عوض، السفير الصومالي إلى الولايات المتحدة.

من تعاقد الحكومة الصومالية مع شركة «بارك ستراتيجيز» للضغط السياسي، ويظهر في الصورة توقيع أحمد عوض، السفير الصومالي إلى الولايات المتحدة الأمريكية. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

خلال فترة العقد ناقشت الشركة أزمة العقوبات الصومالية مع أعضاء من مجلس الشيوخ، كان من بينهم الجمهوري الشهير ليندسي جراهام، رئيس اللجنة القضائية في المجلس، وممثلون آخرون عن لجان في المجلس؛ وبالتحديد اللجان المعنية بالمساعدات العسكرية والسياسية.

العقد الأهم لفرماجو.. عودة المساعدات وزيارة للأمم المتحدة

وقع اختيار الحكومة الصومالية على شركة «سونوران بوليسي جروب (Sonoran Policy Group)» الأمريكية، التي سهَّلت حضور فرماجو الجمعية العمومية للأمم المتحدة، التي عقدت في سبتمبر (أيلول) عام 2019 من بين خدمات أخرى.

وأثناء تواجده في الولايات المتحدة، نسَّقت الشركة الأمريكية عِدّة لقاءات لفرماجو مع جهاتٍ أمريكية ذات نفوذ، كان من بينها مجلس الأمن القومي الأمريكي، ووزارة الخارجية.

هدف العقد بين حكومة فرماجو وشركة «سونوران» إلى أمرٍ آخر، وهو الضغط لاستمرار المساعدات الأمريكية الصومالية، التي أوقفتها الحكومة الأمريكية في عام 2017 بداعي اكتشافها جريمة فساد تتعلَّق بتصرُّف الجيش الصومالي في المعونة الأمريكية.

نجحت مساعي الشركة، وقررت الحكومة الأمريكية إعادة المعونة العسكرية للصومال بشكلٍ محدود وتدريجي لاحقًا في يوليو (تموز) 2019، كما أنها أيضًا أعلنت حزمةً أخرى من المعونات الإنسانية بقيمة 257 مليون دولار إلى الشعب الصومالي.

يُذكَر أنّ رئيس الشركة، روبرت ستيرك، كان أحد المقربين من إدارة ترامب، وقد ارتفع سهم شركته بين شركات الضغط بشكل ملحوظ عقب فوز ترامب في الانتخابات.

انتهى التعاقد بين الطرفين في نهاية شهر مارس (أذار) 2019 بعد ثمانية أشهر من التعاون، حصلت خلالها الشركة الأمريكية على 400 ألف دولار أمريكي طبقًا لملفات وزارة العدل.

الخارجية الأمريكية توصي بإلغاء اجتماعات لصالح فرماجو

سعى فرماجو مرة أخرى لكسب ثقة الحكومة الأمريكية، من خلال تعاقده مع شركة «زبلين كومينيكيشن – Zeppelin Communications»، التي حصلت على 45 ألف دولار أمريكي نظير خدماتها، التي استمرت في الفترة بين 12 أغسطس (آب) 2019 و5 أبريل (نيسان) 2020.

الصومال

منذ 7 شهور
مسؤول أمريكي سابقًا ورئيس الصومال حاليًا! رحلة عبد الله فرماجو مع الضغط السياسي

ونسقت الشركة لقاءات صحافية للرئيس الصومالي مع صحافيين في «ناشيونال إنترست» و«سالون» و«بافالو نيوز»، وذلك أثناء تواجده في الولايات المتحدة لحضور المؤتمر السنوي للأمم المتحدة. ونسَّقت كذلك نشر مقال للسفير الصومالي في أمريكا، علي شريف أحمد، في مجلة «ناشيونال إنترست».

عملت الشركة كذلك على تنسيق عدة اجتماعات للرئيس مع أعضاء في الكونجرس، ولكن الرئيس الصومالي ألغاها بتوصيةٍ من وزارة الخارجية الأمريكية.

وذكرت ملفات وزارة العدل الأمريكية أن شركة استشارات صومالية باسم «إليت كونسالتنج جروب (Elite Consulting Group)»، وقَّعت عقدًا هي الأخرى مع شركة «سونوران» لتنفيذ أنشطة تتعلَّق بدعم الديمقراطية والسلام في الصومال؛ لكن الملفات ذكرت أيضًا أنه لم يحدث تبادل أي مبالغ مالية بين الطرفين، أو حتى تنفيذ الشركة الأمريكية أنشطة ضغط سياسي بالنيابة عن الزبون الصومالي.

«أرض الصومال» والسعي نحو الإستقلال في واشنطن

منذ عام 1991 يسعى إقليم أرض الصومال إلى الاستقلال عن الصومال، وفي ضوء ذلك سعت الحكومات المتعاقبة للإقليم إلى التعاون مع جماعات ضغط سياسي ودبلوماسي للسعي وراء هدف الاستقلال.

في عام 1996 بدأ التعاون بين إقليم أرض الصومال وبين شركة «إندبندنت ديبلومات – Independent Diplomat»، وهي شركة دولية معروفة بخدماتها التدريبية المتعلقة بالدبلوماسية والشؤون الدولية، التي تقدمها للحركات والجماعات الانفصالية.

 244 ألف دولار لتطوير جهود أرض الصومال الدبلوماسية

في اليوم الثالث من شهر يناير (كانون الثاني) عام 2011 أبرمت حكومة الإقليم عقدًا جديدًا مع «إندبندنت ديبلومات» لتحقيق أهداف متعددة، أهمها: السعي وراء الاعتراف الدولي وجلب الاستثمارات والمساعدات إلى الإقليم الصومالي المتمرد.

واستمر العقد بين الطرفين لمدة 11 شهر، حصلت فيه «إندبندنت ديبلومات» على 244 ألف دولار أمريكي. وجرى تمديد العقد مرة أخرى لمدة سنة جديدة، لكن لم نجد أي تفاصيل في ملفات وزارة العدل تخصّ القيمة المالية أو الأنشطة الي قامت بها الشركة.

من تعاقد إقليم أرض الصومال مع شركة «إندبندنت ديبلومات»، ويظهر في الصورة توقيع محمد عمر، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في الإقليم. المصدر: موقع وزارة العدل الأمريكية.

ويذكر موقع شركة «إندبندنت ديبلومات» أنَّ إقليم أرض الصومال نجح في إبرام إتفاقية مع حكومة دولة الإمارات تقتضي باستثمار إحدى الشركات التابعة للحكومة الإمارتية مبلغًا قدره 442 مليون دولار في ميناء بربرة، الذي يساهم بشكل كبير في دفع اقتصاد أرض الصومال، ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ وثائق شركة «إندبندنت ديبلومات» في وزارة العدل الأمريكية لا تتحدث عن أي دور لها في الاتفاق الاستثماري الإماراتي، ورغمَ ذلك ذكرت الشركة الاتفاقية على موقعها الإلكتروني.

تعاون ممتد مع شركة «Glover Park»

شركة «جلوفر بارك (Glover Park)» هي واحدة من أكبر وأشهر شركات الضغط السياسي في الولايات المتحدة. أسَّسها مايكل فيلدمان وكارتر ايسكو، اللذان كانا يعملان في فريق «آل جور» عندما كان نائب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وقد ترشّح آل جور فيما بعد في انتخابات الرئاسة الأمريكية التي انتهت بفوز جورج بوش الإبن في عام 2000.

تضمَّنت ملفات وزارة العدل الأمريكية ثلاثة عقود منذ عام 2010 وحتى الآن بين حكومة أرض الصومال وشركة «جلوفر بارك» الأمريكية. كان العقد الأول في الأسبوع الأخير من شهر مارس عام 2013، وقد امتد لمدة شهرين فقط حصلت فيهما الشركة الأمريكية على 22 ألف و500 دولار أمريكي، وقّع على هذا العقد حرسي علي حسن، وزير الشؤون الرئاسية بحسب الوثائق.

أمّا العقد الثاني بتوقيع سعد علي شيري، وزير الخارجية والتعاون الدولي، فقد أبرم في 27 أغسطس 2018، وامتد أيضًا لمدة شهرين فقط بنفس القيمة، 22 ألف و500 دولار أمريكي. وجاء العقد الثالث امتدادًا للعقد الثاني، وسُجِّل في 20 ديسمبر 2018، واستمر لمدة تسعة أشهر بقيمة 66 ألف دولار أمريكي، ولكن هذا العقد بتوقيع ياسين حجي محمود، ممثلًا عن وزارة الخارجية، ولم توضّح الوثائق صفته الإدارية.

Embed from Getty Images
سكان أرض الصومال يحتفلون بالذكرى الـ27 لإعلان انفصالهم أحادي الجانب. 15 مايو (أيار) 2018.

استغلت «جلوفر بارك» علاقتها الوطيدة برموز السياسة في الولايات المتحدة، وعقدت لقاءاتٍ واجتماعات مع شخصيات بارزة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي: مثل تيد كروز، الذي يعمل في لجنة القوات المسلحة في المجلس، وسبق أن ترشَّح للرئاسة عام 2016. واجتماعًا آخر مع عضو مجلس الشيوخ ماركو روبيو، عضو لجان الاستخبارات، والعلاقات الخارجية، والاعتمادات، وكان هو الآخر مرشحًا في سباق الرئاسة عام 2016.

وتضمَّنت الاجتماعات أيضًا لقاءات آخرى مع ممثلين من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي والوكالة الأمريكية للتعاون الدولي (هيئة المعونة الأمريكية)، فضلًا عن عدة لقاءات صحفية مع مؤسسات وصحف إعلامية أمريكية.

هدف التعاون بين حكومة أرض الصومال وشركة «جلوفر بارك» بالأساس للترويج لفكرة استقلال أرض الصومال عن الصومال، ولكن في العقد الثاني والثالث اتفق الطرفان على تحقيق هدف جديد؛ وهو التفاوض مع الإدارة الأمريكية لكي ترفع مواطني أرض الصومال من الحظر الذي فرضته الإدارة الأمريكية على مسلمي بعض الدول، ومنها الصومال.

إنشاء مكتب لإقليم أرض الصومال في أمريكا

تحت عنوان «بعثة أرض الصومال في الولايات المتحدة»، أسَّست حكومة أرض الصومال بتاريخ 12 أغسطس 2018 مكتبًا لها في الولايات المتحدة الأمريكية ليمارس أنشطة ضغط سياسي تحقِّق أهداف أرض الصومال، وأهمها الاستقلال والتحول إلى دولة ذات سيادة.

وفي الثالث من مايو 2020 سجَّلت بعثة أرض الصومال في الولايات المتحدة (Mission of Somaliland to the United States, LLC) عقدًا مع وزارة الخارجية في أرض الصومال، بدأ في 12 أغسطس 2018، لتنفيذ أنشطة ضغط سياسي وعلاقات عامة من أجل التسويق لاستقلال أرض الصومال. وكلفت الأنشطة التي قامت بها بعثة أرض الصومال حوالي 220 ألف دولار أمريكي.

أرض البنط تريد الاستقلال أيضًا.. لكن مشكلاتها أكبر

في يوليو 1998 أعلن إقليم بونتلاند الاستقلال بالحكم عن حكومة الصومال المركزية؛ حتى «لا تطولها النزاعات التي ضربت البلاد منذ عام 1991»، وحتى الآن يتمتع إقليم ولاية أرض البنط بالحكم الذاتي، ولكنه يتبع للحكومة الفيدرالية الصومالية في العاصمة مقديشو.

أعلن الرئيس، العقيد عبد الله يوسف، تعليق الانتخابات البرلمانية في الإقليم بعد خمس سنوات من الحكم الذاتي، في فبراير 2001، وعلى إثر ذلك نشب نزاع مسلح في الإقليم استمر حتى عام 2004 عندما أجريت انتخابات لرئاسة الإقليم هزم فيها العقيد أمام منافسه محمد هاشي، الذي حكم الولاية لثلاثة شهور فقط؛ إذ خرج من منصبه بإعادة للانتخابات، وفي السنوات التالية شهدت الولاية أربعة انتخابات أخرى.

الصومال

منذ 7 شهور
«بونتلاند».. إقليم صومالي فقير يبحث عن حلول في واشنطن

تذكر ملفات وزارة العدل الأمريكية أن أرض البنط لجأت إلى الضغط السياسي لتحقيق أهداف هامة تتعلق بملفين مهمين: التخلُّص من القراصنة وعودة المستثمرين.

تطل أرض البنط جغرافيًا على خليج عدن الذي يقع في موقع إستراتيجي يتصل بالمحيط الهندي والبحر الأحمر وقريب من البحر العربي والخليج العربي، ولذلك تمر به الكثير من السفن التجارية القادمة من أوروبا والولايات المتحدة.

وفي الفترة بين عامي 2005 و2012، انتشر القراصنة على ساحل الصومال، في خليج عدن ومضيق باب المندب، فكانوا ينهبون السفن أو يحتجزونها، وأصبحت المنطقة من أخطر النقاط البحرية في العالم.

لم تكن الصومال أو حتى حكومة أرض البنط يمتلكان المقومات العسكرية واللوجستية للقضاء على ظاهرة القرصنة المرعبة التي تؤثر بالسلب على صورة الأراضي الصومالية أمام الغرب، وبالأخص المستثمرين والحكومات الغربية.

كان هذا دافعًا قويًّا لرئيس إقليم أرض البنط آنذاك، عبد الرحمن فارول، للجوء إلى الضغط السياسي حتى يحصل على مساعدات خارجية تساعده هو وحكومته على تخطِّي هذه الأزمة.

Embed from Getty Images
بحّارة كينيون مفرج عنهم بعد احتجاز القراصنة سفينة كورية كانوا يعملون على متنها في 9 أكتوبر 2010.

في أبريل 2009، وقع الإقليم عقدًا مع شركة «دوان موريس (Duane Morris)» الأمريكية، ونصَّ العقد على حصول الشركة الأمريكية على 30 ألف دولار نظير مساعدة حكومة أرض البنط في إيصال صوتها إلى صنَّاع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، وتحديدًا في الاتحاد الأوروبي.

جاء التعاون الذي استمر لمدة ثلاثة أشهر فقط بثماره، إذ قررت الحكومة الأمريكية تخصيص دعم مالي قدره 5 مليون دولار للحكومة الصومالية، ونظَّم الاتحاد الأوروبي عملية عسكرية بحرية باسم «عملية أتلانتا»، استمرت منذ عام 2009 حتى عام 2016، بمشاركة 20 دولة أوروبية لتأمين سواحل القرن الأفريقي من القراصنة.

بعد القضاء على القراصنة.. البحث عن عودة المستثمرين

شكّلت أزمة القراصنة، بالإضافة إلى غياب الاستقرار عن إقليم أرض البنط منذ انهيار الحكومة الصومالية المركزية في عام 1991، سببين كافيين لهروب ونفور المستثمرين الأجانب من الأراضي الصومالية. وكان أهم المجالات التي هجرها المستثمرين في أرض البنط هي حقول البترول.

ونقلت قناة الجزيرة في واحد من وثائقياتها تقديرًا بأن إقليم أرض البنط يضم في باطنه نحو 19 مليار برميل بترول خام، بقيمة تصل إلى 1.9 مليار دولار طبقًا للسعر العالمي للبترول وقتها.

لذلك اتجه فارول – رئيس أرض البنط آنذاك – للتعاون مع شركة «موفيت جروب (Moffet Group)» الأمريكية، للعمل على تسويق فكرة استخراج البترول من أرض البنط، وأبرم الطرفان عقدًا امتد لمدة ستة أشهر، حصلت فيه الشركة الأمريكية على 60 ألف دولار، طبقًا لملفات وزارة العدل الأمريكية، بدأ في يونيو 2011، وانتهى في مارس 2012.

تمكنت «موفيت جروب» من التواصل مع أحد أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو توم هاركين، الذي كانت زوجته تعمل في مجلس إدارة شركة «كونوكو فيليبس (ConocoPhillips)»، وهي شركة تنقيب عن بترول كانت تدير حقول أرض البنط قبل أن تهجرها بسبب تزايد النزاعات في الصومال. ولكن لم يثمر هذا التعاون عن نجاح المفاوضات مع شركة البترول، أو عودتها للصومال مرة أخرى.

جهودٌ صومالية أخرى

في 23 مايو 2017، تعاقدت حكومة ولاية جلمدج الصومالية مع شركة «ساكس إندبندنت (SACCS Independent Agency)»، لتقدم استشارات سياسية ودبلوماسية لحكومة الإقليم الصومالي، ولم تذكر ملفات وزارة العدل أنَّ الشركة الأمريكية تلقَّت أي رسوم، على خلاف المعتاد في هذه الوثائق، وخلال فترة التعاقد تم توثيق نشاط واحد فقط؛ هو تواصل الشركة الأمريكية مع المبعوث الأممي الخاص للصومال.

وقَّعت حكومة الصومال المركزية عقدًا مع شركة «جريبوسكي جلوبال (Grieboski Global)»، لتعمل الشركة مستشارًا للحكومة الصومالية وسفارتها في الولايات المتحدة، فيما يخص الشؤون السياسية والدبلوماسية وأمور التحالفات والشراكات التي تصبُّ في صالح الحكومة الصومالية.

لكنَّ العقد استمر لخمسة أشهر فقط، بعد توقيعه فيه الأول من سبتمبر 2015، ولم توثِّق وزارة العدل الأمريكية غير نشاطٍ واحد قامت فيه الشركة الأمريكية بتوجيه دعوة لشخصيات عامة لحضور حفلة إعادة افتتاح السفارة الصومالية في واشنطن. وحصلت الشركة الأمريكية على أجر قدره 654 دولارًا فقط.

في 16 ديسمبر 2014، وقَّعت قبيلة «هبر جدير» الصومالية عقدًا مع شركة «ستيفن سهيني بوارن – Steven M. Sehneebaurn, P.C». وكان الهدف من العقد أن تمثل الشركة القبيلة أمام الحكومة الأمريكية في ملف الحصول على تعويضات لمصابين وضحايا «عملية ميتشجن (Operation Michigan)» التي نفذتها القوات الأمريكية في عام 1993 وراح ضحيتها حوالي 75 شخص من أبناء القبيلة، بينهم نساء وأطفال.

وانتهى التعاقد بين الطرفين في 30 يونيو 2016 بحصول الشركة الأمريكية على مبلغ قدره 590 دولار فقط، بعد أن كان الاتفاق الأولي يقتضي بحصول الشركة على 40 ألف دولار، ولم تنسق الشركة سوى اجتماع واحد مع مسئولي مكتب الصومال في ملف وزارة الخارجية الأمريكية، ولا يبدو أن القبيلة حصلت على التعويض الذي طلبته. وبعد انتهاء العقد بقرابة عام في أغسطس 2017 قُتل 10 مدنيين من أبناء القبيلة في عملية عسكرية شاركت فيها قوات أمريكية، وطالبت القبيلة بدفع الدية بقدر يصل إلى 100 ألف دولار عن كل فرد من ضحايا الهجوم، ونقلت ونقلت صحيفة الشرق الأوسط أن القبيلة توصلت إلى تسوية مع الحكومة الصومالية.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد