في أواخر سبتمبر (أيلول) عام 2014، سقطت العاصمة اليمنية صنعاء في يد الحوثيين والرئيس اليمني المخلوع، علي عبد الله صالح، وفي مارس (آذار) عام 2015، دشنت السعودية تحالفًا دوليًّا للحرب في اليمن لإعادة الحكومة اليمنية لصنعاء. وبعد ست سنوات في اليمن يبدو أنها أصبحت فيتنام السعودية بحربها التي لم تضع أوزارها حتى اليوم.

في التقرير التالي نقف على آخر التطورات في الشأن اليمني وما تعنيه للعام القادم، عام 2021، ومستقبل الحرب اليمنية.

لماذا لم يكن 2020 عام انتهاء الحرب؟

أعلنت الإمارات، ثاني أكبر شريك في حرب اليمن، في صيف 2019 سحبها لجزء من قواتها المشاركة في التحالف العربي الذي تقوده السعودية، تزامنًا مع إعلان السودان تقليص عدد قواته في اليمن من 15 ألفًا إلى 5 آلاف جندي، وقال رئيس وزراء السودان، عبد الله حمدوك إنه: «لا يوجد حل عسكري للنزاع». هذه التطورات دفعت السعودية للضغط للوصول للاتفاق المعروف: «اتفاق الرياض»، بين حكومة الرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي، والانفصاليين الجنوبيين.

Embed from Getty Images

مقاتل حوثي في صنعاء. 

بدا سيناريو إنهاء الحرب أمرًا واقعًا في 2020، واستقبلته السعودية بمحادثات سلام غير مباشرة برعاية عُمانية جمعت بين جمال عامر، المفاوض الرسمي عن الحوثيين، والأمير السعودي خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع، وشقيق ولي العهد محمد بن سلمان، وذلك بحسب ما نقلته وكالة «أسوشيتد برس» عن مسؤولين من الطرفين.

وساطة عمان، بالإضافة لوساطات أوروبية أخرى، لم تكن كافيةً لإنهاء الحرب، ويصف الحوثيون الاتصالات السرية مع السعودية بأنها لا ترقى إلى مستوى التفاوض، وتشترط جماعة أنصار الله رفع الحصار المستمر منذ ست سنوات قبل استئناف محادثات السلام التي تدعمها الأمم المتحدة، بما في ذلك القيود المفروضة على دخول السفن إلى ميناء الحديدة الرئيسي، وهو ما ترفضه المملكة التي لم تتوقف غاراتها الجوية ردًّا على الضربات الحوثية في العمق السعودي.

وبموجب اتفاق الرياض كان على انفصاليي الجنوب أن يتوافقوا مع الحكومة اليمنية الشرعية، لتوحِّد الأراضي اليمنية، وبذلك يدمج الانفصاليون في الحكومة، والهدف: تشكيل جبهة موحدة ومؤهلة للتفاوض مع الحوثيين في أي عملية سياسية مقبلة، ولكن هذه الخطوة تعثرت طويلًا حتى 18 ديسمبر (كانون الأول) 2020، حين أعلنت الرئاسة اليمنية المعترف بها دوليًّا تشكيل حكومة جديدة تضمُّ الجنوبيين.

ورغم انسحاب الإمارات رسميًّا بخروج آخر جندي لها من أصل 15 ألفًا شاركوا في الحرب، فإنَّ أبو ظبي تسيطر فعليًّا على جيشٍ من الجماعات المسلحة غير الرسمية، وتنقل صحيفة «الإندبندنت» أن قوام هذه القوات يبلغ 90 ألف مقاتل، يرافقه نفوذ الإمارات في المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي أعلن الإدارة الذاتية لجنوب اليمن مخالفًا اتفاق الرياض، وذلك في أبريل (نيسان) الماضي. ولكن هذا التحرك فشل أيضًا؛ إذ قوبل برفض دولي ورفض من ست محافظاتٍ جنوبية، من أصل ثمانية.

قدَّم الحوثيون في أبريل 2020 مقترحًا للسلام اليمني باسم «وثيقة الحل»، وتضمنت ثلاثة محاور رئيسية شملت وقفًا فوريًا وشاملًا لإطلاق النار، والدخول في هدنة يجري معها رفع الحصار البري والبحري والجوي على مدن الشمال الواقعة تحت سيطرة الحوثي، ثم بدء مفاوضات عملية سياسية تشمل أطراف الصراع، ولكن المقترح فشل بتصعيد جديد من الحوثيين، بعد انتهاء هدنة استمرت ست أسابيع، ويقول محمد البخيتي، عضو المكتب السياسي لجماعة الحوثي، إن التصعيد جاء مع تغيُّر موازين القوى، بما يفرض ظروفًا جديدة للتفاوض.

كيف انتهى 2020 عسكريًّا وسياسيًّا في اليمن؟

تسيطر جماعة الحوثي منذ أواخر عام 2014 على المناطق الأهم والأكثف سكانيًّا في اليمن، وأبرزها العاصمة صنعاء، ومدينة الحديدة الساحلية في الغرب، والتي تضم مينائين دوليين، وللحوثي سيطرة مطلقة على محافظات عمران، وذمار، وإب، والمحويت، وريمة، ومركز محافظة الحديدة وغالبية مديرياتها، وحجة، باستثناء مديريتين، وعدد من المديريات التابعة لمحافظة تعز والبيضاء والجوف.

Embed from Getty Images

في توقيع «اتفاق الرياض»، يظهر في الصورة من اليسار: الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ومحمد بن زايد، ولي عهد إمارة أبو ظبي. 

التقدم الحوثي قابله تراجع من القوات التابعة للحكومة الشرعية في المناطق الشمالية التي لم يبق منها سوى محافظة مأرب، التي تشهد معارك ضارية تركَّزت فيها القوات الحوثية لإسقاط مأرب، المعقل الأخير للشرعية في اليمن.

توجه الحوثيون نحو مأرب بعد إسقاطهم لمحافظة الجوف، وهي آخر الأهداف العسكرية المستعصية على الحوثيين منذ نحو أربعة أعوام، وفي حال سقوطها ستنتهي حرب اليمن عمليًّا بالنسبة للحوثيين، وعمليًّا ستعود اليمن لما قبل 2015، حين سيطر الحوثيون سيطرة كاملة على 12 محافظة من أصل 22، وحتى الآن ما زال الحوثيون يحاولون انتزاع المحافظة النفطية رغم خسائرهم المادية والعسكرية.

وفي الشمال اليمني يخوض الحوثيون منذ بداية 2020 حروبًا ضارية لاستعادة مدن فقدوها في معارك قلبت موازين القوى، تحديدًا بالتقدم عسكريًّا نحو مأرب والجوف الحدودية، بعد سيطرتهم على جبال ومواقع استراتيجية في مديرية نهم، البوابة الشرقية لصنعاء، التي لطالما نُظر إليها بوصفها أضعف ثغرة للحوثيين، وأهم جبهة يمتلكها التحالف العربي.

وللرئيس هادي مأزق آخر في الجنوب اليمني، فالمجلس الانتقالي الذي أصبح مؤخرًا مشاركًا في الحكومة الجديدة بموجب اتفاق الرياض بواقع خمسة وزراء، له ميول انفصالية تاريخية، لفك الارتباط عن الشمال اليمني وإقامة دولة مستقلة على شكل الجمهورية اليمنية الجنوبية (1967- 1990).

دولي

منذ 9 شهور
«ستراتفور»: ماذا سيحدث لحرب السعودية في اليمن في عهد بايدن؟

احتفظ الرئيس هادي بالحقائب الوزارية الكبرى مثل «الدفاع والداخلية والخارجية والمالية»، وأبقى على مقربة منه حلفاءه، التجمع اليمني للإصلاح، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، تحسبًا إذا ساءت العلاقات مجددًا بين الحكومة والجنوبيين، خاصةً أن المجلس الانتقالي سبق وخاض معارك ضد الجيش اليمني، وأعلن سابقًا قبل التوصل للاتفاق الأخير نيته إسقاط الحكومة في كل المحافظات الخاضعة لسيطرتها في جنوب البلاد لتنفيذ «الإدارة الذاتية» فيها.

وسيطر المجلس الانتقالي بالكامل على جزيرة سقطرى اليمنية وفي يونيو (حزيران) 2020، وأعلن ضمَّها للمدن الجنوبية المتمتعة بالإدارة الذاتية. وللمجلس نفوذ كبير في محافظة أبين، مع وجود عسكري في محافظتي عدن ولحج، ورغم أن المجلس أصبح شريكًا في الحكومة الجديدة، فإن المهدد الفعلي لمساعي الانفصال هو رفض المحافظات الجنوبية لإعلان الحكم الذاتي.

حرب اليمن في 2021

أطلق جو بايدن، الرئيس الأمريكي المنتخب، وعودًا وتهديدات عدة بشأن حرب اليمن في حملته الانتخابية، وقال بضرورة إعادة تقييم العلاقات الأمريكية مع السعودية وضرورة «إنهاء الدعم الأمريكي لحرب السعودية في اليمن، والتأكد من أن الولايات المتحدة لا تتنكر لقيمها من أجل بيع الأسلحة أو شراء النفط».

Embed from Getty Images

ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في يونيو (حزيران) 2019.

قدَّمت الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب دورًا فاعلًا في استمرار حرب اليمن، سواء بالدعم اللوجيستي عسكريًّا واستخباراتيًّا، أو دعمها دوليًّا ودبلوماسيًّا، وهو ما سيختلف جذريًّا في الإدارة الجديدة التي قد يكون شعارها السياسي «أكثر ميلًا لإيران وأقل موالاة للسعودية».

ويقول روبرت جوردان، السفير الأمريكي السابق في السعودية، إذا توقفت الولايات المتحدة عن بيع مكونات وقطع طائرات «إف-15» للقوات الجوية السعودية، فستتوقف غارات الطائرات في غضون أسبوعين، ولكن ربما لا تصل إدارة بايدن لهذا المستوى في تصعيدها ضد الرياض.

كما ذكرنا آنفًا، المعركة على مأرب سترسم واقعًا سياسيًّا وعسكريًّا لحرب اليمن لا يمكن تجاهله، فسقوطها يعني للسعودية خسارة آخر معاقل الحكومة الشرعية، وفقدان لمنابع النفط في الشمال، وسيفتح شهية الحوثي لأخذ محافظة حضرموت المجاورة، وهي ثالث محافظة نفطية يسعى الحوثيون لإسقاطها منذ 2014.

وسيناريو إسقاط مأرب لا يعني للحكومة اليمنية سوى أن يُصبح حسم الحرب حُلمًا صعب المنال، لأنها تُمثل حائط صد لمحافظات الجوف وصعدة وعُمران وصنعاء من جهة، بينما تشكل خطرًا وتهديدًا مُباشرًا على المحافظات النفطية المجاورة لمأرب في الشرق؛ حضرموت وشبوة، ما يجبر الولايات المتحدة على التفاوض مع الحوثيين، الذين تصنفهم حتى الآن «جماعة إرهابية».

يراهن الحوثيون على أن التسوية السياسية للحرب ستعكس موقف كل طرف في موازين القوى، ولذا يسعون لتعزيز موقفهم السياسي بعد الحرب بالتقدم في المعارك، وتدرك السعودية القدرة العسكرية الحقيقية للحوثيين؛ ولذا ترفض المفاوضات في الوقت الحالي، لأنها قد تخرج خاسرةً منها.

بالعودة لسيناريوهات مستقبل الحرب في جنوب اليمن، فالمجلس الانتقالي الذي أصبح شريكًا في الحكومة لا يخفي مطالباته بحصة أكبر تتناسب مع قوته السياسية، وقدراته والعسكرية المتفوقة على قوات الحكومة الشرعية، وهو المطلب الذي سيصبح أكثر إلحاحًا إذا سقطت مأرب، معقل الحكومة الرئيس في الشمال.

سقوط مأرب سيطيل الحرب لسنوات، وقد يدفع الأطراف الإقليمية لبحث حلول مختلفة للأزمة، منها الحل الفيدرالي المطروح عام 2014، والذي قدَّمه الرئيس اليمني هادي عدَّة مرات سابقًا، والمقترح: تقسيم اليمن لأقاليم فيدرالية تصوِّت على حق تقرير المصير.

وتقف السعودية اليوم أمام أزمتين في اليمن، أولاها أنها لو استطاعت صدَّ الهجوم على مأرب فلن تمتلك القدرة لشنِّ هجوم مضاد على معاقل الحوثيين، الذين يمتلكون اليوم قدرات عسكرية قادرة على إطالة الحرب لفترات طويلة. وثانيها في اتفاق الرياض، الذي وحَّد الجنوب اليمني ولكن لم يقض على أحلام الانفصاليين الجنوبيين، الذين تتقاطع رغبتهم مع الحوثيين بالعودة لسيناريو الدولتين قبل توحيد اليمن عام 1990.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد