مع تنصيب الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون، واشتداد النزاع  في ليبيا عسكريًّا وإقليمًّا، ووفاة رجل الجيش النافذ رئيس الأركان قايد صالح، وتهنئة ملك المغرب لتبون آملًا في انتهاء الخصومة التاريخية لبلاده معهم؛ تُثار التساؤلات حول موقف الحاكم الجديد من هذه القضايا التي ستعيد رسم خريطة المنطقة والجزائر حال حدوث تغير فيها.

في التقرير التالي، نتتبع مواقف الجزائر، بعد تنصيب عبد المجيد تبون، تجاه القضايا الثلاثة الرئيسية، ونرصد  الاحتمالات التي قد تعزز حدوث تغيير من عدمه، وما هي المحددات الرئيسية وراء أي تحول قد يندفع إليه الرئيس الجزائري الجديد، الذي جاء بانتخابات رسمية، باركها الجيش، وعارضها المحتجون في الشارع.

عربي

منذ 6 شهور
كيف يمد الجيش الجزائري «أذرعه» للسيطرة على الحياة المدنية بعد رحيل بوتفليقة؟

ليبيا.. هل يدعم السراج سياسيًّا وينسق مع الحلف التركي؟

إحدى القضايا الرئيسية في ولاية عبد المجيد تبون، التي تشهد ترقبًا من الداخل والخارج، هي النزاع الليبي، التي تتمتع الجزائر فيها بنقاط تفوق جغرافي وعسكري، يسمح لها بترجيح كفة عن كفة من الأطراف المتحاربة، وهُم قوات حفتر وحكومة الوفاق المُعترف بها دوليًّا، خصوصًا بعد تدخل أطراف دولية على خط الأزمة أبرزهم تركيا الداعمة لقوات الوفاق، مقابل مصر وحكومات السعودية والإمارات الداعمة لحفتر، فيما يتباين الموقف الأوروبي والأمريكي.

لا يبدو في العلن موقف واضح لتبون تجاه الأزمة الليبية، غير التصريحات الدبلوماسية الداعمة للحل السياسي، والتمسك بوحدة الأراضي الليبية، كحال كافة البيانات الرسمية. غير أن ما يدور في الغرف المُغلقة قد يكشف موقفًا آخر نحاول رسم ملامحه التي لم تكتمل بعد، خصوصًا في ضوء أسابيع الرجل المعدودة في الحُكم.

البداية في تتبع هذا الموقف كانت رواية لخالد عكاشة، الباحث الأمني، والمُقرب من السلطات المصرية الرسمية، يقول فيها إن الجزائر أرسلت، في 21 ديسمبر (كانون الثاني) الماضي، أي بعد ثلاثة أيام على تنصيب تبون رئيسًا لبلاده، طائرة عسكرية (B7 47) إلى مدينة مصراتة، متمنيًا ألا: «يكون ما حملته الطائرة حقيقيًٌا. وأن يكون هناك خلط ما قد جرى، في تسجيل خط الرحلة المسجل على شاشات الملاحة. مسجلًا الإقلاع من الجزائر العاصمة، وصولًا إلى مطار مصراتة الليبية».

وكشف موقع «flightradar»، المختص بحركة سير الطائرات، أن حركة الطائرات الجزائرية من طراز بوينج قد حطت في مصراتة، حاضنة حكومة الوفاق الليبية التابعة لفايز السراج، وذلك خلال الشهر الجاري ثلاث مرات، وغادرت؛ ما قد يُعزز من مصداقية ما ذكره عُكاشة، حول وجود تنسيق عسكري قائم بين السلطات الجزائرية الجديدة وحكومة الوفاق سرًّا.

3 قضايا كُبرى تنتظره.. هل سيتغير شيء خلال ولاية تبون في الجزائر؟

صورة رسمية تظهر حركة طائرات جزائرية إلى مصراتة

عزز من هذا التنسيق والدعم السياسي غير المُعلن لحكومة فايز السراج مؤشر جديد إلى جانب المؤشرات السابقة. ويتمثل في تصريحات فتحي باشاغا وزير داخلية حكومة الوفاق خلال زيارته لتونس، بعد تنصيب تبون رئيسًا، والتي قال فيها إن الجزائر تتعاون مع حكومة الوفاق ودول أخرى، بما يشكل تحالفًا موحدًا في الموقف، مؤكدًا أن «هناك تعاونًا كبيرًا مع تركيا وتونس والجزائر، وسنكون في حلف واحد». وهي التصريحات التي لم يصدر بحقها نفي رسمي في البيان الصادر عن مجلس الأمن الأعلى الجزائري عقب اجتماعه مع تبون.

غير أن الخبراء لا يرجحون أن يمتد هذا التنسيق إلى مشاركة قوات جزائرية كدعم عسكري لحكومة الوفاق، أو تجاوب مع دعوة الرئيس التركي بالانخراط في الداخل الليبي، التزامًا بسياسة الجزائر بتجنب الدفع بقواتها في مهمات خارج البلاد، إذ لم يشارك فرد عسكري جزائري في أي عملية خارج بلاده منذ ما يقارب ستة عقود.

وظهر اهتمام تبون الواسع بالقضية الليبية كأولوية على كافة القضايا الأخرى، من خلال افتتاح جدول أعماله رئيسًا للبلاد بلقاء قادة المجلس الأعلى للأمن وليس للحكومة، لبحث القضية من كافة أبعادها. وكان فايز السراج رئيس حكومة التوافق في طرابلس قد طلب المساعدة من الجزائر قبل أيام، من أجل صد هجوم قوات خليفة حفتر، وهي الدعوة التي أعاد تكرارها وزير داخليته لطفي باشاغا، بضرورة التحالف مع تونس والجزائر لمواجهة زحف حفتر.

مؤشر آخر على تماهي تبون مع الحلف التركي سياسيًّا؛ يتجلى في ترحيبه بدعوة أدروغان له للمشاركة في مؤتمر برلين لمناقضة الأزمة الليبية، وعدم الممانعة، إذ  تقول الصحافية الجزائرية عصمت حمودي الصحفية بجريدة «الخبر» الجزائرية، إن ليبيا بالنسبة للجزائر قضية حيوية بحكم الحدود المشتركة، ستقوي حماية حدودها، والعمل من أجل أن تكون مؤثرة وحاضرة في أي ترتيبات مُقبلة؛ لذلك فهي تنظر بإيجابية إلى المقترح التركي بأن تجري دعوة الجزائر وتونس إلى مؤتمر ألمانيا.

وتستدرك في تصريحاتها لـ«ساسة بوست» قائلة: «لكن لا يمكن أن نتصور تدخلًا عسكريًّا جزائريًّا في ليبيا، على غرار ما تفعله دول أخرى مثل مصر والإمارات أو تركيا؛ وذلك بحكم العقيدة العسكرية للجيش الجزائري، التي تمنعه من التدخل خارج حدود بلاده»، مؤكدة أن «الملف الليبي سيصبح مع الوقت، وخصوصًا إذا اندلعت حرب واسعة بين أطراف إقليمية، ملفًّا في السياسة الداخلية الجزائرية، لأن استقرار الجزائر نفسها قد يتعرض للاهتزاز».

سياسة

منذ سنتين
«أردوغان الجزائر».. هل سيكون عبد المجيد تبون رجل المرحلة بعد بوتفليقة؟

القضية المغاربية.. جمود جزائري محتمل أمام دعوات الحوار

تأتي قضية الخلاف المغربي الجزائري أولوية ثانية في سياق سُلم أولويات سياسة تبون، التي تُثير تساؤلات حول احتمال خضوعها لمتغيرات جديد، قد تطرأ على هذا الخلاف الممتد لسنوات طويلة منذ عهد هواري بومدين والحسن الثاني. وتحديدًا عقب تنظيم المغرب ما يعرف بـ«المسيرة الخضراء» عام 1975، ليزحف نحو 350 ألف شخص إلى مناطق بالصحراء الغربية، منهيًّا بذلك وجود الاستعمار الإسباني في المنطقة.

وأدى الدعم العلني الذي قدمته الجزائر، بعد ذلك، لـ«جبهة البوليساريو» التي ناهضت ما تسميه الاحتلال المغربي للصحراء الغربية، إلى اندلاع مناوشات عسكرية بين البلدين عام 1976. وأشعل الأزمة قرار السلطات الجزائرية بإغلاق الحدود مع المغرب منذ عام 1994، بعدما فرضت الأخيرة تأشيرة دخولها على الجزائريين.

وظل هذا النزاع القائم على مدار العقود الماضية، يتجدد عند حدوث لحظة تحول سياسي في أي من البلدين؛ وهو ما حدث مع رحيل بوتفليقة، وتنصيب تبون رئيسًا جديدًا للبلاد. وساعد على إعادة النظر في القضية من جديد، البرقية التي بعث بها الملك محمد السادس لعبد المجيد تبون إثر انتخابه رئيسًا جديدًا للجمهورية، والذي أعرب خلاله عن «أصدق»  التهاني وتمنياته له بالتوفيق في مهامه «السامية». وجدد الملك المغربي، في البرقية، التأكيد على دعوته السابقة لـ«فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين الجارين، على أساس الثقة المتبادلة والحوار البناء».

ورسمت مواقف تبون، خلال مرحلة التنافس في الانتخابات تشددًا تجاه هذه القضية، خصوصًا بعدما طالب في جلسة نقاشية في منتدى جريدة «الحوار»، من السلطات المغربية تقديم اعتذار للجزائر قبل أي شيء آخر، قائلًا إن «المغرب ارتكب خطأ كبيرًا عندما قرر بمفرده فرض تأشيرات على الجزائريين في أعقاب الهجوم الذي ارتكب بمدينة مراكش سنة 1994».

من جانبه يستبعد محمد حمودة، الصحافي المغربي في جريدة «أخبار اليوم» المغربية تجاوبًا من جانب الرئيس تبون تجاه دعوات الملك المغربي، في ضوء مواقف الرئيس الجزائري الجديدة المتشددة من المغرب في أوقات سابقة، كان أبرزها حين طالب المغرب بالاعتذار بعدما فرضت المغرب التأشيرة سنة 1994 على الجزائريين، وهذا طلب لا يمكن للمغاربة أن يقبلوا به.

وأضاف حمودة في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أنه «إذا طالب تبون بالاعتذار عن قرار فرض التأشيرة، وهو قرار قد يكون خاطئًا وقد يكون له ما يبرره في وقته، فالمغرب من حقه أيضًا أن يطالب الجزائر بالاعتذار عن طرد آلاف المغاربة سنة 1975، وهو خطأ لا يغتفر كذلك للنظام الحاكم في الجزائر، موضحًا أن الملك محمد منذ توليه الحكم نادى بطي صفحة الخلافات، وفتح الحوار».

ويُضيف حمودة أن تصريحات ملك المغرب اعتيادية وليس فيها ما يمكن اعتباره جديدًا، فقد اعتاد الملك المغربي عند كُل مناسبة وطنية أو سياسية على الجزائر على تقديم التهنئة، والدعوة للحوار معهم للوصول لتسوية لهذه الأزمة، غير أن السلطات الجزائرية تمارس تشددًا في التساهل معها.

الجيش في الحياة السياسية.. هيمنة قائمة ونفوذ مرشح للتوسع

تُشكل قضية موقع الجيش في الحياة العامة الجزائرية إحدى القضايا الخاضعة للمتابعة، في ضوء عدة مستجدات تزامنت مع صعود تبون رئيسًا للبلاد، وهي وفاة الرجل النافذ في المؤسسة العسكرية الفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع ورئيس الأركان الجزائري. وتتدافع التساؤلات في هذه القضية حول ما إذا سيظهر تغير في العلاقة بين مؤسستي الرئاسة والجيش الوطني، ويكون رحيل قايد صالح قناة خلفية لتبون للتحرر من الوصاية العسكرية على المشهد السياسي، وتحييد الجيش عن الساحة السياسية، وتقليص نفوذه في الشأن الداخلي.

غير أن البيان الأخير لرئيس أركان الجيش بالوكالة سعيد شنقريحة، الذي نسب فيه للجيش الجزائري إحباط «مؤامرة خطيرة» استهدفت مؤسساتها، في إشارة إلى حركة الاحتجاج على النظام، يُعزز من التصور القائم بأن الجيش الجزائري سيظل مُهيمنًا على المشهد، صاحب السلطات الأوسع.

في البيان نفسه، أكد شنقريحة أهمية موقع الجيش في الشهور الأخيرة، في حماية البلاد من مؤامرات تهدف إلى «ضرب استقرار الجزائر، وتقويض أركان الدولة، وتحييد مؤسساتها الدستورية، والدفع بها إلى مستنقع الفوضى والعنف»، وذلك في إشارة منه غير مباشرة إلى التمسك بتنفيذ المرحلة الانتقالية التي أعلنها، وإجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها؛ دون اعتبار للتظاهرات التي خرجت تحتج على انعقادها في هذا التوقيت قبل تحقيق مطالب الثورة.

وبحسب شهادة أحد الصحافيين الجزائريين لـ«ساسة بوست» فإنه لا دليل على تغيُر موقع الجيش في الحكم  مستقبليًّا، فلا شيء يُشير حتى الآن إلى أنه سينسحب من الحياة السياسية؛ موضحًا أن كافة المؤشرات تؤكد أن الجيش هو ضابط الإيقاع، وهو الدولة في الجزائر.

ويُضيف الصحافي القريب من السلطات، أن أقوى المؤشرات تقول إن الجيش هو من دبر مرحلة الحراك الشعبي منذ 22 فبراير (شباط) الماضي، وأن قائد الجيش كان المخاطب الوحيد للحراك، فطيلة الأشهر العشرة الماضية كان هناك طرفان فقط؛ الجيش والشارع. موضحًا أن تبون واجهة فقط، وأن الجيش الآن هو الأقوى، وهو من يحمي تبون ويسانده الآن في مواجهة الحراك، وأن الأخير بدون دعم من الجيش يمكنه أن يسقط في أي لحظة أمام ضغط الشارع، خصوصًا وأنه رئيس منقوص الشرعية.

عربي

منذ شهرين
ما مصير الحراك الجزائري بعد أن أصبح تبون رئيسًا؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد