في وقت يتحدث فيه العالم الآن عن أزمة غذاء بسبب حرب روسيا على أوكرانيا، وتوقف إمدادات القمح والحبوب، لا ينتبه الكثيرون إلى بعد مهم حول زيادة إنتاجية الغذاء لإشباع أكثر من 7 مليارات نسمة، هم سكان العالم الآن. فمن أجل إطعام كل هؤلاء، يركز العالم على زيادة إنتاج المحاصيل بطرق مختلفة مثل زيادة استصلاح الأراضي واستخدام التكنولوجيا الجينية لزيادة إنتاجية الأراضي الزراعية.

لكن هذه ليست الطريقة الوحيدة، فالبعد المهم الذي لا ينتبه له الكثيرون هنا يتعلق بخفض تلوث الهواء، الذي يمكنه فعليًّا إنقاذ العالم من الجوع، فالحد من تلوث الهواء يمكن أن يقطع شوطًا طويلًا نحو زيادة إنتاج المحاصيل وتوفير الكثير من الأموال.

خفض الانبعاثات يضمن زيادة المحاصيل

كما ذكرنا، فزراعة المزيد من المحاصيل ليست الطريقة الوحيدة لإطعام عدد متزايد من السكان، إذ أظهرت دراسة جديدة أن خفض تلوث الهواء يمكن أن يقطع شوطًا كبيرًا نحو زيادة إنتاج المحاصيل مع توفير الأراضي والأموال. هذه الدراسة أوضحت أنه إذ خفض العالم انبعاثات أحد أنواع ملوثات الهواء إلى النصف، فإن التقديرات تشير إلى أن المحاصيل الشتوية يمكن أن يزيد إنتاجها بمقدار 28% في الصين، وما يصل إلى 10% في أجزاء أخرى من العالم.

Embed from Getty Images

الملوثات المعنية هنا هي أكاسيد النيتروجين، وهي عائلة من الغازات السامة غير المرئية الناتجة من عوادم السيارات والانبعاثات الصناعية، والتي تشمل بشكل خاص ثاني أكسيد النيتروجين. ووفق الدراسة، فإنه إذا تعرضت النباتات لمستويات أعلى من هذه الغازات، فيمكن أن تتلف أوراقها ويتوقف نموها، على الرغم من أن الخبراء لا يزالون يكتشفون آلية حدوث هذا الأمر بالضبط.

في الوقت نفسه، تعد أكاسيد النيتروجين مادة أولية لتكوين غاز الأوزون وما يسمى «الهباء الجوي» في الغلاف الجوي، والذي يمكن أن يتسبب في خفوت ضوء الشمس مما يقلل من إنتاجية المحاصيل بالتبعية. ويقصد بالهباء الجوي تلك الجسيمات الصلبة والقطرات السائلة الصغيرة المعلقة في الهواء، والتي توجد في كل مكان به هواء فوق المحيطات والصحاري والجبال والغابات والجليد وكل نظام بيئي بينها. هذه الجسيمات يمتد حجمها بين أقل من عرض أصغر الفيروسات إلى تقريبًا سمك شعرة الإنسان، وعلى الرغم من صغر حجمها، فإن لها تأثيرات كبيرة في مناخنا وصحتنا.

ونتائج الأبحاث تدعم ذلك

في العام الماضي، وجدت الأبحاث التي أجراها بعض الباحثين أن التخفيضات في غاز الأوزون والهباء الجوي وثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت، تسببت في زيادة بنسبة 20% في إنتاجية الذرة وفول الصويا في الولايات المتحدة بين عامي 1999 و2019. هذا الفرق في النسبة قدرت قيمته بنحو 5 مليارات دولار أمريكي من المحاصيل التي يمكن توفيرها كل عام عن طريق تقليل هذه الأنواع الأربعة فقط من ملوثات الهواء.

تعد انبعاثات أكاسيد النيتروجين من أكثر ملوثات الهواء انتشارًا في العالم، إذ يعد ثاني أكسيد النيتروجين أحد الملوثات الأسهل قياسًا إقليميًّا ومقارنته مباشرة بنمو المحاصيل. فعندما ينبعث ثاني أكسيد النيتروجين في الغلاف الجوي، يتفاعل مع الضوء فوق البنفسجي القادم من الشمس بطريقة يمكن اكتشافها بسهولة بواسطة الأقمار الصناعية.

وبالرغم من أن أكاسيد النيتروجين غير مرئية للإنسان، فإن الأقمار الصناعية الجديدة تمكنت من رسم خرائط لها بدقة عالية بشكل لا يصدق. ونظرًا إلى أننا نستطيع أيضًا قياس إنتاج المحاصيل من الفضاء، فقد فتح هذا الفرصة لتحسين معرفة العلماء سريعًا بكيفية تأثير هذه الغازات في الزراعة في مناطق مختلفة.

Embed from Getty Images

وبمقارنة انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين في مناطق مختلفة من العالم بخضرة الأراضي الزراعية، وجد الباحثون تأثيرًا عكسيًّا، إذ كان فقدان المساحات الخضراء ملحوظًا بشكل خاص في الصين وخصوصًا للمحاصيل الشتوية مثل القمح في الوقت الذي ارتفعت فيه انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين.

باستخدام هذا الربط، يقدر الباحثون أن خفض انبعاثات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة 50% من شأنه أن يحسن غلة المحاصيل الشتوية في الصين بنحو 28%، كما ذكرنا، وفي الصيف، يمكن أن تتحسن الغلة بنسبة 16% أيضًا.

وفي الهند، يتوقع الباحثون أن يؤدي انخفاض ثاني أكسيد النيتروجين إلى زيادة غلة المحاصيل بنسبة تصل إلى 8% في الشتاء و6% في الصيف، الأمر نفسه في أوروبا الغربية، فيمكن أن تزيد غلة المحاصيل الصيفية والشتوية بنسبة تصل إلى 10%.

وخطر أكاسيد النيتروجين لا يقف عند التأثير في المزروعات فقط

يقصد بمصطلح أكاسيد النيتروجين كل من أكسيد النيتريك (NO) وثاني أكسيد النيتروجين (NO2)، وهما غازان ينتجان من مصادر طبيعية، بالإضافة إلى السيارات وعمليات حرق الوقود الأخرى. أكسيد النيتريك عديم اللون ويتأكسد في الغلاف الجوي ليشكل ثاني أكسيد النيتروجين، بينما ثاني أكسيد النيتروجين له رائحة، وهو غاز حمضي شديد التآكل يمكن أن يؤثر في صحتنا وبيئتنا.

إذا رأيت بعض أكثر المدن تلوثًا، فربما ستلاحظ انتشار ضباب في بعض الأوقات. إذ ينتج من أكاسيد النيتروجين ذلك اللون البني المصفر للضباب المرتبط بالتلوث الذي نراه في بعض الأحيان. كما أنه مسؤول عن اللون المحمر لسحب عيش الغراب الناجمة عن التفجيرات النووية. شاهد هذا الفيديو للضباب في العاصمة الصينية بكين:

بالنسبة لعامة الناس، فإن أبرز مصادر أكسيد النيتروجين هي محركات الاحتراق الداخلي التي تحرق الوقود الأحفوري. ومن ثم ينشأ ثاني أكسيد النيتروجين نتيجة لحركة المرور. أما داخل المنازل، فيمكن استنشاقه عبر التعرض لدخان السجائر وسخانات ومواقد البوتان والكيروسين.

وتسبب المستويات المرتفعة من ثاني أكسيد النيتروجين ضررًا للجهاز التنفسي للإنسان، وتزيد من ضعف الحالة الصحية العامة للشخص وشدة التهابات الجهاز التنفسي والربو. ويمكن أن يتسبب التعرض طويل الأمد لمستويات عالية من ثاني أكسيد النيتروجين في الإصابة بأمراض الرئة المزمنة.

قد يؤثر ثاني أكسيد النيتروجين أيضًا في الحواس، على سبيل المثال، يمكن أن يقلل من قدرة الشخص على شم الروائح. كما أن المستويات المرتفعة من ثاني أكسيد النيتروجين ضارة أيضًا بالنباتات، مما يؤدي إلى إتلاف أوراق الشجر وتقليل النمو أو تقليل غلة المحاصيل، كما أوضحنا.

أبحاث ودراسات

منذ 8 شهور
هل يصبح «التعديل الجيني للنباتات» طوق نجاة البشر الوحيد من أزمة الغذاء؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد