«في صحتك»؛ ارتبطت هذه الجملة في أذهان العرب ارتباطًا وثيقًا بتناول المشروبات الكحولية، ولكن إلى أي مدى تعد هذه الجملة صحيحة؟ وهل تناول الخمور فعلًا يصب في مصلحة «صحة» من يتناوله؟

«كأس واحد من النبيذ في اليوم مفيد للقلب»، «لن يتأثر كبدك سلبًا إذا كان تناولك اليومي للكحول بنسب قليلة جدًّا»؛ وبعض المعلومات الأخرى التي يتعامل معها بعض محبي الكحول – خاصة في المجتمعات الأوروبية – على أنها حقائق علمية، وعادة ما يأخذ البشر في الحسبان تأثير الكحول في الكبد والقلب، لكن ما تأثير الكحول في المخ؟

الكحول: طريق أسرع للشيخوخة

كشفت دراسة نُشرت في بداية الشهر الجاري مارس (آذار) من هذا العام 2022 تحت عنوان «More alcohol, less brain: Association begins with an average of just one drink a day» أو «كحول أزيد، مخ أصغر: يبدأ التأثير  بمتوسط مشروب واحد فقط في اليوم»؛ تأثير تناول الكحول في مخ الإنسان، خاصة فيما يخص الكميات القليلة، والتي عادة ما كان يشاع عنها بين العامة والعلماء أيضًا؛ أنها لا تضر الإنسان طالما كانت بكميات قليلة يوميًّا.

في ثقافتنا العربية يشاع عن الخمور أنها تُذهب «العقل»، وتلك الفكرة ليست غريبة أيضًا عن الفكر الأوروبي، فريدرك نيتشه الفيلسوف الألماني أشار إلى الكحول على كونه «مخدرًا» من شأنه أن يذهب العقل، وتعددت الرؤى حول مصير الحضارة الأوروبية وتعددت الأسباب كذلك، إلا أن واحدة منها، والتي قدمها المؤرخ الإنجليزي أرنولد تونمبي، ما يخص منها بموضوعنا، أنه رأى أن ثقافة شرب الكحول؛ ستكون سببًا من أسباب انهيار الحضارة الغربية، ولكن تلك آراء فلاسفة ومؤرخين كونوها من ملاحظتهم الشخصية لتأثير الكحول في البشر، عقل البشر وطريقة تفكيرهم، فما رأي العلم التجريبي؟

في الدراسة السابق ذكرها؛ شارك ما يقرب من 40 ألف شخص يتناولون الكحول بين جرعات قليلة وجرعات كبيرة يوميًّا، وأثبتت الدراسة أن الكحول حتى لو كان بمعدل نصف زجاجة بيرة أو كوب نبيذ في اليوم؛ فهو يقلل حجم المخ تشريحيًّا؛ ما يعجِّل من إصابة الفرد بالشيخوخة من عامين لثلاثة؛ على سبيل المثال في سن الخمسين، حين يزيد معدل الشرب بين الأفراد من وحدة كحول واحدة (نصف زجاجة بيرة تقريبًا) في اليوم إلى وحدتين (نصف لتر من البيرة أو كأس من النبيذ) تحدث تغييرات في المخ، تعجِّل بإصابة الشخص بالشيخوخة عامين، بينما كان الانتقال من وحدتين إلى ثلاث وحدات كحول في العمر نفسه، فأظهرت الدراسة أنه يعجِّل بالإصابة بالشيخوخة مدة ثلاث سنوات ونصف.

وهذا لمن يتناول الكحول بكمية قليلة يوميًّا، أما لو كان يتناوله بنسبة أكثر فالخطر يكون أكبر؛ وكلما زادت كمية الكحول التي يتناولها الفرد؛ «صِغر» حجم مخه حرفيًّا. «لا توجد علاقة صحية بين الإنسان والكحول»؛ هكذا ورد في نص الدراسة، ووضح الباحثون أن التناول الكثيف للكحول يرتبط بخسائر «أضخم» فيما يخص تأثيره التشريحي في المخ للمدى الطويل، وليس فقط التأثير اللحظي، فتناول المشروبات الكحولية بكثرة يسبب تغييرات في بنية المخ التشريحية، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالضعف الإدراكي.

نتائج مثيرة للجدل وتتعارض مع الإرشادات العلمية والحكومية

تعد تلك الدراسة مثيرة للجدل في الأوساط العلمية؛ لأن من شأنها الطعن في صحة العديد من الآراء الطبية التي تبنت فكرة أن تناول كميات متوسطة وقليلة من الكحول ليست فقط غير مضرة، بل لها فوائد صحية، وهي النتائج التي وصفها مؤلفو الدراسة الحديثة بـ«النتائج الغامضة»، كما أن تلك النتائج تتناقض مع الإرشادات العلمية والحكومية بشأن حدود الشرب الآمن.

فعلى سبيل المثال  على الرغم من أن المعهد الوطني لتعاطي الكحول وإدمان الكحول يوصي بأن تستهلك النساء في المتوسط ما لا يزيد على مشروب واحد في اليوم، فإن الحدود الموصى بها للرجال هي ضعف ذلك، وهي كمية تتجاوز مستوى الاستهلاك المرتبط بالدراسة، والذي يتسبب في انكماش حجم المخ، وهذا بحسب هنري كرانزلر مدير مركز بن لدراسات الإدمان والمشارك في تأليف هذه الدراسة.

بخلاف الشائع: تناول كوب من الكحول يوميًا يتسبب في انكماش المخ وضعف الإدراك

فحصت تلك الدراسة الأبحاث المستفيضة والتي تبحث في العلاقة بين الشرب وصحة المخ ونتائجها التي وصفتها الدراسة بالـ«غامضة»، فإنه على الرغم من وجود أدلة قوية على أن تناول المشروبات الكحولية يسبب تغيرات سلبية في البنية التشريحية للمخ خاصة فيما يتعلق بالانخفاض الكبير في المادة الرمادية والبيضاء في المخ، فقد اقترحت بعض الدراسات العلمية أن المستويات المعتدلة من استهلاك الكحول لا يكون لها تأثير سلبي، أو حتى أن تناول المشروبات الكحولية الخفيفة قد يفيد المخ لدى كبار السن.

الكحول يؤثر سلبًا في مكونات المخ الأساسية

من الأمور المهمة التي أشارت إليها هذه الدراسة، أن الدراسات السابقة التي أشارت إلى أن هناك فوائد للكحول لم تتضمن كميات كبيرة وكافية من البيانات عن متناولي المشروبات الروحية، كما أنها افتقدت استخدام التقنيات التي تكشف عن قرب التأثيرات الجوهرية التي قد تحدث للمخ بسبب الكحول، أما تلك الدراسة الحديثة فقد استخدمت التصوير بالرنين  المغناطيسي على المشاركين في الدراسة بتقنيات من شأنها حساب حجم ونسبة المادة الرمادية والبيضاء في المخ.

ومن الجدير بالذكر أن المخ يتكون بشكل أساسي من مادتين هما المادة البيضاء والمادة الرمادية، وهما المكونتان للجهاز العصبي المركزي للإنسان، والمادة البيضاء تتمثل في نسيج يغطي الأجزاء العميقة من المخ، ويتكون من ألياف يطلق عليها علميًّا اسم «المحاور العصبية»، وهي التي تربط بين الخلايا العصبية، فهي نظام واسع ومتشابك من الوصلات العصبية التي تربط كل الفصوص الأربعة للدماغ معًا، ولذلك التأثير فيها سلبًا بتناول الكحول يكون له تأثير جوهري في قدرة الإنسان على الإدراك، فتتمثل أهمية المادة البيضاء في المخ بأن دورها هو تسريع النواقل العصبية بين الخلايا، مما يمكن خلايا المخ من إرسال الرسائل واستقبالها بسرعة كبيرة.

أما المادة الرمادية فهي نسيج موجود على سطح الدماغ ويشكل النصف الآخر من المخ جنبًا إلى جنب مع المادة البيضاء، وهي – المادة الرمادية- تتكون من الخلايا العصبية بشكل أساسي وتوجد في المخ والنخاع الشوكي حيث توجد المادة الرمادية في الجزء المركزي من الحبل الشوكي، بينما توجد في المخ في الطبقة الخارجية وتعرف بـ«قشرة الدماغ»، تحتوي المادة الرمادية على عدد كبير من الخلايا العصبية، ما يسمح لها بمعالجة المعلومات وإصدار أوامر جديدة تمر عبر الألياف العصبية الموجودة في المادة البيضاء، وما أثبتته تلك الدراسة التي نشرت مؤخرًا؛ أن تناول المشروبات الروحية أو الخمور، حتى ولو بنسبة قليلة؛ يؤثر في المادتين تأثيرًا سلبيًّا و«يزداد الأمر سوءًا كلما شربت أكثر».

«الرجل الذكي أحيانًا يضطر لشرب الخمر حتى يقضي بعض الوقت مع حماقاته»؛ هكذا وصف الكاتب الأمريكي إرنست هيمنجواي تناول الخمور، مع العلم أنه – هيمنجواي- كان من المعروف عنه إفراطه في الشرب، ولذلك كان وصفه لتجربته عن تعاطي الخمر لفترات طويلة؛ يفتح باب العقل على الحماقة، وهو الأمر الذي لم يعد الآن مجرد رأي أديب مجرب مخضرم للخمر، بل أصبح رأيًا طبيًّا مثبتًا علميًّا.

مجتمع

منذ سنتين
الجانب المظلم لنمط الحياة الغربي الصاخب.. 5 مشاكل قد تدمر حياتك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد