أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع جارتها الغربية المملكة المغربية أواخر أغسطس (آب) 2021؛ بعد صيف ساخن مليء بالتوترات بين البلدين، بدأتها الرباط عندما وزع سفيرها بالأمم المتحدة عمر هلال في 14 يوليو (تموز) 2021، مذكرة رسمية على دول منظمة عدم الانحياز، خلال اجتماع المنظمة الدوري في أذربيجان، تحمل اعتراف المغرب ودعمه لما أسماه «حق تقرير المصير لشعب القبائل الجزائري»، وهي المذكرة التي احتجت عليها الجزائر وطلبت توضيحات من المغرب بشأنها، لكن الرباط فضّلت الصمت وعدم الرد.

وسرعان ما زادت فضيحة «بيجاسوس» الطين بلّة بين البلدين، بعد ورود تقارير عن ضلوع المغرب في فضيحة تجسسٍ واسعة ضد مسؤولين ومواطنين جزائريين؛ ليأتي تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، خلال زيارته المغرب ليتهم الجزائر بأنها باتت – على حسب قوله – «أكثر قربًا من طهران وتقوم حاليًّا بشن حملة ضد قبول إسرائيل في الاتحاد الأفريقي بصفة مراقب»؛ ليقطع شعرة معاوية بين البلدين؛ فقررت الجزائر قطع علاقاتها مع المغرب، وإغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات المغربية. 

القطيعة التي حصلت بين الجزائر والمغرب؛ دفعت الجزائر إلى تحسين علاقاتها مع إسبانيا التي تتمتع بعلاقات متوترة وغير جيدة مع المغرب؛ وذلك على خلفية استقبال مدريد للرئيس الصحراوي وزعيم «جبهة البوليساريو» الانفصالية إبراهيم غالي؛ الذي وصل إسبانيا في سرية تامة يوم 18 أبريل (نيسان) 2021 بحسب صحيفة «إل باييس» الإسبانية، على متن طائرة طبية خصَّصتها له الرئاسة الجزائرية، وبجواز سفر دبلوماسي للعلاج بعد إصابته بفيروس كورونا المستجد؛ ثم سمحت له إسبانيا بالعودة إلى الجزائر مطلع يونيو (حزيران) الفائت، رغم التقدم بشكويين ضده أمام القضاء الإسباني بتهم «تعذيب» وارتكاب «إبادة».

عبد المجيد تبون في زيارة إلى إبراهيم غالي بعد عودته من رحلة العلاج في إسبانيا – مصدر الصورة: وسائل التواصل الاجتماعي

وذكرت صحيفة «إل باييس» الإسبانية أن القاضي الإسباني لم يتخذ أي اجراء بحق غالي، تاركًا له حرية مغادرة إسبانيا، موضحة أن هذه الشكاوى ترتبط بـ«الاعتقال غير القانوني والتعذيب وجرائم ضد الانسانية» التي رفعها فاضل بريكة المنشق عن جبهة بوليساريو والحاصل على الجنسية الإسبانية عام 2020، مؤكدًا بريكة – بحسب دعواه القضائية – أنه كان ضحية «تعذيب» في مخيمات اللاجئين الصحراوية في تندوف في الجزائر.

استقبال مدريد غالي ومن ثم تركه دون توقيف للمثول أمام القضاء، أثار غضب الرباط فسمحت بمرور ما يزيد عن 8 آلاف مهاجر نحو مدينتي سبتة ومليلة المحتلتين من إسبانيا، ما اعتبرته الأخيرة «ابتزازًا».

ويمكن وصف العلاقات بين الجزائر وإسبانيا في الفترة الحالية بالتناغم؛ وذلك بعد التقارب التي تشهده العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات. هذا التقارب الذي يشبّهه المتابعون للشأن المتوسطي بأنه أشبه ما يكون «تحالفٍ بين البلدين»، فما هي أسباب التقارب الجزائري الإسباني؟ وما هو تأثيره في علاقة كلا البلدين مع المغرب؟ 

الجزائر تُشهر سلاح الغاز في وجه الجميع

وسط الجدل المتصاعد الذي خلفه قرار السلطات الجزائرية، بتوقيف العمل بخط الغاز الذي تموّن به كلًا من إسبانيا والبرتغال؛ لحرمان المغرب من عائدات عبور الأنبوب الذي يشقّ أرضه، في أعقاب الأزمة السياسية والدبلوماسية التي نشبت بين البلدين، حطت الخميس 30 سبتمبر (أيلول) الفائت؛ طائرة وزير الخارجية الإسباني الجديد خوسيه مانويل ألباريس بمطار العاصمة الجزائرية، لتكون أوّل زيارة يقوم بها إلى بلدٍ مغاربي.

ألباريس وصل العاصمة الجزائر وفي يده ملفاتٍ عديدة للتفاوض من خلالها مع السلطات الجزائرية، على رأسها ملف إمدادات الطاقة وقضية أنبوب الغاز الجزائري العابر المغرب نحو إسبانيا، والذي ينتهي العمل به في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وعزم الحكومة الجزائرية استبداله بخط «ميد غاز» البحري المباشر بين الجزائر وإسبانيا الذي أنشأته سنة 2011. 

وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس التقى خلال زيارته تلك بالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي أعطى ضيفه الإسباني كامل الضمانات باستمرار إمدادات الغاز الجزائري؛ وجدير بالذكر أن البلد الأفريقي يزود الجارة الأوروبية بحوالي 49% من احتياجاتها من الطاقة. ما دعا وزير الخارجية الإسباني في ختام زيارته، إلى وصف الجزائر بأنها «شريك موثوق بمجال الطاقة أوفى بالتزاماته دومًا تجاه إسبانيا».

ويمكن القول بأن إسبانيا تخشى أن تذهب ضحية تصاعد الخلاف بين الجزائر والمغرب، الذي كان أبرز ضحاياه خط غاز المغرب العربي – أوروبا. وتجدر الإشارة إلى أن الجزائر تضخ 10 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا إلى إسبانيا والبرتغال عبر أنبوب المغرب العربي – أوروبا، الذي يمر عبر الأراضي المغربية، وهو الخط الذي تمّ إنجازه سنة 1996، وينتهي عقده نهاية الشهر الجاري. 

وفي الفاتح من مارس (آذار) 2011؛ دشّنت الجزائر خطًّا بحريًّا جديدًا على مسافة 200 كيلومتر لنقل الغاز، تحت مسمى خط «ميد غاز» بكلفة مالية بلغت نحو 280 مليون دولار، وبسعة ضخ تفوق 10 مليارات متر مكعب وبشراكة بين شركة سوناطراك الجزائرية؛ ومجموعة ناتورجي الإسبانية للطاقة.

غير أنّ خبراء في الطاقة رأوا أنّ الخط الجديد؛ لن يسع جميع احتياجات إسبانيا والبرتغال، وبحسبهم فإن الجزائر قد تلجأ إلى خيار شحن الغاز المسال إلى إسبانيا بالاستعانة بالسفن، لتعويض أي نقص قد ينتج عن وقف استخدام الأنبوب المار عبر الأراضي المغربية.

أنبوب غاز جزائري

أنبوب غاز جزائري

وسيكون المغرب المستهدف أصلًا بقرار السلطات الجزائرية بوقف الإمداد عبر الأنبوب العابر لأراضيه؛ أمام حتمية إيجاد بديلٍ للتزود بالغاز الطبيعي، في وقتٍ ذكرت فيه وسائل إعلام جزائرية نقلًا عن صحيفة «ثينكو دياس» الاقتصادية الإسبانية بأنّ مدريد تستبعد بيع الغاز الجزائري إلى المغرب.

ويستفيد المغرب بنسبة 10% من الغاز الجزائري المسال المتجه إلى أوروبا، -أي مايعادل 1.5 مليار دولار سنويًّا – لسد 97% من احتياجاتها من الغاز، تمثّل ضريبة عبور الأنبوب المار عبر أراضيها، وبفقدانه للسوق الجزائري سيكون على المغرب البحث عن مورّدين جدد لاستيعاب احتياجاته من الطاقة في حال استمرت قطيعته مع الجزائر.

تقارب الجزائر وإسبانيا نكاية في المغرب

بعيدًا عن ملف الطاقة، هناك ملف آخر يجمع البلدان الثلاث (الجزائر وإسبانيا والمغرب)، وهو ملف قضية الصحراء الغربية التي كانت في الماضي مستعمرة إسبانية، ويطالب المغرب بالاعتراف بسيادته عليها، بينما تدعّم الجزائر ما تسميه حق تقرير مصير الشعب الصحراوي. 

فبعد أيامٍ قليلة من زيارة وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس إلى الجزائر؛ قرّر القضاء الإسباني، يوم الإثنين الماضي 5 أكتوبر (تشرين الأوّل)، غلق قضية رئيس جبهة البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي، وحفظ ملفه في الأرشيف، فيما يتعلق بالاتهامات الموجه له بارتكاب جرائم حرب، بسبب عدم وجود أدلة كافية.

وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس

وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس

وكانت قضية زيارة رئيس جبهة البوليساريو إلى إسبانيا في شهر أبريل (نيسان) الماضي للعلاج من إصابته بفيروس كورونا المستجد قد فجّرت أزمة سياسية بين إسبانيا والمغرب؛ وذلك بعد رفض الرباط لاستقبال السلطات الإسبانية لغالي؛ الأمر الذي أشعل أزمة جديدة بين البلدين؛ غداة عبور آلاف المهاجرين من المغرب إلى مدينة سبتة المغربية المحتلة من قِبل إسبانيا، ونتج عن تلك الأزمة تبادل المغرب وإسبانيا استدعاء السفراء والاتهامات، وإطلاق بيانات الاستياء، قبل أن تنتهي الأزمة بعودة رئيس جبهة البوليساريو إلى الجزائر مطلع يونيو الماضي. 

وتشترك إسبانيا – التي يوسم موقفها من قضية الصحراء بالحياد الإيجابي – مع الجزائر في دعمها لحل القضية الصحراء الغربية (وهي منطقة تصنفها الأمم المتحدة بين «الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي». وتطالب جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر بإجراء استفتاء لتقرير المصير، بإشراف الأمم المتحدة التي أقرته عند توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين المتحاربين في سبتمبر (أيلول) 1991) على أساس قرارات مجلس الأمن الدولي السابقة؛ وهو الموقف الذي أكّد عليه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة شهر سبتمبر الماضي.

وفي آخر تطورات قضية الصحراء؛ ألغت محكمة العدل الأوروبية اتفاقيتين تجاريتين مع المغرب تشمل منتجات زراعية وسمكية بسبب أنه جرى إبرامها بدون قبول سكان منطقة متنازع عليها في شمال غرب أفريقيا في إشارة إلى الصحراء الغربية؛ وهو القرار الذي من شأنه أن يضعف حجم التبادل التجاري بين المغرب وإسبانيا التي تعتمد بشكل كبير على السمك المغربي. 

 ويمكن القول في الأخير؛ أنّ هذا التقارب الذي يرسم منحنى العلاقة بين الجزائر وإسبانيا يأتي في إطار التوتر بين الجزائر والمغرب، وكذلك المغرب وإسبانيا، فعلاوة على المشاكل العديدة التي ترسم خارطة العلاقات بين المغرب والجزائر فإن العلاقات بين المغرب وإسبانيا تشهد أيضًا فترة فتور وجفاء بعد أزمة استقبال إسبانيا لرئيس جبهة البوليساريو؛ ناهيك عن احتلال إسبانيا لجزر مغربية أبرزها سبتة ومليلية، ما يجعل من تقارب الجزائر وإسبانيا تحالف في وجه الجارة المغربية.

المصادر

تحميل المزيد