في خرجةٍ جديدةٍ لا تقل إثارةً عن خرجاته السابقة، دعا الفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع الوطني، ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، إلى استدعاء «الهيئة الناخبة» للانتخابات الرئاسية بتاريخ 15 سبتمبر (أيلول) الجاري، ليتسنى لهم تنظيم الانتخابات الرئاسية قبل نهاية السنة الجارية، وجاء ذلك خلال كلمة ألقاها الفريق صالح في الثاني من سبتمبر الحالي من الناحية العسكرية الرابعة بورقلة، مؤكدًا أنه «من الأجدر أن تستدعى الهيئة الناخبة بتاريخ 15 سبتمبر الجاري، على أن يجري الاستحقاق الرئاسي في الآجال المحددة قانونًا، وهي آجال معقولة ومقبولة، تعكس مطلبًا شعبيًّا ملحًّا».

 وأضاف صالح في خطابه المثير للجدل: «يجب التسريع في تنظيم الانتخابات الرئاسية، لا سيما من خلال التنصيب العاجل للهيئة الوطنية المستقلة لتحضير وتنظيم ومراقبة الانتخابات، التي ستشرف على جميع مراحل العملية الانتخابية»، وما إن انتهى نائب وزير الدفاع الوطني من خطابه، حتى توالت إشادة الموالين للمؤسسة العسكرية بالدعوة، مطالبين أيضًا بالإسراع في تنظيم الانتخابات، وهي الدعوات التي واجهها الحراك الشعبي بالرفض في جمعته التاسعة والعشرين، وهاجم المتظاهرون دعوة القايد صالح باستدعاء الهيئة الانتخابية، كونه تدخلًا للعسكر في السياسة.

ميزانية ضخمة وقطاع مريض.. كيف تحولت مستشفيات الجزائر إلى ميادين للموت؟

الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية.. «الإجماع الوحيد» على طاولة الجزائريين

مع دخول الحراك الشعبي في الجزائر شهره السابع، وعدم بروز أي مؤشرات على توقفه، خصوصًا بعد انطلاق الموجة الثانية للحراك، والتي أعادت للشارع بريقه الثوري، وبداية تأثر البلاد من الأزمة السياسية المستمرة منذ استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في 2 أبريل (نيسان) الماضي، عادت إلى الساحة الدعوات إلى ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية في أسرع الآجال، لكونها المخرج الوحيد من الأزمة السياسية العاصفة بالجزائر. ورغم كون الانتخابات الرئاسية أحد مطالب الحراك الشعبي المستمر منذ أزيد من 29 أسبوعًا؛ فإن التخوّف من تزويرها وتدخل السلطة الحاكمة – المتهمة بأنها من بقايا العصابة- حال دون إجرائها في السابق.

وفي محاولة ثانية لتنظيم الانتخابات الرئاسية هذا العام، بعد المحاولة الفاشلة في يوليو (تموز) الماضي؛ دعا قائد الجيش الفريق أحمد قايد صالح إلى الإسراع بتنظيم الانتخابات الرئاسية من خلال دعوة الهيئة الانتخابية قبل 15 سبتمبر الجاري، على أن تجرى الانتخابات حسب القوانين الجزائرية في منتصف شهر ديسمبر (كانون الأوّل) القادم.

الحراك مستمر في رفض الانتخابات دون ضمانات

الحراك مستمر في رفض الانتخابات دون ضمانات

ومباشرةً بعد دعوة القايد صالح لاستدعاء الهيئة الناخبة، توالت دعوات الشخصيات الوطنية ورؤساء الأحزاب إلى التماشي مع دعوة الجيش، ومطالبة رئيس الدولة بدعوة الهيئة الناخبة في الآجال التي تسمح بإجراء الانتخابات قبل نهاية السنة.

 وكان رئيس حزب «حركة مجتمع السلم» -أكبر حزب إسلامي معارض في الجزائر- الدكتور عبد الرزاق مقري أوّل الداعين لإجراء الانتخابات الرئاسية قبل نهاية السنة الجارية، شريطة أن توفر معايير تمنع إعادة إنتاج الوضع السابق، وأضاف مقري في تصريحاتٍ على« قناة الشروق الجزائرية» أنّ الذهاب إلى الانتخابات في أقرب فرصة ممكنة من مصلحة البلاد، بسبب عدّة مخاطر تستهدف الجزائر.

من جهته أيّد بلقاسم ساحلي رئيس «حزب التحالف الوطني الجمهوري» – الموالاة- دعوة الجيش لإجراء الانتخابات قبل نهاية العام، وأكّد ساحلي أنّ «إجراء الانتخابات أصبح محل إجماع واضح لدى أغلبية الجزائريين والجزائريات الرافضين لكل المساعي والاقتراحات المشبوهة، التي ترمي إلى إطالة عمر الأزمة»، داعيًا في السياق ذاته جميع الجزائريين إلى «ضرورة الوعي بصعوبة المرحلة وحساسيتها، وكذا إدراك المخاطر الحقيقية، التي ما فتئت تشير إليها المؤسسة العسكرية، من منطلق ما تحوزه من معلومات مؤكدة وموثقة، واطلاعها الدقيق على الخلفيات والأبعاد الحقيقية للأزمة».

وبعد الانتهاء من مهامها، سلمت لجنة الحوار والوساطة برئاسة كريم يونس، الأحد الماضي، تقريرها لرئيس الدولة، عبد القادر بن صالح، ومما تسرّب من تقرير اللجنة، أنه يصب في وعاء تنظيم الانتخابات الرئاسية في القريب العاجل، ووضع آليات تشكيل سلطة تنظيم ومراقبة الانتخابات، والتعديلات التي ستطال بعض بنود القانون الانتخابي، فضلًا عن مطالب أخرى تتصل بتوفير شروط المناخ الانتخابي والعمل السياسي.

«النزاهة».. خاتم سليمان الذي سينقذ انتخابات الجزائر

لا شكّ أن السبب الأوّل الذي يمنع إجراء الانتخابات الرئاسية في الجزائر، على الرُغم من الإجماع الكبير من قطاعٍ واسعٍ بين الجزائريين على إجرائها، هو آلية تنظيم هذه الانتخابات، فقد كانت الانتخابات الجزائرية في عهد الرئيس المستقيل بوتفليقة، على حدّ وصف رئيس حزب «حركة مجتمع السلم »، فرصةً للتزوير لصالح السلطة، وأنّ التزوير، حسب مقري، كان سببًا في الأزمة التي تشهدها الجزائر هذا العام. 

ولإضفاء قدرٍ من النزاهة على الانتخابات، كانت مطالب الحراك الشعبي منذ انطلاقه في 22 فبراير (شباط) الماضي، هي نزع صلاحية تنظيم الانتخابات من الحكومة والداخلية، واستحداث هيئة عليا لتنظيم المراقبة، تكون من صلاحيتها تنظيم العملية الانتخابية من يوم الإعلان عن موعدها، حتى التسليم بنتائجها. 

ومن بين الاقتراحات التي تضمنها التقرير النهائي لـ«لجنة الحوار والوساطة»، توفير أجواء النزاهة، من خلال تعديل قانون الانتخابات، والاستجابة لمطلب الحراك برحيل حكومة بدوي المتهمة بالتزوير.

وفور استلام مطالب لجنة الحوار، ترأس رئيس الدولة عبد القادر بن صالح مجلسًا للوزراء، صدق من خلاله على مقترحات هيئة الوساطة، كما صدق على مشروع «قانون السّلطة العليا لتنظيم ومراقبة الانتخابات»، وهو القانون الذي يسمح بإنشاء السلطة الوطنية العليا لتنظيم ومراقبة الانتخابات، مما يعزز من نزاهة الانتخابات وشفافيتها.

وكانت مصادر مطلعة تحدثت إلى «ساسة بوست»، قد أشارت إلى تعديلات مهمّة تعكف السلطة بمعية لجنة الحوار على إجرائها لضمان نزاهة الانتخابات، من خلال القانونين الخاصيّن بالانتخابات، إذ ستعمد الهيئة المستحدثة إلى سحب البساط من وزارتي العدل والداخلية، اللتين كانتا مسؤولتين عن تنظيم الانتخابات الرئاسية ومراقبتها، للمرة الأولى منذ إقرار التعددية السياسية في الجزائر في دستور 1989، على أن تكون قراراتها إلزامية لكل المرشحين ومؤسسات الدولة.

وممّا سرّب للإعلام عن بنود مشروع قانون السلطة الوطنية لمراقبة وتنظيم الانتخابات، جاء في البند 15 «تحرص السلطة الوطنية لمراقبة وتنظيم الانتخابات على ضمان شفافية ونزاهة الاقتراع خلال مراحل تحضيره وإجرائه».

كما حُددت صلاحيات الهيئة في «تجسيد وتعميق الديمقراطية الدستورية، وترقية النظام الانتخابي المؤدي إلى التداول السلمي والديمقراطي للسلطة، وتوليها تحضير الانتخابات وتنظيمها، وإدارتها، والإشراف عليها، ورقابتها»، إضافة إلى «الفصل في النزاعات الانتخابية وعمليات التصويت والفرز».

وبالنسبة لقانون الانتخابات، اقترحت «لجنة الوساطة والحوار» حذف شرط جمع 600 توقيع للمنتخبين بالنسبة للمترشح للرئاسيات، وتخفيض عدد توقيعات الناخبين من 60 ألف إلى 50 ألف توقيع، إضافةً إلى وضع شرط «الشهادة الجامعية» لكلّ شخص يريد الترشّح للرئاسيات.

وحتى وقت إعداد هذا التقرير، أشارت مصادر مطلعة تواصل معها «ساسة بوست»، إلى قرب حدوث تعديلٍ حكوميٍ جديدٍ في الساعات القادمة، يستقيل من خلاله الوزير الأوّل نور الدين بدوي – أحد شروط الحراك للمرور للانتخابات- وتنصيب حكومة جديدة تماشيًا مع مطالب اللجنة الوطنية للحوار  والوساطة لضمان نزاهة الانتخابات.

هل ستلقى الرئاسيات القادمة مصير سابقاتها؟

فور دعوة قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح، مطلع هذا الشهر، رئيس الدولة عبد القادر بن صالح لاستدعاء الهيئة الناخبة في آجال سريعة، تضمن إجراء الانتخابات قبل نهاية السنة، خرجت مسيرات الثلاثاء الطلابية لتعبّر عن رفضها للتصريح المفاجئ لقائد الجيش، الذي استعجل، حسبهم، الدعوة لتنظيم الانتخابات.

وعلى وقع هتاف «مكانش انتخابات يا العصابات» سار المئات من الطلبة الجزائريين الثلاثاء الماضي، في الأسبوع رقم 28 الذي عكف الطلبة على التظاهر فيه، يرافقهم العشرات من المواطنين، ودعا المتظاهرون كلًّا من رئيس الدولة المؤقت، عبد القادر بن صالح، ورئيس الوزراء، نور الدين بدوي، إلى الرحيل، رافضين أي انتخابات يجريها أركان نظام بوتفليقة. 

مظاهرات الجمعة 05 يوليو 2019، والتي كان من المفترض أن تعلن فيها نتائج الانتخابات الملغاة

مظاهرات الجمعة 05 يوليو 2019، والتي كان من المفترض أن تعلن فيها نتائج الانتخابات الملغاة

ويجمع المتابعون للشأن السياسي في الجزائر، على أن إصرار قائد أركان الجيش على تنظيم انتخابات رئاسية قبل نهاية السنة، يشير إلى أن الجيش لا يريد السماح بالمغامرة بمستقبل البلاد، ويريد الخروج من الأزمة السياسية الراهنة بكل سلاسة، وفي أقرب وقتٍ ممكن.

وتواجه رغبة السلطة في إجراء الانتخابات الرئاسية قبل نهاية السنة مخاوف من سيناريو الانتخابات الماضية، التي ألغيت بعد رفض الحراك لها، وهذا بعد بروز مؤشرات أولية لرفض الشارع لهاته الانتخابات بالصورة التقليدية، من خلال التصميم الكبير على رفض الانتخابات، من خلال مسيرات الحراك الشعبي كل جمعة، ما يُهدد الانتخابات القادمة بالإلغاء. 

وعلى الجانب السياسي، ترفض قوى «البديل الديمقراطي» الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية؛ لأنها ترى فيها مناورة من النظام السياسي الحالي للاستمرار، وقطع الطريق أمام التغيير الجذري الذي يُطالب به الحراك الشعبي، وهو الموقف نفسه الذي تتخذه «الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلّة»، والتي ترى في الانتخابات القادمة فرصة لتجديد النظام.

تجدر الإشارة إلى أنّ الموجة الثورية التي انطلقت في الجزائر منذ أكثر من ستة أشهرٍ، استطاعت أن تلغي تنظيم الانتخابات في موعدين سابقين هما: 18 أبريل، وانتخابات 4 يوليو، وتعوّل السلطة الحالية على الإجراءات المتخذة لضمان نزاهة الانتخابات، قصد إقناع الجزائريين على قبولها والمشاركة فيها. 

كيف يمد الجيش الجزائري «أذرعه» للسيطرة على الحياة المدنية بعد رحيل بوتفليقة؟

المصادر

تحميل المزيد