عندما تتجوَّل في مخيَّمات الفلسطينيين اللبنانية، سواء في طرابلس، أم بيروت، أم صيدا؛ ستجد العديد من القصص الإنسانية الأليمة التي يحملها اللاجئون معهم في ذاكراتهم ووجدانهم منذ نزوحهم عن فلسطين بفعل الاحتلال الإسرائيلي. لكن قد تستغرب أذنك وأنت تستمع إلى بعض العائلات التي تتحدَّث لغة غريبة عن باقي سكَّان المخيَّم. إنها اللغة الأمازيغية التي حافظت عليها بعض الأسر والعائلات التي استوطنت فلسطين منذ القرن التاسع عشر، ووجدت نفسها نازحة إلى لبنان بعد الاحتلال الإسرائيلي؛ إنهم أمازيغ فلسطين.

«منذ أن كنا أطفالًا، آباؤنا منعونا من التكلم بالعربية في البيت، لقد أرغمونا على الحديث بالقبائلية (الأمازيغية) وهذا ما جعلنا نحافظ على لغتنا». 

في وثائقي للصحافي الجزائري طاهر حوشي؛ نجد العم صالح، أحد الشيوخ الفلسطينيين يعتمر كوفيته ويتحدَّث الأمازيغية بطلاقة، ما يزال الشيخ الذي شارك في الوثائقي يتذكَّر جيِّدًا اسم القرية التي تقع في منطقة القبائل بالجزائر، والتي ترجع إليها أصوله الأمازيغية، وبالتحديد قرية عطُّوش الواقعة حاليًا في بلدية ماكودة بتيقزيرت، بمحافظة تيزي وزو. لكن ما الذي يدفع أُسرًا وقبائل أمازيغية للرحيل من قرية صغيرة قريبة من جبال جرجرة بالجزائر؛ وقطع آلاف الكيلومترات إلى قرية ديشوم شمال فلسطين؟ 

قولوا لأمي ما تبكيشي
ولدك راح ومايوليشي
قولوا لأمي ماتبكيشي
ولدك ربي مايخليشي

*أغنية تراثية جزائرية، عن المنفيين الجزائريين أثناء الاستعمار الفرنسي

العائلة التي ينتمي إليها الشيخ صالح، هي واحدة من العديد من العائلات والقبائل التي تعرَّضت إلى جريمة النفي والتهجير من قُراها في موطنها الأصلي بالجزائر؛ بسبب مقاومتهم للاحتلال الفرنسي أثناء فترة الانتفاضات الشعبية في القرن التاسع عشر، وبالتحديد مشاركتهم في المقاومة التي قادها الشيخ المقراني سنة 1871م ضد الاحتلال الفرنسي.

قصَّة الشتات والتهجير رافقت أمازيغ فلسطين مرة أخرى، فبعد استقرارهم في فلسطين، تعرَّضوا مرَّة أخرى للتهجير إلى مخيَّمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من طرف الاحتلال الإسرائيلي، بعد احتلال قرية ديشوم وتدميرها.

أمازيغ فلسطين المهجَّرون في الأرض.. النفي من الجزائر ثم من فلسطين

بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830م، شهدت البلاد العديد من المقاومات المسلحة ذات الطابع المحلي والقبلي، أهمها مقاومة الأمير عبد القادر التي استمرت حتى عام 1945م، بالإضافة إلى مقاومة الشيخ المقراني سنة 1871م. بعد أن استطاعت فرنسا إخماد هذه المقاومة وقمع الثوار الجزائريين، اتخذت استراتيجية جديدة لمنع قيام مثل هذه الانتفاضات مجددًا؛ وذلك من خلال نفي القبائل المشاركة فيها نهائيًّا خارج البلاد، وبالتحديد إلى مستعمراتها أو محمياتها في أفريقيا، وآسيا، والمحيط الأطلسي.

من بين الأماكن التي نُفي إليها الجزائريون، كاليدونيا الجديدة، وغويانا، وسانت مارغاريت، الواقعة قرب فرنسا، بالإضافة إلى سوريا وفلسطين، التي وصلتها مئات العائلات الجزائرية، إما هربًا من بطش الاستعمار، وإما نفيًا بسبب مشاركتها في المقاومات المسلحة الشعبية.

بالإضافة إلى فلسطين وبلاد الشام، فإن هنالك أيضًا جالية من أصول جزائرية تتحدث الأمازيغية في منطقة كاليدونيا الجديدة، وهي مجموعة من الجزر التي تقع في المحيط الأطلسي وتخضع للسيادة الفرنسية، وقد كان الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ينفي القبائل الثائرة والمعارضين لسياساته إلى تلك المناطق؛ من أجل قمع ثوراتهم وعزلهم عن بلدانهم الأصلية. 

في السابق كنا نعيش في مجموعات، زوجة عمي لبنانية، تعلمت القبائلية بسبب حديثنا المتواصل بها *العم صالح، فلسطيني من أصول أمازيغية

لا تتوفَّر العديد من المعلومات عن أعداد الفلسطينيين ذوي الأصول الجزائرية الأمازيغية الذين نفوا من الجزائر بسبب مشاركتهم في انتفاضة المقراني سنة 1871م؛ فقد جرى تسليط الضوء عليهم منذ وقت قريب فقط بفعل بعض المقالات الصحفية والمواد الوثائقية من تحرير الصحافي الجزائري طاهر حوشي، الذي تنقَّل إلى لبنان وأجرى لقاءات صحفية مع بعض الأمازيغ الفلسطينيين الذين ينحدرون من قُرى جزائريَّة؛ وما يزال الكثير منهم متمسِّكين باللغة الأمازيغية التي توارثوها أبًا عن جد، ويتحدثون بها داخل البيت، كما نقل الصحافي معاناة هؤلاء الجزائريين في الحصول على حقوقهم القانونية من وطن الأجداد الجزائر. 

قبل الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، كان أمازيغ فلسطين من أصول جزائرية يتركَّزون في بعض القرى الفلسطينية، أبرزها قرية ديشوم التي تقع على بعد 14 كم شمالي قرية صفد قرب الحدود اللبنانية، وكانت تحوي بيوتًا متراصة مبنية بالطين والحجارة، لا تختلف في تصميمها كثيرًا عن تلك التي نجدها في القرى الأمازيغية في جبال بجاية أو تيزي وزو، وتضمُّ حوالي 130 بيتًا سنة 1945م، حسب الموسوعة الفلسطينية.

وتُعرف القرية إلى جانب اشتغال أهلها في حرفة الزراعة وقطع الأخشاب وتربية المواشي؛ باهتمامها برعاية الخيول، ويرجع ذلك لأصول أهلها الذين ينحدرون من الفرسان الجزائريين الذين حاربوا الاستعمار الفرنسي. وكانت القرية تضمُّ حوالي 540 نسمة إلا أنها تعرضت للطرد والتهجير والتدمير من طرف الاحتلال الإسرائيلي؛ بسبب مشاركة أهلها في المقاومة المسلحة؛ وقد أقام الإسرائيليون مستوطنة بالقرب منها تحمل الاسم نفسه سنة 1952م. 

حارة المغاربة المقدسية.. عندما استشهد الأمازيغ من أجل الأقصى

يتميَّز المزاج الشعبي في الشمال الأفريقي بالدعم الكبير للقضية الفلسطينية؛ إذ تظهر أعلامها بكثافة في الملاعب الرياضية أو أثناء الاحتجاجات والمظاهرات؛ ولعل هذا التأييد يرجع للروابط التاريخية بين المغاربيين وأرض فلسطين التي لجؤوا إليها قبل مئات السنين.

فالرابطة بين المغاربة والأمازيغ مع أرض فلسطين تمتد لأقدم بكثير من مجرد الهجرة التي حدثت في القرن التاسع عشر بفعل الاحتلال الفرنسي للجزائر؛ إذ تمتد لمئات السنين إلى الحروب الصليبية حين توجَّهت جيوش المغاربة بقيادة الولي الصالح أبو مدين الغوث للمشاركة في حملة صلاح الدين؛ من أجل استرجاع المسجد الأقصى.

وبسبب استبسال المغاربة في هذه الحرب وتقديرًا من الدولة الأيوبية لجهودهم الحربية؛ أوقف الملك الأفضل نور الدين علي بن الناصر صلاح الدين الأيوبي أجزاء واسعة وسط مدينة القدس للمغاربة، أو ما يعرف بحارة المغاربة، وقد تعرَّضت حارة المغاربة إلى التدمير التام في سنة 1967م من طرف الاحتلال الإسرائيلي الذي قام بتهويدها وتحويلها إلى ساحة للمبكى، حيث تقام الطقوس الدينية اليهودية.

وتزايدت أعداد المغاربة والأندلسيين المقيمين في مدينة القدس بسبب زياراتهم إلى المسجد الأقصى واستقرارهم في هذه الحارة بالخصوص بعد استرجاع القدس من الصليبيين سنة 1187م، وبعد سقوط الأندلس سنة 1492م. وقد ساهم المغاربة في عملية تحرير القدس من أيدي الصليبيين من خلال الحملات التي قادها أبو مدين الغوث، أو المساعدة البحرية التي أرسلها سلطان المغرب يعقوب المنصور، بعد طلب صلاح الدين الأيوبي، الذي بدوره أسكن أعدادًا من هؤلاء المغاربة في القدس. 

ويشتكي الفلسطينيون من أصل جزائري من رفض السلطات الجزائرية إعطاءهم جواز السفر الجزائري، وهو ما أكَّده فايز، أحد أحفاد المنفيين من أمازيغ فلسطين، والذي تنحدر أصوله من قرية آيت بوحيى ببني دوالة، محافظة تيزي وزو؛ إذ يشتكي هو والعديد من أمازيغ فلسطين من حرمانهم من الجنسية. 

إسرائيل وبعض الحركات الأمازيغية.. ما سر التقارب المفاجئ؟

رغم هذه الوشائج العائلية والتاريخية الممتدَّة منذ قرون بين الأمازيغ وفلسطين، فإن أوساط الحركة الثقافية البربرية في المغرب والجزائر، بالإضافة إلى النشطاء في أوروبا وكندا، تُعرف بتحسُّسها الشديد من القضية الفلسطينية، بل تجهر شرائح واسعة داخل هذه الحركة بمعاداتها الصريحة للفلسطينيين، وتأييد الاحتلال الإسرائيلي، وتختلف منطلقات هذه التيارات باعتبار أن من حمل لواء القضية الفلسطينية تاريخيًّا كانت أنظمة تتبنى أيديولوجيا القومية العربية، وهي التي حسب نظرهم قمعت الحقوق الهوياتية والثقافية للأمازيغ. 

سياسة

منذ سنتين
«شيخ الشيوخ» أبو مدين الغوث.. المتصوّف الذي قاد جهاد المغاربة في القدس

من المؤكَّد أن هذا التوجُّه المؤيد لإسرائيل لا ينطبق على الأمازيغ جميعًا، ولا توجد حتى أدلَّة تفيد بأن أغلبيتهم موافقون على هذا الطرح؛ لكن لا يخفى على المتابع علوُّ الأصوات المعادية للقضية الفلسطينية داخل الأوساط الشبابية في الحركة الأمازيغية، كما أن هنالك نشاطًا إسرائيليًّا مكثفًا يسعى إلى اختراق الحركات والتقارب معها، ودعم الحركات الانفصالية داخلها.

فزعيم حركة «الماك» التي تسعى إلى انفصال منطقة القبائل عن الجزائر؛ قد زار إسرائيل واستُقبل من طرف مسؤولين إسرائيلين، كذلك أصدرت هذه الحركة مؤخرًا جوزات سفر باللغة العبرية، في إشارة رمزية إلى التقارب مع إسرائيل؛ وهو ما يتضح أيضًا في مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ تنشر الصفحات التابعة للحركات الانفصالية منشورات داعمة لإسرائيل ومعادية للفلسطينيين. 

وكان طلبة مغاربة نشطاء في الحركة الثقافية الأمازيغية قد منعوا ندوة عن القضية الفلسطينية بكلية العلوم بأمغيلة. وكان الناشط اليساري أحمد ويحمان قد حذَّر ممَّا أسماه اختراق جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد للحركات الأمازيغية، وصرَّح بأن الجهاز درَّب بعض المغاربة على استخدام السلاح. 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد