استدعى هروب الرئيس الأفغاني أشرف غني، الأحد 15 أغسطس (آب) 2021، من العاصمة كابول متوجهًا إلى طاجيكستان، قبل استقراره بدولة الإمارات هربًا من زحف حركة طالبان، ذكريات عن تخلي الولايات المتحدة الأمريكية عن حلفائها، سواء الذين طالما استفادت منهم، وكانوا بيادق محلية في مخططاتها الإستراتيجية، أو الذين فرضتهم بالقوة على رأس هرم السلطة في مجتمعاتهم.

الجامع بين حالات الخذلان المُهينة هو أن هؤلاء الرؤساء الذين انهارت سلطتهم تحت ضغط ثورة شعبية أو هجوم مسلح، كانوا معزولين تمامًا عن مجتمعاتهم، ونجحوا في تعزيز سلطتهم بدعم خارجي، أمريكي غالبًا، ضد خصومهم المحليين أو الصعوبات الاقتصادية التي هددت استقرار حكمهم.

واتسم نمط حكم رجالات أمريكا بالاستخدام المستمر لأدوات السيطرة الخشنة: المذابح والتصفية والاعتقالات، مع معدلات فساد قياسية، وكان حفاظهم على السلطة شاغلهم الرئيسي، ولكن عندما تحين ساعة الحقيقة، يتبين أن الدعم الأمريكي عاجز عن انتشالهم من فشلهم الخاص، وهو ما يلقي بشكوك عميقة حول مدى قدرة أو رغبة واشنطن في فرض سياساتها في تلك البقاع الخاضعة، وفيما يلي أبرز نماذج هؤلاء الذين تركتهم أمريكا للهلاك.

شاه إيران.. ملك لا يجيد الحكم والقتال

وصل محمد رضا بهلوي (الشاه) إلى السلطة عام 1941، ولم يكن يمارس سلطة فعلية إذا كانت السلطات مُركّزة في يد رئيس الوزراء، إلا أنه تحوّل إلى مستبد شرس منذ عام 1955، حين أطاح انقلاب عسكري – بدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية – حكومة رئيس الوزراء الدكتور محمد مصدق الوطنية؛ الأمر الذي سمح للشاة بالانفراد بالسلطة، فيما تراكم غضب شعبي مكتوم من ذلك الحاكم المُتوج بسيوف الغزاة.

تمكّن الشاه من خلال الوفرة النفطية وعائداتها السخية من تأسيس واحد من أقوى نظم الحكم في العالم الثالث وأكثرها شراسةً، وبموازاة تعزيز الهيمنة شهدت إيران في عقدي الستينات والسبعينات تحولًا اقتصاديًا أدى إلى توترات عنيفة داخل المجتمع الإيراني.

فالنمو الاقتصادي المهول الذي حرّكه النفط أنتج مشكلاته الخاصة، إذ ازدهر هذا القطاع وتوسع بشكل كبير على حساب بقية القطاعات الاقتصادية، كما أن العائدات الناتجة عن النفط حرّرت نظام الشاه من الالتزام بدعم الأنشطة الإنتاجية وإنجاز تحول صناعي مستديم ومتوازن.

صبت عائدات النفط (فضلًا عن استقرار جزء كبير منها في جيوب العائلة المالكة)، في صالح تضخيم جهاز الدولة، وبالأخص قطاعاتها الأمنية، في الوقت الذي ازدادت فيه معدلات الهجرة إلى المدن حتى تضاعف سكانها خلال عقد واحد، وأصبح نصف السكان يعيشون فيها، بعد أن كان الريف يمثل القوة السكانية الأكبر، وبموازاة ذلك نما قطاع الخدمات للتغطية على الاحتياجات اليومية لسكان الحضر.

وعلى الرغم من التحديث الجزئي في المدن التي استقطبت الجزء الأكبر من القوة العاملة (التي احتفظت بقيم مجتمع ما قبل الصناعة) فكما يقول فريد هاليداي في كتابه «الإسلام وخرافة المواجهة.. الدين والسياسة في الشرق الأوسط» ظل القطاع الزراعي متأخرًا، وكان القدر الأكبر من الإنتاج يخدم الاحتياجات الأسرية، وفيما توسع القطاع المصرفي والنشاط المالي بشكل عام، كان تجار «البازار» (وهي كلمة فارسية تعني السوق غير أنها باتت تطلق على التجار التقليديين) يعانون من تدني وزنهم الاقتصادي بالتدريج، فرأوا في النظام التجاري الحديث تهديدًا لمكانتهم ومصالحهم، والبازار هو الذي موّل – تاريخيًا – المؤسسات الدينية (المدارس، والمساجد، والأضرحة) وسيكون لذلك أثر بالغ الخطورة على النظام ككل.

هذا الاختلال المتنامي لم يكن محل ملاحظة من الشاه، فقد كان ابتعاده عن الواقع يتعاظم يومًا بعد آخر، ويفسر هذا نزعته الاستعراضية فيما يخص المشروعات الاقتصادية ولجوئه إلى العنف الخام في مواجهة المعارضة المتنامية، دون تطوير أي حس تفاوضي أو مهارات سياسية على الرغم من فترة حكمه الطويلة.

كان الشاه محرك النظام ونقطة ضعفه الكبرى في آن؛ فقد جمع كل السلطات في يديه على الرغم من ضعف شخصيته وانعدام تأهيله السياسي، فضلًا عن تجرده من أية شرعية تذكر، فقد سيطر على السلطة بعد الانقلاب العسكري على مصدق، وثبّت حكمه بالحديد والنار، وهو ما سمح للمعارضة ورمزها الأول «روح الله الخميني» بأن يصفه بـ«المغتصب».

كان الشاه يرى أن الخطر الحقيقي على عرشه لا يكمن في الداخل الإيراني، بل في التمدد السوفيتي في المنطقة، فقد كان الاتحاد السوفيتي يسعى للوصول إلى الخليج العربي عبر تنصيب نظام شيوعي موالٍ في إيران، وكانت هناك علاقات وطيدة بين الاتحاد السوفيتي والمكونات اليسارية في المعارضة مثل «حزب تودة» الشيوعي المؤيد تاريخيًا للسوفيت، و«فدائيي خلق» (منظمة ماركسية تتبنى إستراتيجية الكفاح المسلح) و»مجاهدي خلق» (يسار إسلامي منخرط في النضال المسلح ضد الشاة).

وفي مواجهة الخطر السوفيتي المحدق عمل الشاة على تعزيز علاقته بالولايات المتحدة، ليصبح نظامه جزءًا من الإستراتيجية الأمريكية في الحرب الباردة، وضمن هذا السياق وطد علاقته بإسرائيل التي كانت في حاجة ماسة إلى تحالفات إقليمية لفك العزلة التي فرضها العرب عليها.

واعتبرت المعارضة اليسارية ورجال الدين معًا نظامه غير شرعي، وكان الرجل يعتمد على الدعم السياسي، والعسكري، والاقتصادي الأمريكي، فقد كان يحصل على مساعدات واشنطن السنوية التي وصلت عام 1954 إلى حد تغطية 60٪ من ميزانية إيران، وعلى الرغم من ذلك لم يكن لدى الطبقات الشعبية مشكلة كبرى مع فقدان الشرعية هذا، إذ حدث تقبل ضمني لنظامه خلال الستينات في ظل التحسّن الاقتصادي الذي حفّزته العائدات النفطية، فإن القبول الصامت لم يستمر، بحكم الازدهار نفسه الذي أسفر عن معدلات قياسية من اللا مساواة والفساد.

كما أن الاقتصاد الإيراني دخل مرحلة التباطؤ في عام 1977، وزاد التضخم وانخفضت القوة الشرائية بشكل مفاجئ، وارتفعت قيمة الإيجارات وأصبحت بعض السلع نادرة، في الوقت الذي بدأت فيه المعارضة تُلملم شتاتها وتُوحِّد صفوفها في ائتلاف واسع يقوده رجال الدين، فضمت تحت مظلتها طلاب الشريعة وفقراء المدن و»البازار» والطلاب من أبناء الطبقة الوسطى الذين تبنوا قناعات معادية للنظام في سياق التسييس المحيط بهم.

ورغم أن النشاط المعارض استمر لمدة سنتين، فإنه حتى حلول نوفمبر (تشرين الثاني) 1978 لم تكن الولايات المتحدة تدرك أن حليفها يواجه ثورة شعبية، رفعت من «محاربة النفوذ الأمريكي» شعارًا لها، فقد بدأ الخميني يصف الشاه بـ«ساجي كارتر» (وهو تعبير فارسي بمعنى كلب كارتر)، بسبب تزايد النفوذ الأمريكي في إيران ما قبل الثورة.

فالسياق الذي جرت فيه الانتفاضة كان سياق اندماج الاقتصاد الإيراني في السوق العالمية، ولم يكن معدل إنتاج النفط المرتفع تمليه أي احتياجات مُلحة في الداخل أو وفق حسابات إيرانية بالكامل، بل تميله الطلبات الأمريكية، بل كانت إدارة الإنتاج النفطي بيد الشركات الأمريكية، وكان الشاة يؤمن بأن صداقته لأمريكا واستجابته لأيٍ من مطالبها تشكل العامل الوحيد لبقائه في السلطة وسيطرته على البلاد، وبالتالي لم يكن مهتمًا بأن يخلق قاعدة اجتماعية مؤيدة له.

لذا حين اندلعت الثورة لم تكن هناك عوامل داخلية تسمح بتدخل خارجي أمريكي لتقويض الحراك المعارض، لا طبقة وسطى متعاطفة مع الشاة وداعمة لبقائه، ولا جيش يحظى بتأييد سياسي في الداخل يمكن توجيهه ضد الانتفاضة، وعلى المستوى الخارجي كانت الحكومة الأمريكية مقيدة بالتبعات الكارثية للتدخل في فيتنام، وبوضع إيران الإستراتيجي.

فقد كان يمكن لتدخل عسكري أمريكي أن يستجلب تدخلًا سوفيتيًا حسبما صرّح برجينيف حينها، وفقًا لمعاهدة 1921 بين إيران وروسيا، فتركت أمريكا النظام يتداعى بهدوء، ويهرب الرجل القابع فوق رأسه إلى مصر، ثم إلى المغرب، وجزر البهاما، والمكسيك، قبل أن يدخل الولايات المتحدة لتلقي العلاج الطبي من سرطان الغدد الليمفاوية.

 وحين استولى الثوار الإيرانيون على السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا حوالي 50 أمريكيًا رهائن، طالبوا بتسليم الشاه مقابل الإفراج عنهم، فيما رفضت الولايات المتحدة طلبهم، لكن الشاه غادر فيما بعد إلى بنما، ثم إلى القاهرة، حيث مُنح اللجوء من قبل الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، ليموت في القاهرة في 27 يونيو (حزيران) 1980 في الـ60 من عمره، وأقيمت جنازة عسكرية له حضرها السادات وجرى دفنه في مسجد الرفاعي في القاهرة.

جعفر نميري.. الرقص على حبال الخصوم

في صبيحة 25 مايو (أيار) 1969 استولى تنظيم الضباط الأحرار بقيادة العقيد أركان حرب جعفر محمد نميري على السلطة في السودان، لاغيًا المسار الديمقراطي وفارضًا سلطة ثورية هجينة ضمت خليطًا من الشيوعيين والقوميين العرب والمستقلين.

بدأ النظام بنبرة شيوعية صارخة تخففت تدريجيًا لتصبح قومية غيورة على المصالح العربية في مواجهة الهيمنة الأمريكية، ثم تخففت كليًا لتصبح ذات غطاء إسلامي تراعي المصالح الأمريكية في مواجهة القوس الشيوعي الممتد من اليمن الجنوبي وحتى إثيوبيا.

الجامع الوحيد بين كل تلك التقلبات هو اعتماده على الأمن وحده في فرض سياساته، فقد انتهج أسلوب «الحظر والإقصاء» لكافة التيارات التي لا تعمل داخل منظمته الوحيدة (الاتحاد الاشتراكي) لذا دخل في صراع صفري مع حزب الأمة (الأنصار) والإخوان المسلمين، ووصل الأمر في بعض مراحله إلى حرب شوارع وسط الخرطوم سقط فيها مئات القتلى، دون إنجاز سياسي يذكر.

وبعد سفك الدماء، اتخذ القيادي الإسلامي حسن الترابي في سجنه بمعتقل كوبر بالخرطوم قرارًا بمصالحة نظام النميري، وحين تلكأ النميري في الرد على مبادرة الترابي استدعى العقل المدبر للإخوان المسلمين وساطة الأمير محمد الفيصل (ابن الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز) للصلح بين الطرفين وقد كان.

كانت الظروف التي تمر بها المنطقة العربية لا تسمح للنميري بالاستمرار في الصراع، خصوصًا في ظل الاستقطاب السوفيتي/الأمريكي في المنطقة؛ إذ استولى «مانغستو هيلا مريام» على السلطة في إثيوبيا في فبراير (شباط) 1977 وفرض نظامًا شيوعيًا على الطريقة اللينينية، وبدأ في تحويل بلاده إلى قاعدة انطلاق شيوعية في أفريقيا؛ وهو ما أثار قلق النميري الذي يواجه تحديًا عسكريًا في جنوب السودان، وآخر سياسي من الحركات اليسارية في شمال البلاد.

كما أثارت تلك التطورات قلق عميق لدى الولايات المتحدة خاصة أن إثيوبيا بدأت في استجلاب دعم سوفيتي، فزاد حجم الجيش الإثيوبي من 40 ألف إلى 100 جندي بفضل ذلك الدعم ومعاهدة الصداقة بين الطرفين.

وكما يروي الصحافي السوداني حيدر طه في كتابه «الإخوان والعسكر.. قصة الجبهة الإسلامية والسلطة في السودان» فقد وصل فيه 13 ألف جندي كوبي إلى إثيوبيا لدعم النظام الشيوعي، وبموازاة ذلك، أرسلت كوبا 500 خبير عسكري ومدني إلى اليمن الجنوبي، فيما أرسلت 300 ألف جندي إلى أنجولا ضمن إستراتيجية تعزيز الأممية الشيوعية في أفريقيا.

وفي الوقت نفسه كان العقيد معمر القذافي الرئيس الليبي، الذي اعتبر نفسه وريثًا لعبد الناصر في قيادة حركة التحرر الوطني، يعمل مُحرِّض دولي ضد الإمبريالية الأمريكية في أفريقيا، فكان السودان بين كماشة إثيوبيا الشيوعية التي تدعم جون قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب، وليبيا المتمردة، التي تدعم المعارضة السياسية في الشمال وترى أن إسقاط نظام نميري يعني مد الحزام الراديكالي من إثيوبيا إلى اليمن الجنوبي.

التطورات العاصفة هذه ألقت بنظام النميري كليًا في حضن الولايات المتحدة الأمريكية، على أمل تعزيز أمنه الداخلي والحصول على دعم اقتصادي وعسكري أمريكي، وبدأت العلاقات بين البلدين في التطور فعليًا وحصل السودان على أسلحة أمريكية بقيمة 100 مليون دولار.

بينما جرى توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع مصر في يوليو (تموز) 1976 في العاصمة السعودية الرياض، لحماية الخرطوم من عدوان إثيوبي وليبي محتمل، فيما توسع الدعم السعودي لنظام النميري ليصل إلى 357 مليون جنيه في وقتٍ كان الجنيه السوداني بثلاثة دولارات.

تحول النميري إلى رأس حربة الإستراتيجية الأمريكية في مواجهة التمدد الشيوعي في أفريقيا المملوءة بالحركات الثورية وجنود الأممية الشيوعية من كوبيين وروس وألمان شرقيين وبلغار وتشيك، بالإضافة إلى السلاح الشرقي، فكان لابد عن إدماج القوى الإسلامية في الاتجاه.

وفي هذا السياق بدأ النميري في تطبيق الشريعة، فجمع حوله تأييدًا من القوى الإسلامية في الداخل والخارج، بينما أثارت القوانين الجديدة غضب القوى السياسية اليسارية، وبعض القوى التقليدية، خصوصًا «الأنصار»؛ إذ اعترض الصادق المهدي زعيم الأنصار، عليها وجرى اعتقاله، وكذلك المفكر الجمهوري محمود محمد طه، الذي جرى إعدامه.

وقبل أن يُدفن محمود طه في مكان مجهول في صحراء السودان، كانت الوفود الإسلامية تتوافد على الخرطوم لتهنئة النميري والترابي بتطبيق الشريعة، وخرج الإخوان في مواكب دعم، بينما بدأت العزلة في تطويقه من كل مكان.

نُسجت خيوط هذه العزلة عبر اتساع رقعة الحرب في جنوب السودان، وحدوث مجاعة في الأقاليم الجنوبية والغربية، فنزحت أعداد هائلة نحو الخرطوم، فيما تراجع النمو الاقتصادي إلى أسوأ مستوياته لتشهد البلاد طوابير طويلة أمام محطات الوقود وغيرها من منافذ بيع السلع الأساسية، بينما لجأ النميري إلى صندوق الدولي للحصول على التمويل اللازم لإنقاذ نظامه.

 تبع ذلك إعلان الحكومة رفع الدعم عن جميع السلع الأساسية 1985، لكن القرار لم يمر بهدوء، بل استتبع انتفاضة طلابية انضم إليها فقراء المدن «الشماسة» (الذين لا يملكون بيوتًا ويعيشون في العراء تحت آشعة الشمس الحارقة) وبدأت النقابات في تنظيم إضرابات في أهم المرافق الحيوية في البلاد، لتنضم بقية القوى السياسية إلى الانتفاضة، بينما كان النميري غير آبه بالتطورات الحادثة في بلاده، وقرر السفر إلى الولايات المتحدة لإجراء بعض الفحوصات الطبية ولقاء الرئيس رونالد ريجان.

وعلى الرغم من أن المظاهرات اعترضت موكبه في الطريق إلى المطار فإن النميري كان واثقًا من أنه يملك كل خيوط اللعبة، وأن ثورةً لا يمكن أن تقوم ضده، فغادر نحو الولايات المتحدة في رحلة طويلة الأمد، وفي خضم التطورات المتسارعة بالداخل أيقنت إدارة ريجان أنه لا يمكن إنقاذ حليفها، فأبقت عليه ووضعت في حسابه البنكي في لندن 2 مليون دولار، كمكافأة نهاية خدمة.

وتحت الضغط النقابي والجماهيري تحركت القيادة العامة للقوات المسلحة للاستيلاء على المواقع الإستراتيجية في البلاد، وأعلن الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب الاستيلاء على السلطة لـ«حقن الدماء» بين الشرطة والمحتجين، ليبدأ الجيش حوارًا حول المرحلة الانتقالية مع قادة التجمع النقابي والأحزاب السياسية

حسني مبارك.. رحلة الرجل المطيع 

في أعقاب حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 دخل أنور السادات في صدام مع قيادات الجيش الكاريزمية تسببت فيها مباحثات «فض الاشتباك»، ثم مباحثات اتفاقية كامب ديفيد، فأطاح القادة الذين كان يشكلون خطرًا على منصبه، وفي هذا الجو من الحذر والقلق، وجد السادات ضالته في رجل شعر أنه مُفرط في البيروقراطية وإطاعة الأوامر، كان هذا الرجل هو حسني مبارك، الذي وجد طريقه إلى السلطة مصادفة، وورث تركة السادات بحلوها ومرها.

لم يكن مبارك معروفًا في الغرب بأكثر من كونه ضابطًا مطيعًا، لا يملك أحلامًا ثورية، أو توجهات سياسية، وكان الجيش في مصر راغبًا في إبقاء الحكم داخل المؤسسة العسكرية بغض النظر عن الأسماء، وحالة الرضا تلك هي ما عبّدت الطريق لمبارك نحو السلطة. 

كان السادات يحلم أن يكون مثل صديقه شاه إيران، شرطيًا للمصالح الأمريكية في المنطقة، وورث مبارك الحلم نفسه وأتمّه بأكثر مما كان يحلم به سابقه، فأتم عملية السلام والتطبيع مع إسرائيل، وأشرك الجيش المصري في أولى الحملات العسكرية في المنطقة (حرب الخليج الثانية).

وبالتدريج تحوّل إلى صوت أمريكا في القمم العربية على الدوام، فضلًا عن تزعمه لمفاوضات حل الدولتين بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتي جعلت منه في نظر البيت الأبيض مندوبًا ساميًا للمصالح الأمريكية.

منحت الولايات المتحدة مصر 1.3 مليار دولار سنويًا لتحتل المرتبة الثانية بعد إسرائيل، ومنذ منتصف التسعينات تحوّل مبارك إلى زبون مفضل لصندوق النقد الدولي، فيما أصبحت حكومته تلميذًا مطيعًا لتنفيذ سياسات الصندوق في التكيف الهيكلي، وهي السياسات التي سلمت القطاع العام الحكومي إلى القطاع الخاص، وزادت من ريعية الاقتصاد، وجعلته أكثر ارتباطًا بالسوق الرأسمالية العالمية. 

أسفرت هذه السياسات عن موجة غضب شعبي تنامت بالتدريج، وقد بدأت باحتجاجات لنشطاء محدودين في حركات كفاية و«6 إبريل» وصولًا إلى إضراب المحلة 2008، وانتهت تلك الموجة باحتجاجات حاشدة في ميدان التحرير وباقي ميادين المحافظات، فعزلت نظامه شعبيًا ولم يعد له حليف في الداخل بعد أن تآكلت قاعدة تأييده.

الضغط الشعبي الهائل الذي تجسّد في ثورة «25 يناير» جعل النواة الصلبة للدولة المصرية العميقة ممثلة في قواتها المسلحة تضغط على الرئيس للرحيل، وقد زاد من قوة تلك القناعة لدى الجيش أن الولايات المتحدة بقيادة الرئيس أوباما وقتها تشاطره نفسه الرأي، فترك مبارك السلطة ليستقر بمنتجعه بشرم الشيخ، قبل أن تتطور الأحداث وصولًا إلى وفاته. 

أشرف غني.. تميمة الفشل

في أعقاب غزو الولايات المتحدة لأفغانستان نصّبت حامد كارزاي رئيسًا لأفغانستان على مدى 13 عامًا، انتخب فيها عام 2004 وعام 2009 في انتخابات فوضوية شهدت تزويرًا ومشاركة ضعيفة.

 وبسبب الدستور الأفغاني، الذي كُتب بعد الغزو الأمريكي، أصبح كارزاي غير قادر على الترشح لولاية جديدة، وفي انتخابات العام 2014 انُتخب أشرف غني رئيسًا جديدًا لأفغانستان، ليواجه التركة الشائكة والمعقدة التي تركها له سلفه، وكان أهم تلك الملفات هي إنجاز مصالحة مع حركة طالبان، وتوقيع اتفاق أمني مع الولايات المتحدة.

بدأت العلاقة بين أمريكا وغني مبكرًا، فـغني تعلّم بين جدران الأكاديميا الأمريكية وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا، وأمضى جزءًا كبيرًا من حياته في دراسة كيفية تعزيز النمو في الدول الفقيرة، بالإضافة إلى تدريسه في كثير من الأكاديميات الأمريكية المرموقة قبل عمله في البنك الدولي والأمم المتحدة، والتي كان مرشحًا ليكون أمينها العام.

في أعقاب الغزو لم ترَ الولايات المتحدة تكنوقراطيًا أفضل من غني لمنحه مسؤولية إصلاح الاقتصاد الأفغاني، وأصبح الرجل العائد إلى البلاد بعد غياب ربع قرن من الزمن، وزيرًا للمالية على مدار عامين من 2002 حتى 2004 لم ينجز خلالهم أي نجاح يذكر.

تخلى غني عن جنسيته الأمريكية حتى يستطيع الترشح للانتخابات الأفغانية عام 2009 التي خسرها، وفي 2014 نجح غني في انتخابات شابها التزوير، بعد صراع مع عبد الله عبد الله، وزير خارجية أفغانستان الأسبق، ولم يُحل ذلك الصراع بين الرجلين، إلا بعد أن قام وزير الخارجية الأمريكي «جون كيري» باختلاق وظيفة جديدة لا ينص عليها الدستور الأفغاني تًسمى الرئيس التنفيذي، ليصبح غني رئيسًا للبلاد، وعبد الله رئيسًا تنفيذيًا، مشكلين حكومة وحدة وطنية لم تشهد أي وحدة على الإطلاق.

وفور اعتلاء غني السلطة وقّعت الولايات المتحدة اتفاقية أمنية مع كابول في سبتمبر (أيلول) 2014 ضمنت بها إبقاء قوة لا تتجاوز 12 ألف جندي من أجل تدريب الجيش الأفغاني حتى عام 2015 من دون أن يعني ذلك انخراطًا كاملًا في الصراع الذي تشهده أفغانستان. 

كان غني يعتقد أن نهجه العقلاني سيتغلب على قرون من الانقسام العرقي والقبلية في السياسة الأفغانية، وفي نفس الوقت سعى للعب دور السياسي الشعبوي، فقد كان يظهر في المناسبات مرتديًا أزياء قبلية، ومتحدثًا بصرامة عن رفضه للتدخل الأمريكي في سياسة بلاده. 

دشّن غني عملة جديدة لم تلق أي رواج في استعمالها تجاريًا، وظل التعامل بالدولار جاريًا، وحاول على الدوام أن يتملق الشركات الأمريكية المستثمرة وأغنياء أفغانستان الفارين للعودة للاستثمار في بلادهم، فيما اعتمدت سياساته الاقتصادية بشكل كامل على المنح الغربية، فكانت ألمانيا تمنحه 500 مليون دولارًا سنويًا مساهمة في بناء الاقتصاد الأفغاني، فضلًا عن مساعدات البنك الدولي.

استبدل غني الكفاءة بالولاء الشخصي، وبحكم انتمائه لقبائل البشتون، عمل على إبعاد الجماعات العرقية الأخرى من مراكز السلطة المؤثرة، وكثيرًا ما أدار ظهره لتقارير الفساد في المستويات العليا من إدارته؛ مما سمح بازدهار الكسب غير المشروع الذي وعد بتنظيفه.

طالبان بدورها لم تكن مهتمة بالتفاوض مع أي رئيس، فهي ترى في الولايات المتحدة الحاكم الفعلي للبلاد، وبمجرد أن تنسحب يمكن استعادة السلطة بالقتال، فخياراتها الأيديولوجية والإستراتيجية كانت محسومة منذ أمد بعيد، فلم تؤمن بالعملية الديمقراطية، كما أنها كانت ترى أن عودة الإمارة وتطبيق الشريعة أمورًا لا تقبل المساومة.

كانت الحركة من الصلابة والقوة بالدرجة التي أجبرت باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية عام 2016 على الاعتراف بأن بلاده لا تستطيع القضاء على طالبان بالقوة، وأنها لا تستطيع إجبار الحركة على الموافقة على شروطها للاستسلام. 

رفضت الولايات المتحدة مِرارًا إجراء محادثات مباشرة مع طالبان، واستخدمت وسطاء: مثل السعودية، وباكستان، وتركيا من بين آخرين كثر، لتجسيد مطالبها من طالبان وبلورتها في إطار سياسي، لكن هذه المحاولات فشلت جميعها.

 وهنا أيقنت الولايات المتحدة بأن المفاوضات المباشرة هي الحل، وبدأت هذه العملية منذ إدارة دونالد ترامب وتُوِّجت بمفاوضات الدوحة، واكتملت تلك المحادثات في عهد الرئيس جو بايدن الذي حدد موعدًا نهائيًا للانسحاب أغسطس عام 2021.

وفوق تهميشه النسبي في المفاوضات المصيرية حول بلاده في الدوحة، تعرض غني للإذلال حين أجبرته الولايات المتحدة على إطلاق سراح 5 آلاف معتقل من طالبان عربون ود في عملية التفاوض مع طالبان.

وفي النهاية انسحبت الحكومة الأمريكية بسبب ثقل فاتورة الحرب في أفغانستان وطول المدة، تاركة الحكومة الأفغانية للخيار صفر، أي مواجهة طالبان وحيدة، فيما أنقذ غني رقبته بالفرار.

وبالنسبة إلى رجل مثل أشرف غني والشبهات التي طالت إدارته طيلة حكمه، لم يمر هروبه دون الكثير من الأحاديث التي تلاحق القادة الهاربين، ففي اليوم الذي هرب فيه غني، قالت السفارة الروسية في كابول إن الرئيس الأفغاني فر من البلاد بأربع سيارات وطائرة هيلوكوبتر مليئة بالنقود، فضلًا عن الأموال التي تركها وراءه لأن الوقت لم يسعفه لحزمها.

المصادر

تحميل المزيد