عرفت الهند مع وصول رئيس الوزراء ناريندا مودي وحزبه «بهاراتيا جاناتا» إلى السلطة، صعودًا للتوّجه الهندوسي القومي المتطرّف، وانتشار الخطاب العنصري والتمييز الطائفي، وأعمال عنف ضد الأقلية المسلمة وباقي الأقليّات في البلاد، مع تغطية سياسية وتواطؤ صريح من طرف  الحكومة الهندية.

وفي ظلّ هذا المشهد السوداوي، تبرز شخصية الكاتبة الروائية أرونداتي روي رافعةً صوتها ضد توجّهات الحزب الحاكم، ومستغلّة منصتها العالمية بفضل شهرتها في ميدان الأدب من أجل التصدّي لسياسات الرأسمالية الجشعة العنصرية واضطهاد المسلمين وقمع المزارعين الهنود. فمن تكون أرونداتي روي الملقّبة بـ«ضمير الهند»؟

«إله الأشياء الصغيرة».. نجومية أرونداتي التي لم تكبح جماحها

وُلدت أروندارتي روي في سنة 1961 لأمّ مسيحية وأب هندوسي بنغالي، كان يعمل في زراعة الشاي. بعد طلاق والديها عاشت أرونداتي روي مع والدتها في مدينة كيرلا، وهناك أنشأت والدتها مدرسة غير نظامية بأساليب تربوية مختلفة عن السائد. واصلت روي دراستها الجامعية في دلهي وتخصّصت في الهندسة المعمارية، لكنّ مسارها الوظيفي أخذ طريقًا آخر مرتبطًا بالسينما، والكتابة، والتأليف؛ إذ كتبت في بداياتها سيناريو لمجموعة أفلام تصويرية من إخراج زوجها السابق براديب كريش، وقد حاز أحدها على جائزة وطنية سنة 1988.

لكن إنجازها الأدبي الأشهر والذي أوصل اسمها إلى العالمية وحوّلها إلى إحدى أكثر الكاتبات شهرة في العالم كانت روايتها «إله الأشياء الصغيرة» الصادر سنة 1996، والتي حازت بفضلها على جائزة البوكر في فرع الروايات الخيالية عام 1997، وقد تبرّعت المؤلفة بمبلغ الجائزة للجمعيات الحقوقية.

أرونداتي راي في حفل استلام الجائزة عام 1997 – مصدر الصورة:

بلُغة شاعرية مليئة بالتوصيفات الساحرة، والتفاصيل المستلهمة من عالم الطفولة البريء تتطرّق رواية «إله الأشياء الصغيرة» إلى مواضيع مرتبطة بنشأة الكاتبة وسنوات الصغر، لكن الحبكة تبدأ في الظهور شيئًا فشيئًا ليجد القارئ نفسه أمام عمل أدبي عميق مليء بالنقد الاجتماعي والسياسي للمجتمع الهندي والطائفية الشديدة التي تتّسم بها الكثير من جوانب حياة اليومية. فمن خلال شخصيات الرواية تتطرّق روي إلى ظواهر مثل التمييز ضد المرأة، وصدمات الطفولة والعوائق الاجتماعية والطائفية في طريق الحبّ، مع جرعة من السخريّة وتعابير أدبية شديدة الإبداع.

وبفضل هذه الرواية التي تحوّلت إلى ظاهرة عالمية في ميدان الأدب، أصبح اسم أرونداتي روي ذا وزن معتبر في الساحة الأدبية والإعلامية، وقد الكاتبة استغلّت هذه المكانة والشهرة العالمية في إيصال أفكارها ونضالاتها السياسية إلى جمهور أوسع، مُحذّرة في وقت مبكّر من الحزب القومي الهندوسي المتطرّف ورئيس وزرائه ناريندا مودي وخطابه العنصري ضد المسلمين وباقي الأقليّات الهندية.

على جانب آخر، رافعت أرونداتي روي مرارًا وتكرارًا ضد المشروع النووي الهندي وخطره على استقرار شبه القارة الهندية، وتربط أرونداتي روي دائمًا بين نضالاتها الداخلية في الهند ضد جشع الرأسمالية والعنصرية والتمييز الطائفي؛ مع النضال الإنساني العالمي ضد الاستعمار والإمبريالية، شاجبةً السياسة الخارجية الأمريكية وتدخّلاتها العسكرية في العراق وأفغانستان، بالإضافة إلى انتقادها للاحتلال الاسرائيلي ودعمها للقضية الفلسطينية وتبنّيها للقضايا البيئية.

أرونداتي ضد مودي: معارك الأديبة ضد أقوى تنظيم متطرف في العالم

«أنا هستيرية. أنا أصرخ من فوق أسطح المنازل المنكوبة. بينما يقولون لي «شششششش.. سوف توقظين الجيران!» أنا أريد أن أوقظ الجيران، وهذا هو هدفي الرئيسي. أنا أريد من كل الأشخاص أن يفتحوا أعينهم»

جعلت أرونداتي روي كشف النهج العنصري والطائفي للحزب الحاكم في الهند، أحد ركائز خطابها السياسي في كتاباتها الصحافية والأدبية ولقاءاتها الإعلامية، وانبرت لتفكيك هذا الخطاب وكشف جذوره العنصرية وخطره على الهند؛ كاشفة عمّا تصفه بالكارثة التي تشهدها الهند في ظلّ نظام رئيس الوزراء مودي الذي يعمل على إلغاء الطابع التعددّي الذي عرفته البلاد بلغاتها وأديانها وإثنياتها على مدار تاريخها.

وتحذّر روي من أن هذا الحزب القومي الهندوسي الحاكم قد أصبح «أقوى تنظيم متطرّف في العالم» من خلال امتلاكه لأكثر من 57 ألف فرع في مختلف أنحاء الهند، بالإضافة إلى خلايا شبابية ونسوية وميليشيا من المتطوّعين يبلغ عددهم 600 ألف شخص، كما أنّه يسيطر على المدارس والجامعات ويملك بعثات طبيّة ومدرسة عسكرية؛ علاوة على ما كشفت عنه من أنّ المجموعات المتطرّفة المرتبطة بالحزب قد تورّطت أعمال عنف ضد الأقليات سقط جرّاءها آلاف الضحايا.

Embed from Getty Images

أرونداتي روي

وبحسب أرونادتي روي، فإن اقتناع الحزب الحاكم في الهند بأنّه لا يحتاج إلى أصوات 200 مليون مسلم يعيشون في الهند وغياب أي تمثيل سياسي لهم؛ أعطى الحزبَ شيكًا على بياض لقمع المسلمين وانتهاك حقوقهم وطردهم من الحياة العامة وحشدهم في «جيتوهات» للتنعّم بشيء من السلامة الجسدية بعيدًا عن مراكز المدن، مما جعل عصر ناريندا مودي يشهد تراجع المستوى الاقتصادي للمسلمين، وأضحت صورة المسلم في المخيال العام الهندوسي القومي مجرّد مشبوه أو خائن أو متعاطف مع «الأعداء»: باكستان وبانجلاديش.

وهو ما أعطى غطاءً سياسيًا لأعمال عنف شديدة البشاعة من طرف المتطرّفين الهندوس تستهدف المسلمين، تشمل القتل والاغتصاب والتنكيل بالجثث وإحراق البيوت والمحلّات بصورة أضحت اعتيادية، في ظلّ تعتيم إعلامي رهيب.

تنتقد روي في كتاباتها بصفة دورية رئيس الوزراء الهندي مودي، وسياسات حزبه القومي الهندوسي المتطرّف الذي يتبنّى سياسة شديدة المركزية واليعقوبية القائمة على «أمّة واحدة، لغة واحدة، دين واحد» في بلد هو الأقرب إلى «القارّة» من حيث المساحة وعدد الأديان واللغات والقبائل والشعوب التي تسكنه بحسب روي، مُذكّرة بجذور الحزب الذي نشأ في سنة 1925 متأثرًا بالحزب النازي في ألمانيا والحزب الفاشي في إيطاليا، ومُعتبرًا المسلمين في الهند، مثل اليهود في أوروبا مطلع القرن الماضي، حالمين بدولة هندية خالية من المسلمين ومتبنّين أيديولوجيا تصوّر المسلمين باعتبارهم غرباء، ومشكوكًا في أمرهم، ورافعين شعارات من قبيل «هنالك مكان واحد للمسلم، باكستان أو القبر».

تحاول أرونداتي روي من خلال كتاباتها ولقاءاتها الإعلامية أن تفكّك الدعاية الهندسية التي يتبنّاها حزب رئيس الوزراء مودي وما تصفه بـ»التاريخ الكاذب» الذي تروّجه البروباجندا القومية الهندسية، كالقول بأنّ الهند تشهد «ثورة تصحيحية» لمسح ما قام به الحكّام المسلمون الأوائل للهند، مُذكّرة بأنّ «الهنود الأوائل في الحقيقة، تبنّوا الإسلام هربًا من التقاليد الهندوسية القاسية، القائمة على الطائفية»، حسب قولها.

معارك لا تنتهي: دافعت عن استقلال كشمير وهاجمت سياسات أمريكا

يربط خطاب أرونداتي ونشاطها السياسي بين المعركة السياسية والفكرية ضد عنصرية الحزب الحاكم وطائفيّته ونزعته الشوفينية المتطرّفة ضد المسلمين والأقليات، وبين النضال الاقتصادي والبيئي من خلال هجومها على سياسات مودي الاقتصادية التي ترى أنّها قضت على الطبقات الفقيرة لصالح نخبة اقتصادية رأسمالية ضيّقة، ناهيك عن المداخيل الضخمة التي حصل عليها الحزب بين سنتيْ 2016 و2017 الذي أصبح على إثرها أحد أغنى الأحزاب السياسية في العالم، في الوقت الذي كان الهنود يعانون فيه من سياسة إلغاء العملة التي فرضها مودي بدعوى مكافحة الفساد.

Embed from Getty Images

أرونداتي روي

كذلك شاركت في الاحتجاجات الضخمة التي شهدتها الهند بين أغسطس (آب) 2020 وديسمبر (كانون الأول) 2021 منتقدةً سياسات الحكومة التي تقول إنها ستضع الفلاحين تحت رحمة الشركات الكبرى. جدير بالذكر أن معارك أرونداتي ضد نمط الاقتصاد الرأسمالي المدمّر للبيئة والسكان كان قد بدأ مبكرًا، إذ شاركت منذ سنة 2001 في الحملة ضد إقامة سد «ساردار ساروفار» بسبب ما سيصاحبه من تهجير لمئات الآلاف من الفقراء الذين سيحصلون على تعويضات شبه معدومة، بالإضافة إلى آثاره البيئية السيئة.

«سبعة ملايين شخص  في وادي كاشمير، الأغلبية العظمى منهم لا يريدون أن يكونوا مواطنين هنودًا وقد حاربوا لعقود من أجل الحقّ في تقرير مصيرهم، يعيشون اليوم تحت حصار إلكتروني وتحت احتلال عسكري هو أشدّ كثافة في العالم».

ومنذ سنة 2008 على الأقل، وهي السنة التي شهدت مظاهرات حاشدة في كشمير مطالبة بالانفصال عن الهند ونيل استقلالها، تدافع أروندي روي عن مطلب الكشميريين.

من خلال كتاباتها، سلّطت أرونداتي روي الضوء على العسكرة المتصاعدة التي تشهدها كشمير منذ إلحقاها رسميًا بالهند وإنهاء وضعها السياسي الخاص، وما تبعه ذلك من حملة اعتقالات واسعة شملت الطبقة السياسية الكشميرية، ومحامين، ونشطاء حقوقيين، وصحافيين، ورجال أعمال بلغ عددهم أكثر من 4 آلاف شخص منذ 2019.

Embed from Getty Images

وتطرّقت أروندي روي إلى التفجير الذي شهدته كشمير سنة 2019 قُبيل الانتخابات البرلمانية في الهند، وأشارت إلى أنّ هنالك الكثير من الشكوك المحيطة بهذا التفجير ولمّحت إلى إمكانية تورّط السلطات الهندية في اصطناع هذا التفجير أو السماح به، خصوصًا وأنّ رئيس الوزراء الحالي مودي قد استغلّه أحسن استغلال في حملته الانتخابية من أجل مخاطبة مشاعر الناخبين الهنديين وإشعال عواطفهم القومية لصالح التصويت إلى حزبه ومشروعه الهندوسي القومي المتطرّف.

كي تبطئ الوحش تكسر أطرافه، ولتبطئ أمة تكسر شعبها، تسرق منه مشيئته تظهر سلطتك المطلقة على قدره، توضح جيدًا أن الأمر في النهاية يعود لك وحدك في تقرير من يعيش ومن يموت.

وبمستوى الحماس والاندفاع نفسه التي تُبديه أمام القضايا المحليّة في الهند، تتبنى أرونداتي روي خطابًا شديد النقد للنظام الرأسمالي العالمي والسياسات النيوليبرالية، منتقدة التدخلات الخارجية الأمريكية بكلّ صرامة، فقد كانت من بين أبرز الأصوات الأدبية الرافضة لغزو العراق وأفغانستان والحرب على «الإرهاب».

وتدعو في مختلف لقاءاتها الإعلامية إلى إنهاء الحصار على إيران ووقف التهديدات الأمريكية بضربها بحجّة البرنامج النووي، إذ سبق وأن صرحت: «ليست لديّ الكلمات الكافية لوصف تفاهة هذه المسألة، الولايات المتحدة الأمريكية تتّهم إيران بامتلاك مشروع نووي بينما تمتلك اسرائيل مشروعًا نوويًا منذ سنوات طويلة. إيران وقفت ضد إيران لسنوات لأنّ رئيس وزرائها المنتخب ديمقراطيًا (محمد مصدّق) جرت الإطاحة به من طرف «الاستخبارات الأمريكية (سي آي إيه)» في سنة 1953». كما دعت حركة «احتلّوا وول ستريت» سنة 2011، وحذّرت من تحالف القوى الشعبوية والرابطة السياسية بين الرئيس الأمريكي السابق ترامب ورئيس الوزراء الهندي مودي.

أرونداتي والقضية الفلسطينية: الأديبة الهندية تساند «صواريخ المقاومة»

عندما يتعلّق الأمر بالقضية الفلسطينيّة فإن أرونداتي روي تتحدّث وتكتب بحماسة وإصرار كما تفعل مع أيّة قضية محليّة مرتبطة بالهند، وذلك لسبب بديهي وواقعي، وهو أنّ الهند واسرائيل يتشاركان طرق وأساليب الهيمنة والسيطرة والخبرات الميدانية في التعامل مع كل من فلسطين وكشمير، بمشتريات هندية للسلاح الاسرائيلي تصل إلى 15 مليار دولار سنويًا.

حقوق إنسان

منذ 8 شهور
نظام طبقي ليس له مثيل! وجه الديانة الهندوسية المظلم الذي ربما لا تعرفه

تحتّل القضية الفلسطينية مساحة مهمّة من نضالات أرونداتي روي، وهذا بلا شكّ قد جعلها هدفًا أساسيًا للهجمات الإعلامية الاسرائيلية. ولا تكتفي أرونداتي روي بأخذ الموقف الليبرالي «المعتدل» والمعهود في الأدبيات الغربية الذي يروّج لمفاهيم مائعة عن السلام والتعايش والإنسانية لدواعي اللباقة السياسية وعدم إغضاب أيّ من طرفيْ الصراع، بل إنّها تتّخذ مواقف شديدة الجُرأة تدافع من خلالها عن حقّ الفلسطينيين في المقاومة، كان آخرها البيان الذي شاركت في صياغته أثناء الحرب الاسرائيلية على غزّة في مايو (أيار) 2021 حين اعتبرت أنّ «الصواريخ التي جرى إطلاقها هي جزء من المقاومة المستندة إلى القانون الدولي ضد احتلال غير شرعي».

كما أنّها تدعم الحركة الدولية لمقاطعة اسرائيل «بي دي إس»، وتربط بين أساليب الهيمنة والقمع التي تستخدمها إسرائيل ضد الفلسطينيين وتلك التي يتخذها نظام رئيس الوزراء مودي ضد الكشميريين من خلال سحق الهوية الكشميرية، للتدليل على أنّ الصراع ضد هذه القوى له طابع عالمي أممي، وليس محليًّا فقط.

«هنالك العديد من الرُكب التي تخنق أعناقنا، ومن المؤكّد أن هذه الرُكب والأعناق مترابطة حول العالم».

تجدر الإشارة إلى أن أرونداتي روي، وقعت رفقة 100 شخصية عامة في مايو 2022، على عريضة تطالب بمحاسبة اسرائيل على جريمة استهداف وقتل الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة.

لكن هذه المواقف الجريئة لم تكن بدون ضريبة، إذ توصف أرونداتي روي في الصحافة والإعلامي الهندي بـ«الإرهابية المثقفة» أو «المعادية للوطن»، خصوصًا بسبب تصريحاتها المعارضة للمشروع النووي الهندي وموقفها من استقلال إقليم كشمير، وقد تزايدت هذه الحملات الإعلامية مع الصعود الأخير لحزب ناريندا مودي، وصعود التيار القومي الهندوسي المتطرّف.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد