صنفت مدينة عشق آباد بأنها أغلى مدينة للمعيشة عام 2021 وفقا لتقرير «ميرسر» السنوي لتكلفة المعيشة حول العالم. وعشق آباد هي عاصمة دولة تركمانستان، وهي مدينة إسلامية تقع في قارة آسيا، تصنف بوصفها موقعًا من مواقع السياحة المظلمة في العالم، ففي الوقت الذي يراها البعض مدينة الثروة والمتاحف والتماثيل الذهبية والرخام الأبيض؛ ويراها آخرون مدينة موتى أو أشباح لخلوها من النشاط والسكان، فيما يراها البعض رمز التباهي والغرور وتبديد ثروات الشعوب!

دخلت المدينة موسوعة جينيس للأرقام القياسية عام 2013 بوصفها أكثر مدينة في العالم تحتوي على مادة الرخام الأبيض التى تزين وتكسو المباني والميادين والنصب التذكارية فيها، فما قصة مدينة الرخام الأبيض عشق آباد؟ وما السبب وراء الجدل المستمر حولها؟ هذا ما سنعرفه في السطور القادمة.

عشق آباد: قرية طريق الحرير القديمة التي أعاد السوفيت بناءها

تقع مدينة عشق آباد في منطقة آسيا الوسطى وهي أكبر مدن دولة تركمانستان، ويعود تاريخها للعصور القديمة، كانت تسمى قديمًا قرية كونجيكالا، دمرها زلزال فأعيد بناؤها بسبب موقعها المتميز على طريق الحرير، بعدها ازدهرت كونجيكالا حتى دمرها المغول في القرن 13، ثم تحولت إلى قرية صغيرة حتى وصل إليها الروس في القرن التاسع عشر.

Embed from Getty Images

تأسست مدينة عشق آباد بالاسم المعروف حاليًا على أنقاض قرية كونجيكالا القديمة عام 1881، على يد القوات الروسية التي اتخذتها قاعدة عسكرية للإمبراطورية الروسية وأطلقوا عليها اسم عشق آباد منذ ذلك الوقت، ثم أصبحت عاصمة للبلاد في عام 1924 عندما أصبحت تركمانستان إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق، وبعد الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي عام 1991 ظلت مدينة عشق آباد عاصمة البلاد.

يبلغ عدد سكان مدينة عشق آباد أكثر من مليون نسمة، وتقدر مساحتها بنحو 22 كيلومترًا مربعًا، ويتكون النسيج السكاني فيها من التركمان وأقليات عرقية أخرى من الروس والأرمن والأذريين، ويعمل معظم السكان اليوم في مدينة عشق آباد في مجال صناعة المنسوجات القطنية والمشغولات المعدنية، إلى جانب مجالات التجارة المختلفة مثل العصور القديمة.

تتمتع المدينة بمناظر طبيعية خلابة، ويقصدها الفنانون والرسامون لرسم اللوحات الفنية ولالتقاط الصور النادرة وتصوير الأفلام السينمائية؛ مما منحها شهرة عالمية، ولكنها في الوقت ذاته اكتسبت شهرة عالمية من نوع آخر، كونها واحدة من أغرب مدن العالم وأكثرها حيرة وإثارة للتساؤلات، إلى جانب العدد الكبير من حالات السباق وتحقيق الأرقام القياسية العالمية.

حقبة الغاز الطبيعي والرخام والذهب: عشق آباد بعد الاستقلال

عقب انهيار الاتحاد السوفيتي بدأت حقبة ثانية في عشق آباد وهي حقبة ثروة الغاز الطبيعي وزخرفة الذهب والرخام. ويعرف عن دولة تركمانستان الفساد الحكومي وديكتاتورية السلطة وانتشار الفقر وتراجع الحريات وخدمات التعليم والصحة، وغيرهم من الاحتياجات الإنسانية، ورغم ذلك تتباهى الحكومات هناك بثرواتها من الغاز بشكل مبالغ فيه؛ فهي تحتل المركز الرابع في احتياطي الغاز الطبيعي، هذه المبالغة عرضت الحكومة لانتقادات واسعة داخلية وخارجية.

فمنذ منتصف التسعينيات بدأت عشق آباد في التطور المعماري ومشروعات البنية التحتية وإنشاء الحدائق والمتاحف بشكل كبير، وأنفقت الحكومة مبالغ طائلة لاستيراد كميات هائلة جدًّا من مادة الرخام الأبيض من إيطاليا وبدأت تكسو به الواجهات الخاصة بالمباني الحكومية والأبراج السكنية، وتزين بها الميادين والشوارع، وصممت الحكومة تماثيل ومجسمات ذهبية كبيرة لأبطال ورؤساء تركمانستان داخل ميادين ومنصات الرخام.

Embed from Getty Images

وتتركز المباني الرخامية والمجسمات الذهبية في وسط المدينة، وفي عام 2013 دخلت مدينة عشق آباد موسوعة جينيس العالمية للأرقام القياسية بصفتها أكبر مدينة في العالم تحتوي على رخام أبيض، ووفقًا لموسوعة جينيس تبلغ مساحة عشق آباد 22  كيلومترًا مربعًا فقط، وتحتوي على 543 مبنى، مكسوًّا بمقدار 4.5 ملايين متر مكعب من الرخام الأبيض اللامع، تلك الكمية من الرخام  يمكن أن تغطي معظم مساحة أرض المدينة إذا وُضعت غطاءً للأرض بدلًا من الأسفلت، ويعد هذا الرخام هو الميزة الأكثر لفتا للانتباه في عشق آباد، وتنظر له الحكومة بوصفه فخر المدينة التي تتباهى بثروة الغاز الطبيعي.

كما تنتشر المتاحف في كل مكان في مدينة عشق آباد، ولا يعد الرخام هو السبق والرقم القياسي الوحيد للمدينة عالميًّا، فهي تحتوي على أكبر عجلة مراقبة مغلقة في العالم، وأكبر نافورة مياه في العالم، وأكبر لوحة جدارية في العالم، كما يمتلك المطار الجديد أكبر صورة في العالم لسجادة تركمانية تزين صالة الركاب الرئيسية، وحتى وقت قريب كانت العاصمة عشق آباد تفتخر بأعلى سارية علم في العالم، وأخيرًا هناك أكبر حديقة صنوبر في العالم، وتسمى حديقة السلام.

عشق آباد: مدينة الموتى التي أصبحت أغلى مدينة في العالم 2021

شهدت عشق آباد ولادة ثانية بعد استقلال تركمانستان عن الاتحاد السوفيتي في عام 1991، واليوم توصف عشق آباد الحديثة بمدينة الموتى؛ لأنه يكاد يكون من المستحيل رؤية الناس في الأحياء الجديدة المزينة بالرخام الأبيض اللامع، وفي عام 2021 جاءت مدينة عشق آباد في المركز الأول لقائمة أغلى مدن العالم من حيث المعيشة، وتؤكد التقارير أن السبب وراء ذلك معاناة دولة تركمانستان من ارتفاع التضخم المحلي بالرغم من ثروة الغاز الطبيعي.

ويرى الخبراء الاقتصاديون أن السبب المباشر في حالة التضخم والركود الاقتصادي الحالية، هو سياسات الرؤساء الديكتاتوريين الذين تولوا السلطة في البلاد عقب الاستقلال، فقد بدأ الرئيس صابر مراد نيازوف في إدخال فكرة تفوقه في المجتمع عام 1992، فأمر بإعادة بناء عشق آباد على طريقته الخاصة، وأنتج ما يشبَّه بالديانة الخاصة أو العبادة الشخصية طريقة للحياة سميت «تركمانباشي»، وتغيرت في عهده أسماء الشوارع والميادين، وحتى أسماء شهور السنة لتتماشى مع اسمه وأسماء أفراد عائلته، فعلى سبيل الذكر تغيير اسم شهر يناير (كانون الثاني) إلى تركمانباشي، وأبريل (نيسان) إلى جوربان سولتان اسم والدته.

Embed from Getty Images

وبحجة إعادة بناء عشق آباد لتكون مصدرًا للفخر، دمرت عشرات المعالم التاريخية وهدمت مئات المنازل وحل محلها الأبراج الشاهقة المغطاة بالرخام الأبيض، وجرى قطع جميع الأشجار المعمرة تقريبًا واستبدل بها أشجار صنوبرية غير مناسبة للمناخ الجاف، وأُنشئت طرق سريعة جديدة، وجرى تدمير نظام الري المتبع للقنوات؛ مما ساهم في التغير المناخي المحلي الخاص للمدينة، وبدلًا من أماكن الترفيه وحدائق تناول الشاي القديمة، شيدت مواقف للسيارات، وميادين وتماثيل ذهبية للقائد نيازوف.

توفي الرئيس صابر مراد نيازوف عام 2006، وبدأ صعود الرئيس قربانقولي بيردي محمدوف إلى السلطة، فحاول طمس أعمال سلفه من خلال نهج البناء نفسه والتطوير غير المحسوب. وعليه بدأت حقبة تدمير جديدة للمدينة على يد الرئيس محمدوف، فأمر بهدم مباني سلفه ومنازل أخرى للسكان بحجة التطوير، وأقام منطقة جديدة ترمز لعصره، فقام ببناء قصر خاص به وزاد من عدد الأبراج الرخامية الشاهقة في المدينة.

وحاليًا تعاني العديد من المناطق المجاورة لوسط المدينة في أشهر الصيف الحارة نتيجة عملية التطوير العشوائي، كما تقبع بعض الأحياء لأيام بدون ماء وكهرباء، على عكس وسط المدينة الذي تتدفق فيه النوافير على مدار الساعة، وتشتعل فيه الأضواء بشكل ساطع.

ومن الإنجازات التي يرى الرئيس محمدوف أنه حققها، بناء تمثال ذهبي كبير لنفسه مثل سلفه، وإنشاء مطار كبير بتكلفة تجاوزت ملياري دولار لخدمة 1600 مسافر في الساعة، وهو الأمر الذي لم يحدث أبدًا؛ إذ يعمل المطار حاليًا بطاقة 10% فقط، وإلى جانب المطار بنت الحكومة أيضًا محطة حافلات دولية لم تخدم أي مسافر أو راكب خلال السنوات الخمس الأولى من وجودها! وفي ظل ظروف ارتفاع معدلات البطالة والفساد التام وصلت معدلات البطالة في تركمانستان إلى 60%، وفي الوقت نفسه شيدت الحكومة أيضًا قرية أولمبية دولية بقيمة 5 مليارات دولار من أجل دورة الألعاب الآسيوية التي استمرت 10 أيام فقط.

دولي

منذ سنة واحدة
تركمانستان.. «كوريا الشمالية» الأخرى التي لا يسمع عنها أحد

وتفوق الرئيس محمدوف على سلفه في كل شيء، ففي عهده دمرت شوارع وأحياء وقرى بأكملها، ووفقًا لمنظمة العفو الدولية التي أحصت عدد المباني المهدمة بأمر الرئيس، قدرت الأعداد بنحو 10 آلاف مبنى، يقطنها نحو 50 ألف شخص، وكان سبب الهدم أن الرئيس قلق من أن يرى الأجانب الحياة اليومية غير الجذابة للمواطنين التركمان العاديين من نوافذ الطائرات القادمة! فيما يحظر على السكان تركيب مكيفات الهواء أو وضع ملابسهم للتجفيف على الشرفات، لأنها أمور غير حضارية.

ويتعرض الرئيس محمدوف لانتقادات واسعة على كافة المستويات ولا سيما مستوى حقوق الحيوان، فبسبب كراهية الرئيس للحيوانات الأليفة، أمر سلطات المدينة بقتل الكلاب الضالة وحتى الحيوانات الأليفة المنزلية بطرق بشعة، كما يتعرض المدافعون عن حقوق الحيوان للتهديد بالعنف والحرمان من الوصول إلى الإنترنت، ولديهم قضايا جنائية ملفقة ضدهم. وفي النهاية تبقى عشق آباد المدينة الإسلامية التي دخلت قائمة جينيس بسبب الرخام والتباهي الزائف، فيما يراها كثيرون مدينة أشباح يحاول أهلها  الاستمرار في الحياة رغم الديكتاتورية والظروف الاقتصادية الصعبة. 

المصادر

تحميل المزيد