أطلقت شركة «Waymo» – إحدى شركات «جوجل» التي تعمل على صنع سيارات ذاتية القيادة – قبل عدة أسابيع، خدمة سيارات الأجرة الآلية «Robotaxi» في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، ما يثير تساؤلًا حول إيجابيات وسلبيات تقنية القيادة الذاتية، وهل هي بالفعل عملية وآمنة للاستخدام؟ 

بالبحث على محرك البحث الأشهر في العالم؛ «جوجل»، لم نصل إلا لمجموعة من الأسئلة والتخوفات الإضافية التي لم نجد لها أجوبة شافية، وذلك لقلة التقارير والمقالات العربية التي تتحدث عن أسرار تلك الصناعة وتفاصيلها التي ربما أصبحت واقعًا حقيقيًّا على الأرض. من أجل ذلك؛ بحث «ساسة بوست» عن أحد المتخصصين في هذه الصناعة. وعليه؛ تواصلنا مع المهندس أحمد إبراهيم المتخصص في صناعة خوارزميات السيارات ذاتية القيادة، والمقيم في ألمانيا حاليًا، وضح إبراهيم من خلاله كيفية عمل هذه السيارات وكيفية أخذ القرار داخل هذه الأنظمة، وأمدنا بمعلومات كافية لتكوين معرفة بهذه الصناعة الآخذة في التطور والنمو بشكل كبير.  

السيارات ذاتية القيادة: حوادث سير ومشكلات تقنية

في شهر مارس (آذار) 2018 كانت سيارة فولفو التابعة لخدمة أوبر تسير بسرعة 60 كيلو في ولاية أريزونا الأمريكية، لتقل أحد الزبائن ليلًا إلى وجهته، عندما اصطدمت السيارة بإيلين هيرزبرج البالغة من العمر 49 عامًا، والتي توفيت على إثر ذلك، لتنقلب وسائل التواصل الاجتماعي رأسًا على عقب بسبب هذه الحادثة. 

في إطار التحقيقات التي أجرتها الشرطة للكشف عن سبب هذا الحادث المميت، تبين أن سيارة أوبر ذاتية القيادة «لم تكن قادرة على التعرف إلى مرور المشاة»، إذ كشفت التحقيقات عن أن نظام أوبر للتحكم الآلي في السيارات لا يمتلك «القدرة على تصنيف شيء ما على أنه مشاة، ما لم يكن هذا الكائن بالقرب من ممر المشاة». 

ويطرح هذا الحادث تساؤلًا حول قدرة السيارات ذاتية القيادة على تحديد ورؤية الأشخاص والأجسام التي أمامه بشكل سليم، كما يثير تساؤلًا حول قدرة هذه السيارات في العمل ليلًا وفي الحالات الخاصة، مثلًا في أوقات هطول الأمطار والثلوج؟ 

كما فتح هذا الحادث الباب أمام تساؤل كبير وهو كيفية اتخاذ القرارات في نظام القيادة الذاتية، خاصة إن كان كلا الخيارين فيهما ضرر. فمثلًا إن تعرض نظام السيارة للاختيار بين: الاصطدام بشخص ما، أو تفادي الشخص للانحراف عن الطريق معرضًا بذلك حياة ركاب السيارة للخطر، مع احتمالية اصطدام السيارة بشيء صلب مثل شجرة أو حائط، مما سيزيد الضرر الواقع على السيارة، فأي من الخيارين سيتخذ نظام السيارة الذاتي؟ 

وفي حالة الاصطدام وحصول حادث ما من قبل السيارات ذاتية القيادة، هل ستكون الشركة المصنعة – أوبر في هذه الحالة – هي المتسببة ومن ثم يقع عليها تبعات هذا الأمر، أم ستكون على عاتق مالك أو راكب السيارة؟ كل هذه الأسئلة طرحناها على المهندس أحمد إبراهيم، والتي يجاوب عنها «ساسة بوست» في هذا التقرير.

المستويات الستة للقيادة الذاتية

يعتقد غير المختصين أن كل السيارات ذاتية القيادة، هي السيارات التي تعمل دون التدخل من راكبي السيارات، حيث يتحكم نظام القيادة الذاتية كليًّا في تحريك السيارة وتوصيلها إلى الوجهة المرجوة، وبسؤاله عن ذلك، أخبرنا المهندس أحمد إبراهيم أن  هناك ستة مستويات مختلفة من أنظمة القيادة الذاتية – والتي تعرف اختصارًا بـ(ADAS) «Advanced driver assistance systems»، والتي تجعل هناك أنواعًا مختلفة كليًّا من السيارات ذاتية القيادة. 

وتتشكل المستويات – التي تبدأ بالمستوى صفر إلى المستوى خمسة – على شكل هرمي، يزداد فيه مستوى الذاتية في القيادة كلما صعدنا إلى المستوى الأعلى، إذ يبدأ المستوى صفر بدون أي قيادة ذاتية، ومن ثم تزداد مستوى الذاتية في كل مستوى حتى نصل إلى المستوى خمسة، والذي تكون فيه مستوى القيادة الذاتية شاملة كل وظائف السيارة. 

ولأن كل مستوى يترتب عليه تدخل بقدر معين من السائق، سعيت للبحث عن كل مستوى وقدر الذاتية فيه، وما يترتب على ذلك، ولأن في ذلك إجابة عن أسئلة مهمة من التي ذكرناها في بداية التقرير، قمت بالبحث عن هذه المستويات.

Embed from Getty Images

لقطة مقرَّبة للشاشة الرقمية التي تُظهر تولي الذكاء الاصطناعي قيادة السيارة أثناء اختبارات قدرات السيارات المستقلة التي أجرتها شركة «كونتيننتال إيه جي» على الطريق السريع A2 في 25 أبريل (نيسان) 2018 بالقرب من هانوفر، ألمانيا.

يبدأ «المستوى الصفري» بانعدام الذاتية كليًّا وابقاء مهمة القيادة بالكامل على عاتق السائق، ولا يعد من المستويات الذاتية، بل تعد السيارات العادية مُصنفة تحت هذا المستوى. 

يسمى المستوى الأول «مساعدة السائق»، والتي توفر فيه السيارات التي تندرج تحت هذا المستوى بعض المميزات للسائق، مثل عمليات كبح سرعة السيارة أو زيادتها، في حين تبقى مهمة القيادة بالكامل على السائق دون تدخل «ADAS» في أي من مهام القيادة.  

ويأتي المستوى الثاني باسم «الأتمتة الجزئية» والذي يجعل «ADAS» يتولى جانبًا من القيادة عبر توجيه السيارة في المنعطفات وأثناء السير لتفادي الأجسام، كما يتحكم «ADAS» في عملية تسارع السيارة أو بطئها طبقًا للحالة التي توجد فيها السيارة، إلا أن على السائق في هذا المستوى الانتباه الكامل للطريق للقيام بباقي مهام القيادة والتحكم في «ADAS» في حالات الطوارئ أو الخطر. 

وفي المستوى الثالث الذي يطلق عليه «الأتمتة المشروطة» يتولى «ADAS» مهمة القيادة مع ضرورة أن يكون السائق جاهزًا في حال طلب «ADAS» من السائق أن يتولى قيادة السيارة في بعض الحالات التي لا يستطيع «ADAS» تولي القيادة فيها. أما عن المستوى الرابع أو «الأتمتة العالية» تكون فيها السيارة قادرة على أداء جميع وظائف القيادة في ظل كل الظروف، خاصة حالات الطوارئ، مع وجود خيار لدى السائق التحكم في السيارة.  

وفي المستوى الخامس والأخير تكون السيارة قادرة على أداء جميع وظائف القيادة في جميع الظروف، ويسمى ذلك المستوى «الأتمتة الكاملة» وهو ما يعني أن السائق ليس لديه خيار التحكم في السيارة. وفي هذا المستوى  يصبح مرتادو السيارة مجرد ركاب لا يحتاجون أبدًا إلى المشاركة في القيادة، ويتولى «ADAS» الأمر منذ انطلاق السيارة ولحين الوصول للمكان المطلوب. 

Embed from Getty Images

سائق في هانوفر، ألمانيا في سيارة من المستوى 2 

ويذكر أحمد إبراهيم لـ«ساسة بوست» أن أغلب السيارات ذاتية القيادة المستخدمة في وقتنا الحالي هي من المستوى الثاني، والتي يعمل فيها «ADAS» على توجيه السيارة وزيادة السرعة أو تقليلها أو كبحها، إلا أنه يظل على السائق المهمة الأكبر في القيادة والتي لا يقوم به «ADAS»، كما ذكرنا فيما قبل. 

هل تستطيع السيارات ذاتية القيادة السير أثناء هطول الأمطار؟

يعتمد هذا على مستوى «ADAS» في السيارة، فلو تحدثنا عن المستوى الأخير «الأتمتة الكاملة» فستكون الإجابة نعم ولكن بشكل نظري، لأن هذا المستوى لم يجر العمل به بعد على أرض الواقع ليُختبر بشكل فعلي. 

وبما أنه لا يتوفر في الأسواق إلى وقتنا هذا إلا المستوى الثاني أو «الأتمتة الجزئية»، فإن الإجابة هي «لا»، لأن المستوى لا يدعم عملية الأتمتة الكاملة أو حتى العالية، وبالتالي لن تكون السيارات ذاتية القيادة الحالية مجهزة للسير في حالات وظروف خاصة أو مناخ غير عادي (كهطول الأمطار أو الثلوج).

تكنولوجيا

منذ 6 شهور
مترجم: هل ستهدد السيارات الكهربائية أنظمة الطاقة الكهربائية على كوكب الأرض؟

ويوضح إبراهيم السبب في ذلك، أن أنظمة «ADAS» تعتمد على مستشعرات تعمل وتقوم بالقيادة كما يقوم البشر بها بالظبط، فهي ترى وتسمع ما حولها وتحلله، ثم تقرر وتتخذ الإجراءات وفقًا للبيئة المحيطة بالسيارة، وبالتالي إن كانت الرؤية غير واضحة بسبب وجود ضباب أو هطول الأمطار وما إلى غير ذلك، فإن ذلك يعوق «عين» ADAS – أي مستشعرات الرؤية الخاصة بالنظام – من الرؤية وتحليل المحيط، ومن ثم اتخاذ القرار الصحيح. 

أما إن كان السؤال: هل ستستطيع سيارات المستوى 5 من السير في مثل هذه البيئات؟ فنظريًّا يفترض أن تكون الإجابة نعم كما ذكرنا، إلا أن هذا غير مؤكد إلا عند اختبار تلك السيارات عمليًّا في الاختبارات المعدة لقياس فاعلية تلك السيارات، ومن ثم تجربة تلك السيارات على أرض الواقع بعد نزولها السوق، وهو ما لم يحصل حتى الآن.

المشكلة في الذكاء الاصطناعي 

يجب أن نعلم أن «ADAS» ما هو إلا نظام ذكاء اصطناعي، وكما نعلم فإن الذكاء الاصطناعي هو برنامج يحاكي القدرات البشرية من حيث أنماط التفكير واتخاذ القرارات، والتي تنمو خبرتها مع الوقت طبقًا لما تتعلمه عن طريق تدريبها على دورها المصممة من أجله. لذا؛ يستخدم خبراء الذكاء الاصطناعي «تعلم الآلة – Machine Learning»، وهو العلم المهتم بتطوير خوارزميات وتقنيات تسمح للذكاء الاصطناعي بامتلاك مهارة التعلم، لتصبح كما البشر. 

وبداخل علم «تعلم الآلة» ظهر «التعلم العميق – Deep Learning» وهو ما يجعل الآلة تتعلم بنفسها عن طريق التجربة والخطأ، ومن ثم اكتساب الخبرة والتعود على فعل أمر معين – مثل تفادي السيارة لجسم ما يقوم بالمرور أمام السيارة مثل حالة إيلين هيرزبرج – والذي يجعل الآلة تفهم بشكل صحيح ومن ثم تتخذ القرارات الصائبة. 

ولكي تحدث عملية التعلم بشكل صحيح، يحتاج التعلم العميق إلى البيانات الضخمة لتدخل على ما يُعرف بـ«الشبكة العصبية العميقة»، ومن ثم التدرب على استخراج المعلومات من مجموعة البيانات الضخمة، لتُترجم في النهاية إلى قرارات يتخذها الذكاء الاصطناعي. 

Embed from Getty Images

نظام التعرف إلى المركبات المعتمد على «التعلم العميق» خلال مؤتمر NVIDIA GPU Technology

وبالعودة إلى «ADAS» المبني على التعلم العميق، فإن السيارات ذاتية القيادة تحتاج للتدرب على «مليارات الساعات من لقطات القيادة الحقيقية» لكي يتعلم «ADAS» طريقة القيادة الجيدة والصحيحة، وهو ما يمثل جزءًا كبيرًا من مشكلة السيارات ذاتية القيادة، والتي يعرقلها عن الانخراط في السوق قبل تعرض النظام وتعرفه على كل تلك البيانات الضخمة. 

فالأنظمة المعتمدة على التعلم العميق تصبح سيئة جدًا عندما يكون لديها القليل من البيانات، ومع الأخذ في الاعتبار أن عملية جمع البيانات للسيارات ذاتية القيادة عملية مكلفة جدًّا، ونظرًا إلى ندرة تلك البيانات «مثل حوادث السير والطريق المحاكية للحوادث الحقيقية»؛ فإن السيارات ستظل غير مدربة جيدًا على مثل هذه المواقف النادرة، إلا في حال أن قامت هذه السيارات بعمل حوادث متكررة لكي تتدرب على تفاديها فيما بعد، وهو الأمر المستحيل أيضًا، إلا في حالة أن تكون هذه الحوادث مصطنعة وغير حقيقية!   

في هذا السياق وفي مسار مختلف وجديد من نوعه، بدأت الشركات في انتهاج طريقة بديلة لتعلم الآلة؛ وذلك عن طريق تصميم مواقف وبيئات تحاكي الواقع، تتجول فيها السيارات ويتدرب فيها نظام القيادة الذاتي على الحوادث المحتملة في أثناء السير في الطريق، وذلك لتخطي العقبة المتمثلة في عدم وجود بيانات كافية للتدرب عليها من قبل التعلم العميق، وهو ما ساعد الشركات للالتفاف حول المشكلة وتخطيها. 

وتُعد شركة «Waymo» التابعة لجوجل مثالًا على استخدام مثل هذه التقنية – أي البيئات المحاكية – والتي استطاعت بالفعل توفير سياراتها على أرض الواقع في شوارع أريزونا الأمريكية بدون حوادث تذكر حتى الآن، ويتطلعون للتوسع في أماكن أخرى، وهو ما يَعِد بثورة هائلة في هذه الصناعة، ويسمح لمستويات أعلى من المستوى الثاني من التدرب والنزول إلى الأسواق.      

غالبًا ستصدم الطفل! 

وبالعودة إلى السؤال: إن وُضع «ADAS» بين خيارين كلاهما مر، فأي من الأمرين سيختار؟ لكي نجيب عن السؤال، دعونا نضرب هذا المثال، فهنا مثلًا سيارة ذاتية القيادة تسير بسرعة عالية، وفجأة؛ يظهر طفل في وسط الطريق ليلتقط كرته التي تدحرجت إلى منتصف الطريق، فهل ستنحرف السيارة عن الطريق معرضة حياة الركاب للخطر؟ أم ستدهس الطفل؟ 

ينقل إلينا أحمد إبراهيم إجابة هذا السؤال بقوله: «لا أحد يعلم على وجه التحديد ما القرار الذي سيتخذه «ADAS» في كل سيارة على حدة، إذ تختلف في كل سيارة ذاتية الخوارزميات التي تعالج البيانات – الشبكة العصبية الاصطناعية – التي تجمع البيانات من خلال المستشعرات، ثم تحللها لتتخذ بناءً عليها قراراتها، والتي تختلف باختلاف الشركة المنتجة لنسخة «ADAS» الخاصة بها». 

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«واشنطن بوست»: ما علاقة انقلاب غينيا بأسعار السيارات في العالم؟!

بهذا الشكل، فإن ذلك يعني أن تلك السيارات هي من ستحدد حياة وموت الأشخاص وفقًا على المعطيات التي لديها، والقرار الذي ستتخذه طبقًا لهذه المعطيات! إلا أن دراسة صادرة عن مجلة «ساينس» تسلط الضوء على هذه الإشكالية، والتي نقلت عن مجموعة باحثين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا قولهم: «الخوارزميات التي تتحكم في السيارات ذاتية القيادة يجب أن تتضمن مبادئ أخلاقية توجه قراراتها في المواقف التي لا مفرَّ فيها من وقوع ضرر». 

وبهذا الصدد، تعمل الدول على إصدار تشريعات تحتم وجود مواصفات معينة في السيارات ذاتية القيادة قبل نزولها إلى الشارع، وتجبر الشركات التي تعمل على تطوير أنظمة القيادة الذاتية باتخاذ قرارات محددة في حالات معينة، مثل سيناريو الطفل والكرة، كما تحتم بعض الجهات وجود سائق جاهز لقيادة السيارة في حالات الطوارئ. 

ففي ولاية كاليفورنيا، لا تسمح إدارة المركبات الآلية بسير السيارة دون وجود سائق يقوم بالتحكم في السيارة إذا لزم الأمر، إذ تقول إرشادات الإدارة إنه: «يجب أن يجلس السائق في مقعد السائق، وأن يراقب عملية السلامة للسيارات ذاتية القيادة، وأن يكون قادرًا على تولي التحكم اليدوي المباشر للمركبة في حال فشل تقنية القيادة الذاتية أو في حالة الطوارئ».  

في هذا السياق؛ أكد العديد من المشاركين في دراسة مجلة «ساينس» أن سلامتهم أولى من سلامة المشاة، وأنهم لن يقوموا بشراء سيارات قد تضحي بحياتهم من أجل الحفاظ على حياة المشاة!

واستنتج الباحثون بذلك أنه إذا مال المشرعون لمصلحة المشاة على حساب الركاب، فإن هذا يعني عزوف المشترين – الركاب – عن شراء السيارات، وهو ما يعني صفعة كبرى لصناعة السيارات ذاتية القيادة، والتي ستبطئ من وتيرة تطورها ونموها الحالي.  

وبالعودة إلى إبراهيم، فيرى أن أصحاب المليارات الذي ضخوا أموالهم في تلك الصناعة الكبرى حول العالم، لن يسمحوا بحال أن تذهب أموالهم أدراج الرياح، وهو ما يعني عمل لوبي من أجل الضغط على مراكز صنع القرار لتقف التشريعات في صف الركاب، أو بالأحرى في صف أصحاب الشركات الكبرى التي تصنع هذه السيارات، وهو ما يعني أن نتجه نحو «التضحية بالطفل».

كما أن هذا قد يعني عدم تحمل تلك الشركات أو الركاب مسؤولية ارتكاب الحوادث حين حصولها، لأن المرتكب سيكون حينها هو نظام القيادة الذاتية، ولن يستطيع أحد من المشرعين وقف وكبح جماح المستثمرين والوقوف عقبة في وجه العوائد المالية القادمة من بيع تلك السيارات، لتصبح الضحية بلا جانٍ، أو بالأحرى سيكون الجاني حينها هو الذكاء الاصطناعي الذي سيتحكم في أخذ القرارات بدلًا قائدي المركبات.

Embed from Getty Images

وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري يخرج من سيارة ذاتية القيادة من جوجل، بالو ألتو، كاليفورنيا، 23 يونيو (حزيران) 2016.

على جانب آخر، فإمكانية قرصنة تلك السيارات في المستقبل، والتحكم فيها – من قبل مجهول – لارتكاب أعمال إجرامية لا يمكن الكشف عن مرتكبها، يمثل أحد التهديدات الكبرى التي تهدد صناعة السيارات ذاتية القيادة. 

كما ستسهل عمليات القرصنة تلك «القتل عن بعد» عن طريق التحكم في السيارة بعد اختراقها وتعريض حياة الركاب للخطر دون الكشف أيضًا عن مرتكب الجريمة، بجانب مشكلات أخرى مثل «الازدحام المروري المُختلَق» من قبل مخترقين يستطيعون شل حركة أي مدينة في دقائق. 

والإحصائيات تقول عكس ذلك

في خبر عن السيارات ذاتية القيادة من إنتاج شركة «فورد»، صرح الباحثون بالشركة أنهم بصدد اختبار نظام آلي يمكِّن السيارات ذاتية القيادة من التواصل مع المشاة وراكبي الدراجات والسائقين الآخرين عبر نظام إشارات ضوئية يُبلِغ عن إن كانت السيارة تُبطئ أم تُسرع، والتي يمكن أن تصبح معيارًا عالميًّا يمكن تعميمه في جميع الدول حول العالم، كما صرح باحثو الشركة. 

يعتمد النظام الضوئي من فورد على شريط مثبت على الزجاج الأمامي للسيارة، والذي يقوم بعمل إشارات ذات دلالات محددة. فمثلًا؛ يعني الضوء الأبيض أن السيارة تتحرك، فيما يعني الفلاش – نور يُضيء ويطفئ – أن السيارة تزيد من سرعتها، فيما يعني ظهور خطين من الضوء يتحركان معًا أن السيارة تُهدئ من سرعتها، وهو ما يعمل على تقليل الحوادث إلى حد كبير بحسب رؤية الشركة. 

Embed from Getty Images

أما بالمقارنة بين إجمالي معدل الوفيات في حوادث الطرق من قبل السائقين أصحاب السيارات العادية مقابل السيارات ذاتية القيادة، فقد أظهرت إحصائية صادرة عام 2017 أن 94% من حوادث السيارات كانت بسبب خطأ بشري، في حين تتوقع الإحصائية قلة هذه النسبة إلى 4% عند استخدام السيارات ذاتية القيادة، أي ستقضي على 90%  من أسباب الوفاة من حوادث الطرق! 

كما أن الاعتماد على السيارات ذاتية القيادة عدة فوائد أخرى مهمة، مثل ترشيد استهلاك الوقود في تلك السيارات، وعدم وجود الكثير من الازدحام المروري، وذلك لسرعة ودقة تلك السيارات والتزامها التام بإشارات المرور، كما ستتيح للأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن الانتقال السهل والسلس دون الحاجة لقيادة السيارات. 

ويمكن القول بأن عالم السيارات ذاتية القيادة يعبر بلا شك على ثورتنا الاصطناعية الحديثة الكبرى التي تغزو جميع المجالات في عالمنا. وتحمل هذه الصناعة – كما باقي الصناعات – في طياتها الجيد والقبيح، فلا شك أن هذه الصناعة تعدنا بالكثير من المميزات، في حين أنها تحمل في ذيلها تهديدات كبرى يجب أن نعيها ونُعِد لها للتعامل معها مستقبلًا.

المصادر

تحميل المزيد