يميل الأطفال إلى الحصول على كل شيء في فترة طفولتهم، وقد ينزعجون إلى حد البكاء في حال لم يلبِّ الآخرون أحد مطالبهم. فقد ترى أحدهم يتجول مع والدته في أحد المولات لتشتري له ملابس جديدة، لكنه ينفعل وربما يبكي لرفضها شراء لعبة جديدة في سبيل شراء ملابس لأخيه الصغير.

خلال مرحلة الطفولة، من الطبيعي أن يتمركز الطفل حول ذاته، فكل ما يفكر فيه تلبية احتياجاته دون فهم احتياجات الآخرين ورغباتهم. ومع بدايات فترة المراهقة، يجب أن ينخفض التمركز حول الذات تدريجيًّا ويبدأ الاندماج مع الآخرين ليتزامن الاهتمام بالذات والعناية بها مع الاهتمام بالآخرين وفهم احتياجاتهم.

وكي يكبر الأطفال وهم قادرون على العمل جيدًا مع الأسرة والمجتمع، يجب أن يكتسبوا تدريجيًّا القدرة على رؤية وجهات نظر الآخرين والتعاطف مع معاناتهم، ويُظهروا تدريجيًّا علامات صادقة على الاهتمام بالآخرين، وإلا فإن هذا يعد علامة تحذيرية للإصابة باضطراب الشخصية النرجسية بحسب ما جاء في موقع «psychology today»، المختص بالصحة النفسية.

لكن، ماذا نعني بالشخصية النرجسية؟ وكيف يمكن أن تكون الأسرة سببًا في إصابة طفلها بهذا الاضطراب؟ وكيف يمكن للوالدين تجنب تنشئة طفل نرجسي؟ لمعرفة الإجابات يمكنك قراءة السطور القليلة التالية.

في البداية.. ما هو اضطراب الشخصية النرجسية؟

وفقًا لموقع «مايو كلينك»، يُعرف اضطراب الشخصية النرجسية بأنه أحد أنواع اضطرابات الشخصية، ويشعر فيه المريض بأهميته بشكل مبالغ فيه، مع وجود حاجة ملحة لأن يكون محط إعجاب واهتمام بشكل مفرط وباستمرار، ويتسم المريض بانعدام التعاطف مع الآخرين، وفي الوقت ذاته تكون ثقته في ذاته هشة عكس ما يُظهر تمامًا.

موظف نرجسي

مصدر الصورة: موقع prevention

يبالغ المصاب باضطراب الشخصية النرجسية في استعراض إنجازاته، كما يتوقع الاعتراف بتفوقه دون تحقيق إنجاز يستحق، كما يقلل من شأن الآخرين ويحتكر الحديث دون منحهم أي فرصة.

من أجل الوصول لما يريد، يستغل النرجسي الآخرين لتحقيق مكاسب شخصية، كما يُعرف بأسلوبه المتعجرف معهم، ويسعى للحصول على أفضل الأشياء كي يظل مميزًا عن الآخرين. والشخص النرجسي يراه الآخرون متكبرًا ومغرورًا وأنانيًّا.

ورغم أن سبب الإصابة باضطراب الشخصية النرجسية غير معروف، فإنه يرتبط ببيئة النشأة، والعوامل الوراثية، والصلة بين المخ والسلوك فيما يعرف بالبيولوجيا العصبية.

احترس.. علامات تشير إلى إصابة طفلك بالنرجسية

لا يحبذ الأطباء تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية قبل سن 18 عامًا، ومع ذلك، توجد العديد من العلامات التحذيرية لدي الأطفال والمراهقين تشير إلى خطر الإصابة بالنرجسية. تشمل هذه العلامات سلوكيات التنمر المستمرة، والسعي للوصول إلى الأهداف بغض النظر عن إلحاق الأذى بالآخرين.

Embed from Getty Images

وتشمل العلامات كذلك عدم الالتفات إلى ما يحتاجه الآخرون والانشغال بتلبية احتياجاته الخاصة، وإلقاء اللوم على الآخرين بشأن أخطائه، والكذب المستمر لضمان نجاته من أي مشكلة، والتملص من الأدوار التعاونية رغبة منه في خوض التنافس.

3 أسباب قد تدفع الطفل إلى أن يصبح نرجسيًّا

تعد الإصابة باضطراب الشخصية النرجسية نتاجًا للنشأة غير الصحية، والتكيف مع بيئات وأسر تدفع أطفالها لأن يصبحوا نرجسيين، وهذه بعض سمات تلك الأسر كما جاء في مقال متخصص كتبه أحد الأطباء النفسيين في موقع «psychology today»:

1- انتهاج الأسرة للحب المشروط.. الإنجازات قبل أي شيء!

عندما ينشأ الطفل في أسرة يكون الحب فيها مشروطًا بالتفوق وتحقيق الإنجازات، تصبح حياته مجموعة من السباقات التي يخوضها ليحقق فيها التميز لا النجاح؛ ليكون محط انتباه أسرته وينال ثناء أفرادها.

في هذه العائلات، يهتم الآباء بالإنجازات التي يحققها أطفالهم، ويصبون اهتمامهم لجعل أطفالهم يبدون بصورة جيدة ليكونوا قادرين على التباهي أمام الآخرين. لا يشعر الأطفال بالحب والاهتمام إلا عند تحقيق الإنجازات، وما عدا ذلك، لا يشعرون بالأمان أو الاحتواء.

هذا الحب المشروط يربك عقل الطفل، ويدفعه إلى مطاردة النجاح طوال حياته ليثير إعجاب الآخرين ويصل إلى السعادة التي ارتبطت داخله بالنجاح ونيل الحب.

2- التقليل من شأن كل ما يفعله الطفل

عندما ينشأ الطفل في أسرة توجه إليه الإهانات دائمًا، وتقلل من قيمته وتزرع فيه أنه أقل من أقرانه، سينمو بداخله الشعور بالغضب والإذلال وانعدام الكفاءة. وفي حال وجود أكثر من ابن لهذه الأسرة، لن تكون الأمور أفضل حالًا، بل قد تكون أكثر سوءًا، فيشعر الأبناء بالارتباك، فالسيئ اليوم ربما يكون الأفضل غدًا من وجهة نظر الأسرة، كما تزداد المقارنات بين الأبناء.

تقليل الأب من كل ما يفعله الطفل

تقليل الأب من كل ما يفعله الطفل. مصدر الصورة: موقع startsat60

قد ينتهج الطفل الذي ينشأ في مثل هذه الأسر إما بالانهزام والرضوخ، وإما التمرد وعدم القبول. في الحالة الأولى، قد يتحول الأمر إلى الإصابة بالاكتئاب والهروب إلى الإدمان أو الإنترنت.

أما في الحالة الثانية، يرفض الطفل رسالة أسرته أنه خاسر وفاشل، ويستمر طوال حياته في محاولة إثبات التميز لنفسه والآخرين، ويحاول تحقيق الإنجازات بكل الوسائل الممكنة، مع وجود صوت داخلي ينتقد كافة الأخطاء التي قد يقع فيها.

في حالة ثالثة، قد يتحول الطفل إلى طفل غاضب من والديه، وقد يصب غضبه على أي شخص يذكره بوالديه وما كانا يفعلانه معه، وفي بعض الأحيان يتحول إلى نرجسي لا يكفيه تحقيق ما يريد، بل يدمر كل من يقف أمامه.

3- المبالغة في الثناء على الطفل والتفاخر به!

في بعض الأحيان، يبالغ الأبوان في التفاخر بطفلهما وإظهاره على أنه موهوب ومثالي إلى أبعد الحدود، وللأسف قد تؤدي هذه المبالغة إلى تنشئة طفل نرجسي.

انتهاج إظهار الأبوين لمثل هذا السلوك قد يجعل الطفل يشعر بالخجل من ذاته إذا أخطأ أو اكتشف أي عيب في نفسه، مما يدفعه إلى مواصلة السعي لتحقيق الكمال بدلًا من محاولة اكتشاف الذات والموهبة الحقيقية التي يتمتع بها.

هنا، لا يتمكن الطفل من إدراك ذاته بشكل متوازن، ويدرك أن أي عيوب به غير مقبولة، فيسعى إلى أن يُنظر إليه على أنه مثالي؛ ليبدأ بذلك خطواته الأولى على طريق النرجسية.

6 نصائح تساعدك في تربية طفل غير نرجسي

هناك العديد من الإستراتيجيات التي يمكن أن تنتهجها الأسرة لتجنب تنشئة طفل نرجسي، وهذه بعضها:

1- تدريب الطفل على تقدير كل ما يتلقاه مهما كان بسيطًا

دائمًا ما يجلب الآباء لأبنائهم العديد من الأشياء، سواء ألعاب أو ملابس جديدة وما إلى ذلك، ولا ينتظرون أي امتنان مقابل تلك الأشياء. ولكن، من الأفضل أن يتعلم الطفل تقدير الأشياء التي يمنحه إياها الآخرون، ويبدي سعادته بالحصول عليها.

ووفقًا لموقع «the successful parent»، فإن الطفل الذي يعرف ويقدر أن والديه يعملان بجد لمنحه ما يحتاجه يكون أكثر سعادة، ويعتاد على إظهار التقدير للأشياء التي يتلقاها؛ لذا من الأفضل تدريب الطفل على التقدير والامتنان لما يحصل عليه.

2- الاعتراف بالأخطاء وتحمل العواقب

الجميع يخطئ، والخطأ والفشل جزء من الحياة، هذا ما يجب أن يعرفه الأطفال، ومن ثمَّ يتعلمون كيف يستفيدون من هذه الأخطاء.

يجب على الأبوين أن يعلما الطفل أن يتقبل خطأه، ويتعلم منه ويعمل على تفاديه في المرات القادمة، وألا يلقي باللوم الكاذب على الآخرين بأنهم سبب المشكلة والإخفاق، فهذا سيمكنه من التغلب على مشكلات الحياة التي ستواجهه فيما بعد بدلًا من أن يهرب منها.

طفل نرجسي

مصدر الصورة: موقع scarymommy

كذلك، يجب على الآباء أن يغرسوا في أطفالهم كيفية تحمل عواقب أفعالهم، فإن لم يذاكر الطفل جيدًا، فمن الأفضل أن يتقبل حصوله على درجة قليلة في الامتحان، بدلًا من التوسط لمعلميه بمنحه درجة أعلى أو عدم احتساب هذه الدرجة في التقييم. إذا تدخل أحد الأبوين فهذا يشعر الطفل بأن القواعد لا تُطبق عليه، وأنه أكثر تميزًا من الآخرين.

3- التعاطف مع الآخرين واحترام مشاعرهم

من واجب الآباء تجاه أبنائهم أن يغرسوا بداخلهم شعور التعاطف تجاه الآخرين، واحترام مشاعرهم. يمكن أن يكون هذا عن طريق سؤال الطفل عما يشعر به الآخرون في موقف معين.

كذلك، يجب ألا يقسو الطفل على الحيوانات الأليفة، وأن يتحدث معه والداه عما تشعر به هذه الحيوانات حينما نقسو عليها.

4- المكافأة بالثناء بدلًا من الهدايا

حينما يحقق الطفل إنجازًا مهمًّا، يكون التقدير عادةً بمنحه هدية تشجيعًا له للاستمرار وتحقيق المزيد. قد تتحول تلك الهدايا إلى نقمة في حياة الطفل إذا تلقاها الطفل بعد كل إنجاز يحققه، لأنه سيتحول إلى نمط حياتي؛ مما يجعل الطفل ينتظر هدية مقابل كل شيء يفعله.

من الممكن أن يكون المدح والثناء هو الفعل الأمثل في بعض الأحيان، وسيجعله هذا يشعر بالرضا عن نفسه، ولكن عندما يفعل الطفل قواعد سلوكية عامة، كتنظيم أدواته وألعابه، فهذا لا يستوجب مديحًا أو هدية.

5 – التذكير بالحب دون شرط أو قيد

كما ذكرنا، فالحب المشروط عامل خطر للإصابة بالنرجسية؛ لأنه يؤدي إلى تنمية حاجة الطفل العميقة إلى الاهتمام، فضلًا عن الخوف العميق من الرفض والقلق والعار المكبوت، وكلها سمات النرجسية كما أوضح عالم النفس وخبير النرجسية راماني دورفاسولا في موقع «mind body green».

6- الاستمرار في التحدي

حينما يرى الطفل أنه يمكنه حل جميع مسائل الحساب على سبيل المثال، فقد يشعر بالملل ويتسلل الغرور والثقة المفرطة إليه، ومن واجب الأبوين منع هذا من الحدوث.

استمر في تحدي طفلك واعثر له على مسائل أخرى لا يمكنه حلها، حتى يعرف أن لديه حدودًا، مثل أي شخص آخر، وفي الوقت ذاته التي ينكسر فيه الغرور، سيتعلم كيفية تطوير الذات والبحث عن الحلول.

مجتمع

منذ 5 سنوات
هل أنت نرجسي؟ 6 علامات قد تكشفك أمام نفسك

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد