الآن وخلال كتابة هذا التقرير، أطلقت قوات مكافحة الشغب الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع على المتظاهرين العُزَّل في منطقة باب المعظَّم وقرب جسر الشهداء في العاصمة العراقية بغداد.

مر 13 يومًا على انطلاق المرحلة الثانية من تظاهرات العراق، وبعد سقوط 100 قتيل وأكثر من 4 آلاف جريح ما يزال المتظاهرون في العاصمة بغداد والمحافظات الجنوبية يواصلون اعتصامهم المفتوح وعصيانهم المدني، لكن في بغداد بدأت الاحتجاجات تأخذ طابع الاستحواذ على المناطق والمواقع الإستراتيجية في المدينة، ومن تلك المواقع الجسور التي تربط جانبي المدينة (الكرخ والرصافة) ببعضمها على نهر دجلة، فالمتظاهرون وحتى وقت كتابة هذا التقرير أغلقوا أربعة جسور من أصل 13 جسرًا في بغداد حتى باتت المنطقة الخضراء فيما يشبه الحصار.

«مذبحة كربلاء».. قصة المليشيات التي قتلت متظاهري العراق في مدينة الحسين

جسر الجمهورية.. خط الصد الأول

أهمية جسر الجمهورية تكمن في كونه حلقة الوصل بين المنطقة الخضراء وساحة التحرير، فعبور الجسر من جهة ساحة التحرير يعني الدخول في المنطقة الخضراء شديدة التحصين والتي تضم مقار الرئاسات العراقية الثلاثة (رئاسات: الجمهورية، والوزراء، والبرلمان)، بالإضافة إلى مقار البعثات الدبلوماسية الأجنبية، وأهمها مقر بعثة الأمم المتحدة والسفارة الإيرانية والسفارة الأمريكية.

مع اندلاع الموجة الأولى من التظاهرات مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2019 والتي استمرت أسبوعًا كاملًا، وانتهت بسقوط 157 قتيلًا من المتظاهرين وأكثر من 8 آلاف جريحٍ كانت القوات الأمنية تسيطر على جسر الجمهورية بالكامل، وتتمركز عند مداخله من جهة ساحة التحرير، كذلك فإنَّ القناصة الذين استهدفوا محتجين كانوا يتمركزون على أسطح البنايات العالية المطلة على الجسر وساحة التحرير، ومن أهمها بناية المطعم التركي، والتي باتت تُعرف فيما بعد بـ«جبل أحد» بعد سيطرة المتظاهرين عليه في موجة التظاهرات الثانية.

في الخامس والعشرين من أكتوبر اعتلى المتظاهرون بناية المطعم التركي المطلة على ساحة التحرير وجسر الجمهورية، وسيطروا على مقدمة الجسر من جهة الرصافة، لكن هذه السيطرة كلفت المتظاهرين عشرات القتلى ومئات الجرحى، ويعتقد المتظاهرون أن البقاء على الجسر والدفاع عن مواقعهم يعزز تأمين الحشود البشرية في ساحة التحرير كذلك مئات الشباب المرابطين في بناية المطعم التركي، أو جبل أحد كما يحلو لهم تسميته الآن.

المتظاهرون العراقيون على جسر الجمهورية

عباس حسين، أو عبوسي كما يلقبه رفاقه، أحد شباب «الخط المتقدم» وهو مصطلح يُطلق على المتظاهرين الذين يقفون على المتاريس الحديدية المقابلة تمامًا لقوات مكافحة الشغب في النصف الثاني من الجسر، يحكي لـ«ساسة بوست» عن الأسبوعين الماضيين اللذين أمضاهما هناك: «لا نفكر بترك الجسر، خسرنا عشرات الشباب عليه من أجل إبعاد قوات مكافحة الشغب، والتراجع عنه يعني السماح للحكومة بإنهاء وجود المتظاهرين في ساحة التحرير وجبل أحد».

عن صمودهم على الجسر يقول عبوسي: «نحن شباب الخط المتقدم لا نغادر الجسر إلا للعلاج أو الاستحمام، ومن يغادر عليه أن يعوض النقص برفيق له، وأصحاب التكتك من خلفنا دائمًا في حال حدوث أي إصابة، أحيانًا قوات مكافحة الشغب تطلق القنابل المسيلة للدموع بشكل أفقي علينا، وهذا يسبب وقوع ضحايا، لقد سقط أمامي عشرات الشباب، وأحد أصدقائي اخترقت رأسه قنبلة غاز مسيلة للدموع ولم نستطع إنقاذه، وأنا من أجله ومن أجل شهداء الثورة لن أغادر الجسر حتى تسقط الحكومة».

عبوسي البالغ من العمر 20 عامًا يعمل حمالًا في أسواق الشورجة بالعاصمة العراقية بغداد، ترك المدرسة مبكرًا ليعيل عائلته المكونة من سبعة أشخاص، وعندما بدأت التظاهرات انضم إلى رفاقه الذين سقط عدد منهم على جسر الجمهورية وفي ساحة التحرير، وهو الآن يريد وطنًا بلا فاسدين لكي يستطيع إيجاد فرصة عمل لائقة يؤمن بها مستقبله ومستقبل عائلته الفقيرة.

جسر السنك.. الطريق إلى السفارة الإيرانية

في الثلاثين من أكتوبر 2019، توجه مئات المتظاهرين لفتح جبهة ثانية على جسر آخر هو جسر السنك، في خطوة جاءت لتشتيت تمركز قوات مكافحة الشغب على جسر الجمهورية، وتضييق الخناق على السلطة التي تتمركز في المنطقة الخضراء، والتي يعد جسر السنك أحد أهم الطرق المؤدية إليها.

في حديث سابق مع «ساسة بوست» عن واقعة جسر السنك، تحدث علاء هاشم، وهو أحد المشاركين في تظاهرات ساحة التحرير قائلًا: «في ساعات المساء الأولى انسحبت قوات الأمن من مقدمة الجسر باتجاه ساحة التحرير، وهذا ما أغرى المتظاهرين بالتقدم نحو جسر السنك، وبعد إسقاط الحاجز الأول من الكتل المسلحة أطلقت قوات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص بشكل أفقي على المتظاهرين، وهذا ما تسبب في سقوط عدد كبير من الضحايا».

علاء هاشم ذكر لـ«ساسة بوست»: أنَّ «لا أحد يعرف لماذا انسحبت قوات الأمن من مقدمة الجسر، وهناك اعتقاد بأنَّها أرادت تشتيت الحشود عن ساحة التحرير، والإيقاع بالمتظاهرين على الجسر، واتهامهم بارتكاب أعمال تخريب حتى يسهل عليها فض اعتصام التحرير، وإخلاء بناية المطعم التركي المحاذية لجسر الجمهورية المؤدي مباشرة إلى المنطقة الخضراء».

متظاهرون عراقيون يسقطون الكتل الكونكريتية على جسر السنك

بعد أن أسقط المتظاهرون الكتل المسلحة التي وضعتها قوات الأمن على الجسر لمنعهم من العبور إلى المنطقة الخضراء، واجهت تلك القوات حشود المتظاهرين بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع وتحدث نشطاء عن قيام عناصر ملثمة ترتدي الزي الأسود باستهداف المتظاهرين من مسافات قريبة، حيث يعتقد المتظاهرون أن تلك العناصر تتبع لمليشيات موالية لإيران.

سقط في أحداث جسر السنك قتيل واحد من المتظاهرين، وأُصيب 12 بحسب ما ذكرت مصادر طبية لـ«وكالة الأناضول»، وفي تلك الليلة أيضًا وقع قصف بصواريخ الهاون على المنطقة الخضراء تسبب في مقتل أحد عناصر الأمن الذين يتولون حراسة البوابة المؤدية إلى السفارة الأمريكية.

جسري الأحرار والشهداء

على غرار جسري الجمهورية والسنك، باغتت جموع المتظاهرين العراقيين في العاصمة بغداد قوى الأمن على جسري الأحرار والشهداء اللذين يربطان الكرخ بالرصافة، وتقع بينهما وبين جسر السنك أكثر المناطق حيوية في بغداد، وتضم مبانٍ حكومية مهمة، مثل المقر البديل لرئاسة الوزراء، والبنك المركزي العراقي، ووزارة العدل، ومثل كل المواجهات التي حدثت على الجسور السابقة، سقط قتلى وجرحى في صفوف المتظاهرين، إذ وثَّقت مفوضية حقوق الإنسان التابعة للبرلمان العراقي سقوط ثلاثة قتلى، وإصابة 150 آخرين في أحداث جسر الأحرار.

سجّاد الموسوي، أحد المشاركين باقتحام جسر الأحرار قال لـ«ساسة بوست»: «توجهنا من ساحة التحرير على شكل مجاميع مكونة من مئات المتظاهرين باتجاه جسر الأحرار، وعندما وصلنا إلى منطقة العلاوي كان الشباب ينضمون إلينا، رغم أن قوات مكافحة الشغب أطلقت علينا الرصاص الحي، وقنابل الغاز المسيل للدموع، وسقط عشرات الشهداء والجرحى، لكننا استطعنا العبور ووصلنا إلى مبنى شبكة الإعلام العراقي».

«اتهمونا بإحراق وزارة العدل، وهذا كذب، قوات مكافحة الشغب هم من أطلق النار عليها لإحراقها»، يؤكد سجاد لـ«ساسة بوست»، ويضيف: «عندما وصلنا إلى تمثال الملك فيصل الأول قرب مبنى الإذاعة والتلفزيون في الصالحية شاهدنا عناصر ملثمة وترتدي الزي الأسود، وهم أنفسهم الذين رأيناهم من قبل على جسر السنك والجمهورية ومول النخيل، وبدأوا بإطلاق الرصاص الحي علينا وملاحقة الشباب لاعتقالهم».

متظاهرون عراقيون عند جسر السنك في بغداد

يرى سجاد أنَّ الغاية من إغلاق جسري الأحرار والشهداء هي منع الموظفين الذين يكسرون الإضراب من الذهاب إلى أماكن عملهم، وإدامة زخم الاحتجاجات والضغط على الحكومة: «هناك الكثير من الموظفين يؤذوننا عندما يكسرون العصيان المدني والإضراب، لا نريد منهم أن يشاركوا معنا في التظاهرات، فقط نريد منهم أن يجلسوا في بيوتهم ويصمتوا، ذهابهم إلى العمل يعطي الشرعية للحكومة الفاسدة بأن تستمر في عملها، وبالتالي المزيد من الفساد والسرقات، هذه الحكومة يجب أن تنتهي، وهذا لا يتحقق إلا إذا وقف الشعب كله ضدها».

يعتقد سجاد أن السلطة في العراق تراهن على نفاد صبر المتظاهرين، وتماطل في الاستجابة للمطالب، وتظن أنًّ القمع سيحد من عزيمة المتظاهرين في بغداد ومدن جنوب البلاد، لذا يصرُّ هو ورفاقه على مواصلة التظاهر والعصيان المدني وتحشيد الناس للضغط على النظام السياسي للرضوخ إلى مطالب الشعب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد