تستيقظين يوميًّا في الموعد نفسه، تنهضين من الفراش بتثاقل، تدلفين إلى المطبخ لإعداد الإفطار وحقائب الصغار، تودعين أهل المنزل كلًّا إلى مدرسته أو عمله، تذهبين لعملك أنت الأخرى أو تظلين في المنزل إذا كنت ربَّته، تقومين بالأعمال المنزلية في انتظار عودة الأبناء، وإعداد الغداء، والنزول للتمرين، ومكالمات الهاتف، وشراء احتياجات المنزل، ومحايلة الأطفال ليذاكروا أو ليتناولوا طعامهم، أو حتى ليكفوا فقط عن العراك، وتحضيرات النوم، ثم تسقطين سهوًا في بئر مظلمة لتستيقظي في اليوم التالي في الموعد نفسه لتنهضي من الفراش وتعيدي اليوم بحذافيره دون أي تغيير تقريبًا، دوامة روتين يومي لا ينتهي!

حياتك كلها تندرج تحت تعريف الروتين، كل شيء مكرر ومحسوب ومحسوم، الروتين ذو سمعة سيئة، ويشكو منه الجميع خاصة ربات المنزل اللاتي لا ينزلن إلى العمل، ولا يتعاملن في الغالب مع أحد خارج نطاق الأسرة، الكل يشكو من الروتين ويود لو يتخلص منه، لا أحد يحب اليوم العادي الممل، لا أحد يعطيه فرصة ليفهمه ويحاول الاستمتاع به، وفي الغالب لا يكون الروتين اختيارًا بل ظروف الحياة ومتطلباتها ومسئولياتها هي ما تفرضه علينا، فندخل في دوامة لا تنتهي من كراهية اليوم مع عدم إمكانية تغييره.

ولأنه ليس بإمكاننا أن نغير روتين يومنا بصورة جذرية، فإننا اليوم سوف نحاول أن نفهمه، سوف ننظر إلى نصف الكوب المملوء ونحاول أن نتصالح معه، عملًا بمبدأ إذا لم تستطع المقاومة فاستمتع، أو كما يقول الأجانب أو «Fake it until you make it»، إلا أننا لن نزيف أي شيء، سوف نستعرض معًا حقائق علمية وحياتية عن الروتين وأهميته في حياتنا وكيف يمكننا تحقيق أقصى استفادة منه، ربما وقتها نستمتع فعلًا.

ما هو الروتين اليومي؟

في المسلسل الشهير «The good doctor» والمعروض على منصة «نتفليكس»، كان البطل، شون مورفي، طبيبًا عبقريًّا مصابًا بالتوحد، الذي هو من سماته الالتزام التام بروتين يومي لا يمكن لأي شيء أن يغيره، حياته كلها محسوبة الخطوات، مثلًا في بداية اليوم كان يستيقظ على رنين المنبه، وينهي حمامه اليومي عند الرنين الثاني للمنبه، وينهي تفريش أسنانه عند الرنين الثالث، وعند الرنين الرابع يكون شون مورفي جاهزًا للخروج بعد أن يرتدي المعطف.

Embed from Getty Images

مشهد من مسلسل «The good doctor» 

بالطبع يبدو الأمر مبالغًا فيه، خاصة مع شخصية بطل المسلسل ومحرك عاداته الأساسي الذي هو التوحد، ولكن الغريب في الأمر أن تصرف شون مورفي هذا بالتحديد يوصي به الأطباء، ففي مقال منشور على موقع مؤسسة «بيدماونت كير» الطبية بعنوان كيف يمكن للروتين أن يفيد حياتك، والذي يحتوي على عدة توصيات، أولاها أن تضبط منبهك يوميًّا في الموعد نفسه المحدد لك لتغادر المنزل، كما يفعل بطل المسلسل تقريبًا، فالروتين هو ببساطة أن تخصص وقتًا محددًا لكل شيء تفعله في يومك، وتكرر هذا التصرف في الوقت نفسه على مدار الأيام.

لماذا نمارس روتينًا يوميًّا؟ 3 أمهات عاملات يخبرنك

تقول بسنت إبراهيم 33 سنة، كاتبة ومحررة محتوى، إن السر في خلق مساحة آمنة لها في العالم لتحقيق أكبر قدر من الاستقرار النفسي هو في روتينها اليومي، أن تلتزم بطقوس ثابتة ومواعيد لممارسة هذه الطقوس، خاصة بعد دخول أطفالها إلى الصورة، أصبحت العشوائية ليست اختيارًا، فلا بد أن توفر لأبنائها جوًّا مناسبًا لنموهم الصحي وهذا لا يتحقق سوى بالالتزام بالروتين، الاستيقاظ والنوم والتمارين والوجبات، تحاول بقدر الإمكان أن يكون كل شيء في مكانه وفي نطاق زمني متقارب يوميًّا. 

تستكمل بسنت حديثها قائلة إنها لا تعتبر أطفالها روبوتات، لكنها رأت بالتجربة كيف أفادهم الروتين اليومي، وتؤكد أن الروتين لا يقتصر فقط على روتين الأطفال، فهي أيضًا لديها طقوس معينة تمارسها كي تحظى بسلام نفسي يمكِّنها من العناية بأطفالها وتوفير جو أسري مناسب لنموهم، فمثلًا قهوة الصباح ليست اختيارًا، والوقت المخصص لها وحدها على طاولة مطبخها في سكون الليل بعد خلود الأطفال للنوم، والذي تقضيه في إنجاز عملها وتنفيذ قائمة مهامها الخاصة بعيدًا عن دورها كأم، والذي تسميه «وقت الإنتاجية» هو روتين يومي يمكِّنها من مواصلة الحياة.

أما أمل طه 33 سنة، وهي أيضاً كاتبة ومحررة محتوى، فإنها تخبرنا بأنها تحن لسنوات الروتين التي كانت تمكنها من تحقيق السلام النفسي لها ولأبنائها قبل تزايد المسئوليات، فهي ترى الأوقات التي كانت ترتب مهام يومها وتخصص وقتًا لشرب القهوة في صمت، ووقتًا للقراءة قبل النوم، ووقتًا لممارسة الأنشطة التعليمية مع أبنائها أسعد أوقاتها.

تقول أمل إنها لم تكن تشعر بالملل من جراء روتينها اليومي، رغم أنها لم تكن تخرج من المنزل تقريبًا نظرًا إلى وجودها مع أسرتها في بلد غريب قبل رجوعهم لوطنهم، ولكنها كانت ترى دومًا أنها تمارس دورًا مقدسًا في رعاية أبنائها وتنشئتهم في بيئة صحية وسعيدة، وأن الروتين الذي غالبًا ما تشتكي منه السيدات كان يعد جائزة لها لترتاح من صخب العالم وتنقل هذا الهدوء لأبنائها.

تتفق معها ياسمين فؤاد في الثلاثينيات من عمرها، أم لطفلة في المرحلة الابتدائية، وتعمل من المنزل، في فكرة استقبال الروتين على أنه استراحة من صخب العالم، فتقول ياسمين إن «اليوم المرهق غير المخطط له خارج المنزل، خاصة مع وجود ابنتها وروتينها الضروري، مثل طفلة ومسئوليات تعليمها وتدريبها بمثابة يوم شاق»، وتضيف أيضًا أن التخطيط لقائمة مهام داخل المنزل يوفر الكثير من الطاقة والجهد اللازمين لها لإنجاز عملها جنبًا إلى جنب مع تقضية الوقت الجيد مع أسرتها.

تستكمل ياسمين حديثها قائلة إن «النمط السريع والمتلاحق للحياة خارج المنزل يجعلها تقدر الروتين المنزلي اليومي الذي يراه الجميع مملًّا، فمع تزايد المسئوليات تصبح ممارسة هذه المسئوليات خارج المنزل حملًا مرعبًا على الصحة الجسدية والنفسية». 

الالتزام بروتين يومي قد لا يكون سيئًا.. دراسات وأبحاث علمية تخبرك

في مقال منشور على موقع كلية الطب بجامعة نورث ويسترن، عن فوائد الروتين اليومي، والذي يستعرض التحسين الذي يطول يومك من جرائه، وجد أن الروتين يساهم في:

  1.  تقليل مستويات التوتر.
  2.  تحسين جودة النوم مما يحسن الصحة العامة للفرد.
  3. تحسين معدلات القلق خاصة للمصابين باضطراب القلق المزمن.
  4. رفع مستويات الثقة الذاتية.

ويختتم المقال الحديث بنصيحة قد تبدو بديهية لكنها في غاية الأهمية، وهي أنه «ليس عليك أبدًا أن تخطط لكل تصرف في يومك، وأن تلتزم بجدول صارم، بل إن الالتزام بتصرفات بسيطة وقليلة في يومك يمكن أن يكون بداية جيدة، بل يمكن أن يكون كافيًا لخلق روتين فارق في صحتك».

Embed from Getty Images

تأكيدًا لهذا المفهوم وطبقًا لدراسة منشورة على موقع المكتبة الطبية الأمريكية العامة لباحثين في جامعة هيوستن بتكساس تحت عنوان «أهمية خلق الروتين والعادات»، فإن عادة وحيدة صحية متمثلة في القول المتداول القائل «تفاحة واحدة يوميًّا تبعد عنك الطبيب كليًّا»، يمكنه أن يغير في صحتك إيجابيًّا بشكل حقيقي وملحوظ، وقد كانت نتائج هذه الدراسة كما يلي:

  1. الأفراد الذين يلتزمون بهذه العادة الصحية غالبًا ما تكون نسب إصابتهم بالأمراض المزمنة أقل من الأفراد الذين لا يلتزمون بها.
  2. مساعدة مقدمي الخدمات الصحية لمرضاهم في خلق عادات روتينية صحية يومية بسيطة تساعدهم على المدى البعيد في تغيير نمط حياتهم
  3. التدريج في إدخال عادات روتينية بسيطة إلى اليوم أكثر فائدة وتأثيرًا من مطالبة المرضى بتغيير نظام حياتهم تغييرًا كاملًا. 

يؤكد حديثنا مع الطبيب النفسي حسام فهمي، المقيم في ألمانيا، نتائج الدراسات السابقة، حيث أشار لنا في حديثه عن فائدة خلق عادات روتينية يومية ومدى تأثيرها في تحسين جودة الحياة، ورفع مستويات الرضاء النفسي لدي الأفراد، إلى أن الالتزام بالعادات الروتينية اليومية يساهم في الآتي:

  1. وجود روتين يومي ثابت يقلل من حاجة الفرد لاتخاذ قرارات جديدة يوميًّا؛ مما يساهم في تقليل حدة التوتر، فعندما يجري التخطيط بشكل مسبق وثابت لليوم، يجعل الفرد واعيًا بمهامه اليومية التي لا يعتريها تغييرات حادة أو مفاجآت؛ مما يقلل نسبة القلق والذي يساعد الفرد على المدى الطويل في زيادة ثقته بنفسه وبقراراته.
  2.  تقليل حدة التوتر اليومي ومستويات القلق يحسن جودة النوم بشكل مباشر، فعندما يعتاد الإنسان روتينًا معينًا لن يكون مضطرًّا في التفكير يوميًّا في قائمة مهامه، مما لا يحسن فقط ساعات نومه ولكن جودة هذه الساعات أيضًا، فيحظى بنوم هادئ ومريح ويستيقظ مستقرًّا نفسيًّا وعقليًّا؛ مما يحسن الأداء العام في الحياة.
  3. الأمر لا يقتصر فقط على تحسين جودة حياة البالغين، فلقد أثبتت الدراسات أن الأطفال الذين ينشؤون في أسر تلتزم بروتين يومي محدد يشعرون بأمان واستقرار نفسي أكثر من نظرائهم الذين ينشؤون في أسرة لا تلتزم بروتين يومي.
  4.  أيضًا تربط بعض الدراسات بين عدم وجود روتين يومي للفرد وقابليته لتطوير سلوكيات إدمانية، فتربط هذه الدراسات بين عدم وجود روتين وبين زيادة أوقات الفراغ، والذي يدفع بعض التركيبات الشخصية لسلوكيات إدمانية مختلفة، حتى لو كانت بعيدة عن إدمان المخدرات بشكل خاص.

مجتمع

منذ شهرين
مترجم: 4 عادات صباحية يفعلها الأشخاص الأطول عمرًا حول العالم

في النهاية لا يسعنا سوى أن نؤكد أنه وعلى الرغم من أهمية وجود الروتين في حياتنا، وأنه ليس بالسوء الذي يروج له، وأنه ليس ضروريًّا أن يكون الروتين معادلًا موضوعيًّا للملل، فإن إنشاء روتين يومي والالتزام به أمر يعود للقدرات الفردية، خاصة إذا عشت فترة طويلة من عمرك غير ملتزم بروتين يومي محدد، ولذلك فإن النصيحة الأهم التي في مقال منشور على موقع مؤسسة «فيري ويل مايند» عن أهمية الحفاظ على العادات الروتينية اليومية هي ألا تضغط على نفسك إذا كنت تواجه مشكلة في الالتزام بالروتين الذي وضعته لنفسك، فعلى الرغم من أهمية الروتين في مساعدتك على عيش حياة طبيعية وصحية والمحافظة على تركيزك، فإنه في الأوقات الضاغطة لا يجب أن تؤنب نفسك إذا انحرفت عن خططك اليومية قليلًا، فالبشر مختلفون في طريقة تعاملهم مع الضغوط، والروتين قد وجد كي يساعدك في تقليل التوتر وليس في زيادته.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد