أصيب محبو الفن بصدمة بعد حرق لوحة «الحمقى (Morons)» للفنان روبرت بانكسي، في مقطع فيديو بُث على الهواء مباشرة، من إحدى حدائق نيويورك، بعد ساعات من حفظها في صيغة «الرمز غير القابل للاستبدال (Non Fungible Token)» من أجل بيعها بقيمة 380 ألف دولار. 

كانت قيمة اللوحة الأصلية التي رسمها بانكسي تقدر بـ95 ألف دولار فقط قبل أشهر، وتصور حالة بائع في مزاد، يشير إلى لوحات مؤطرة، في غرفة مزدحمة بمحبي الفن التشكيلي، مصحوبة بعبارة «لا أصدق أنكم تشترون هذا بالفعل أيها الحمقى».

إذا كان من المزعج والصادم لك رؤية لوحة فنية تُحرق، فالسخرية من مشاعرك ستكون أقوى إذا علمت أن الهدف هو الاستثمار في مجال لطالما كان حكرًا على سكان قصور لندن وبرلين ونيويورك، لكن كيف يرفع حرق قطعة فنية من قيمتها؟ ولماذا قد يشتري الناس رمزًا بدلًا من لوحة؟ ولماذا يعدونه فنًّا؟

«NFT»: دفقة أدرينالين لعشاق التشفير والفن الرقمي

لا يعد الفن الرقمي فنًّا بالنسبة لمتذوقي الفن التشكيلي، فأين المعنى من امتلاك لوحة لا يمكن تثبيتها على الحائط، والتحديق في ضربات الفرشاة بالألوان الزيتية على القماش؟ لكن القيمة بالنسبة لهواة جمع الرموز ليست في امتلاك الفن، بل تكمن في أن الأعمال الفنية المحفوظة بتقنية «الرمز غير القابل للاستبدال (NFT)» نادرة، ولا يمكن حرقها أو تمزيقها أو كسرها على عكس الأعمال الفنية التقليدية، وبالتالي تكون في مأمن تمامًا من التخريب الذي لحق بلوحة بانكسي.

يعتمد التفسير الأبسط لتقنية «الرمز غير القابل للاستبدال (NFT)» على أمرين، أولهما: وجود قطعة فنية أصلية، قد تكون لوحة، أو منحوتة، أو أغنية، أو تغريدة، أو لعبة فيديو، وعادة ما تكون القطعة رقمية، وإذا كان لها وجود مادي؛ يتم التخلص منه قبل بيع الرمز، وهكذا ننتقل للأمر الثاني من العملية: الرمز.

ويمكن تشبيهه بحقوق الملكية، والذي كان قديمًا يقتصر على توقيع الفنان، لكن في عام 2008، قدم مبتكر «بيتكوين»، ساتوشي ناكاموتو، طريقة جديدة للتحقق من الملكية، وتُعرف باسم «بلوكتشين»، وهي تقنية شراء وبيع وتسجيل العملات المشفرة نفسها، ويمكن للفنان بعد ذلك بيع الرمز أو «رخصة الملكية» إلى هواة جمع «الرموز غير القابلة للاستبدال»، ما يعني أنه لن يتمكن أحد من نسخ الرمز أو تزويره أو استبداله، لكن يمكن تبادله وبيعه من أي مكان في العالم.

Embed from Getty Images

يمثل الرمز المميز ملكية التصميم الجرافيكي أو لعبة الفيديو أو أي عمل فني، ولكن لا يحد من انتشار العمل نفسه وإمكانية تحميله بجودة عالية؛ فيجري تسجيل الرمز المميز في سجل «بلوكتشين» الرقمي، ويمكن إعادة بيعه، ويمكن أن ترتفع قيمة العمل الفني أو تنخفض.

لذلك، ربما يكون أفضل وصف للـ«رمز غير القابل للاستبدال»، هو ما جاء بتقرير صحيفة «نيويورك تايمز» على أنه نوع من الشهادات الرقمية لحفظ الأصالة، والتي أصبحت – بالنسبة للبعض – من الأشياء المرغوبة التي يمكن جمعها، لأسباب قد تبدو غريبة، لكن الندرة والأصالة كانتا دومًا السر وراء جامعي الطوابع، أو محبي اقتناء الأزياء الفريدة.

ملايين الدولارات في سباق بين مجهولين

بدأ العمل لأول مرة بخاصية «الرمز غير القابل للاستبدال (NFT)» في منتصف عام 2010، لكنه أصبح الاتجاه السائد في عالم التكنولوجيا أواخر عام 2017، مع ظهور لعبة «Crypto Kitties»، والتي أتاحت للاعبين شراء القطط الافتراضية وجمعها وتربيتها وبيعها، في واحدة من أولى المحاولات لإدخال تقنية «البلوكتشين-blockchain» لعالم الترفيه والتسلية، والتي انتهت بشراء شخص مجهول لرسم قطة رقمية بمبلغ 172 ألف دولار!

في أعقاب انتشار فيروس كوفيد-19 العام الماضي، وإغلاق المتاحف وتوقف المعارض الفنية والإغلاق الكامل، بحث المستثمرون عن أماكن أكثر خطورة وأكثر سرية لكسب المال، وفي الوقت نفسه، كان ارتفاع أسعار العملات المشفرة يعني أن المزيد من المضاربين لديهم وجهة نظر وجيهة في امتلاك عملة لا يمكنهم استخدامها عند التسوق، وهنا بدأ سوق الفن الرقمي في الانتعاش. 

شارك أكثر من 222 ألف شخص في مبيعات بقيمة 250 مليون دولار، ما يعادل أربعة أضعاف حجم السوق في عام 2019، في حين أن الشهر الماضي وحده شهد مبيعات تجاوزت 220 مليون دولار، وفقًا لموقع «Nonfungible»، الذي يتتبع السوق، تمامًا كأسواق البورصة. 

منذ أوائل عام 2021، بدأ هواة الجمع والمضاربة في شراء قطاع عريض من تاريخ الإنترنت المبكر، كالنسخ الأصلية من مقاطع الفيديو والميمات البدائية التي انتشرت بسرعة في الأيام الأولى للإنترنت، وتحويلها لصيغة «الرمز غير القابل للاستبدال (NFT)»، وبالفعل باع أحد مؤسسي موقع «تويتر» أول تغريدة له بمبلغ 2.9 ملايين دولار!

ثم باع كريستوفر توريس تصميمه البدائي لقطة باسم «Nyan Cat» مقابل 600 ألف دولار، بعد 10 سنوات من انتشارها ومحاولات فاشلة في مقاضاة كيانات تجارية استخدمت صورته المحمية بحقوق الطبع والنشر دون إذن، كما  بيع رمز صورة كلب من فصيلة شيبا إينو «Doge» التي ظلت لفترة طويلة واحدة من أكثر الميمات شهرة على الإنترنت، مقابل 4 ملايين دولار على موقع المزادات «Zora»!

انتشرت  بعد ذلك أخبار عرض بعض الأعمال الفنية التي ظهرت في مسلسل «Friends»، في مزاد علني، على هيئة «رموز غير قابلة للاستبدال (NFTs)» بعد أيام قليلة من عرض حلقة «لم الشمل(reunion)» الشهر الماضي، وكانت الصدمة الأكبر لجامعي الفن التشكيلي عندما باع فنان مغمور، يُدعى بيبلي، الرمز الرقمي لتصميمه بسعر قياسي بلغ 69.3 ملايين دولار، ليصبح ثالث أعلى سعر يحققه فنان على قيد الحياة، وأكثر المستفيدين من الطفرة الهائلة من مبيعات سلعة لا يفهمها الكثيرون!

الفن الرقمي.. استثمار ذكي أم لحظات جنون؟

حتى الخبراء لا يعرفون الإجابة عن سبب هذا النمو السريع أو موعد انفجار القنبلة في وجه المضاربين، لكن من الواضح اعتماد سوق الفن الرقمي على الارتفاع المذهل لقيمة العملات المشفرة «البيتكوين» بنسبة 230% منذ أكتوبر (تشرين أول) 2020، وظهر معها سلالة جديدة من رواد الأعمال التقنيين، والأثرياء حديثًا من خلال المضاربة بالعملات المشفرة، لينعشوا سوق الرموز الفنية الرقمية. 

أدى ذلك الانتعاش لبدء موجة مبيعات الميمات التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، رغم غرابة الفكرة، حتى أصبحت عملة بحد ذاتها، يمكن بيعها وتبادلها، فيعمل هاري جونز، جامع ميمات رقمية، على مشروع «Dank Bank»، والذي سيكون أول بورصة في العالم للميمات، تعمل على تجزئة كافة الميمات الشهيرة، وتحويلها إلى رموز قابلة للتبادل، على أمل أن تحمل قيمة تنافس قيمة سبائك الذهب أو مناجم الألماس.

Embed from Getty Images

تحققت نبوءة جونز بالفعل من قبل تنفيذ مشروعه الذي بدا خيالًا قبل أشهر، فلا أحد يعرف الدافع وراء الرجل الإماراتي الغامض الذي اشترى ثلاثة ميمات مقابل مليون دولار، أشهرهم ميم «Disaster Girl» مقابل نصف مليون دولار، لصاحبته زوي روث، التي صورها والدها وهي تقف أمام مبنى محترق، مع ابتسامة شيطانية على وجهها، وأصبحت الصورة منذ ذلك الحين ميمًا لأي شخص يسعى للسخرية من مشهد كارثي أو عمل مؤذٍ، ولم تستفد روث من انتشار صورتها منذ 17 عامًا، حتى الشهر الماضي بفضل «الرموز غير قابلة للاستبدال (NFTs)».

قد تلحظ هنا الجانب الإيجابي في حفظ الرموز لحق العديد من منشئي الميمات؛ الذين كان لديهم جميعًا  القصة نفسها. ابتكروا شيئًا ما، ووضعوه على «تويتر» أو «فيسبوك» دون معرفة ما سيحدث، وتولى رواد الإنترنت زمام الأمور، وفقد أصحاب الفكرة السيطرة على منتجهم الإبداعي.

كان هؤلاء الأشخاص يتطلعون للحصول على القليل من السيطرة، خاصة مع الانتشار الضخم لبعض الميمات في الإعلانات وطباعتها على الملابس ومحاكاتها في ألعاب الأطفال، وربما يعوضهم بيع النسخة الأصلية من صورة أو رسم عن بعض الضرر الناجم عن تداول منتجهم دون موافقتهم.

مشكلة أخرى يحلها ترميز أي عمل متداول، وهي استخدام صور أشخاص دون موافقتهم، ونشرها للإساءة لهم، أو فضحهم، أو لأغراض الإثارة الجنسية، أو مثلما حدث مع روث ويصبحون ميمًا يتداوله الملايين. بالنسبة للكثير كان تحويلهم إلى ميم وحصرهم في تلك الصورة للأبد أمرًا قاسيًا وخارجًا عن إرادتهم. 

يعكس السوق الناشئ للرموز أيضًا خطوة ذكية من قبل منشئي المحتوى الرقمي للتواصل ماليًّا مع جمهورهم والقضاء على الوسطاء، وإنهاء قرون من مركزية الفنون في معارض روما ونيويورك، بخلاف الحماية القانونية لحقوق الملكية على مستوى العالم، بعدما أصبحت مخزنة إلى الأبد ولا يمكن حذفها أو إتلافها في المستقبل.

ريادة أعمال

منذ 3 شهور
مترجم: الدخل السلبي.. هل أرباح الاستثمار في العملات المشفرة سيستمر للأبد؟

لا تتشابه سوق الرموز الفنية الرقمية مع أي سوق أخرى للقياس عليها والتنبؤ بمستقبلها، لأن قيمة الرموز لا يمكن التنبؤ بها، فهي تخضع لأهواء الجامعين الأثرياء، ما جعل البعض يتنبأ بانخفاض أسعارها في جميع أنحاء العالم، مع ترقب لاحتمالية تدخل الحكومات لمنع عمليات تبادل العملات والرموز المشفرة، على غرار تحرك الحكومة الصينية ضد «بيتكوين»، ورفض بعض المعارض الفنية عرض الأعمال الرقمية، لكن في الوقت الحالي – على الأقل – ما زالت سوق «الرموز غير القابلة للاستبدال» تستفز المستثمرين الهواة، ممن يضيفون زخمًا للمنافسة، وارتفاعًا جنونيًّا للأسعار!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد