تسببت جائحة كورونا في كثير من التغييرات في العالم، سواء سياسيًا أو اقتصاديًا، أو حتى على صعيد صحتنا النفسية والعقلية وسلوكياتنا وطبيعتنا الاجتماعية، بل وحتى الأبحاث والدراسات العلمية. قد ينظر البعض إلى التأثيرات السلبية لهذه الجائحة، وهي كثيرة بالتأكيد ولا نزال نعاني منها رغم انحسار الجائحة، لكن هناك بعض الفوائد أيضًا.

من بين هذه الفوائد أن هذه الجائحة وما رافقها من تأثيرات اجتماعية ونفسية غير مسبوقة بالنسبة للبشر نتيجة الحجر المنزلي والإغلاقات العامة، كشفت لنا بعض الأمور التي كانت مستعصية على الفهم، أو يصعب التيقن منها في الدراسات العلمية المحدودة.

من بين هذه الأمور ما يطلق عليه «ضبابية الدماغ»، والتي استعصت سابقًا على التدقيق العلمي، حتى دفعتها جائحة كورونا إلى دائرة الضوء، وأصبح العلماء قادرين الآن على معرفة ماهيتها بالضبط وكيف يمكن التغلب عليها.

ما هي ضبابية الدماغ؟

في بعض الأحيان نمر بتلك الحالة، نخرج من المنزل إلى السوبرماركت لشراء بعض الأشياء المحددة، وعندما نصل هناك لا نتذكر ما كنا نريد شراءه، بل ربما يمر البعض بما هو أكثر من ذلك، لتجد نفسك ذهبت إلى مكان آخر غير السوبرماركت. في مثل هذه الحالات، يستخدم بعض الناس عبارات مثل: أشعر بثقل في دماغي أو أشعر أن دماغي ضبابي ولا يمكنني التركيز.

مثل هذه العبارات تعكس بالفعل حالة نمر بها تسمى «ضبابية الدماغ»، وهي الحالة التي تشمل عمومًا مشاكل الذاكرة وعدم القدرة على التركيز والافتقار إلى الوضوح العقلي وما يصاحب ذلك من بطء في التفكير.

Embed from Getty Images

يعود مفهوم ضبابية الدماغ إلى أوائل القرن التاسع عشر، عندما استخدم الطبيب الألماني جورج غرينر لأول مرة كلمات مثل «تشوش ضوء العقلانية» أو «غشاوة الوعي» لوصف العجز المعرفي المصاحب للهذيان. من بعدها جرى استخدام ضبابية الدماغ مصطلحًا لوصف هذه الحالة من الإدراك البطيء، لكنه أصبح شائعًا مرة أخرى في تسعينيات القرن الماضي، لوصف تجربة العيش مع ما يسمى متلازمة التعب المزمن، وبعض أمراض المناعة الذاتية.

تصيب حالة ضبابية الدماغ الأشخاص، بسبب العديد من الظروف المختلفة، على سبيل المثال، عندما يكون شخص ما محرومًا من النوم أو يشعر بتوعك، أو بسبب الآثار الجانبية للأدوية التي تسبب النعاس، كذلك يمكن أن يحدث ضباب الدماغ أيضًا بعد العلاج الكيميائي أو الإصابة بالارتجاج.

ضبابية الدماغ ليست مرضًا في حد ذاته

ضبابية الدماغ ليس حالة طبية في حد ذاتها، ولا توجد معايير تشخيصية واضحة لها، لكنها مصطلح شامل يغطي مجموعة واسعة من الأعراض المعرفية، بما في ذلك الافتقار إلى الوضوح العقلي ومشاكل الذاكرة وعدم القدرة على التركيز. هي طريقة لوصف أن تفكير المرء أو ذاكرته أو تركيزه ليس جيدًا كما كان من قبل.

حاليًا، هناك العشرات من الحالات المرتبطة بضبابية الدماغ، بما في ذلك الحساسية وانقطاع الطمث واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) والفشل الكلوي، فضلاً عن حالات الصحة العقلية مثل القلق والاكتئاب، لهذا السبب، من الصعب تحديد الإحصائيات حول مدى انتشار هذه الحالة، وإن كان البعض يعتقد أنها أكثر شيوعًا مما يعتقده العديد من الأطباء.

ربما عانى معظمنا من حالة التفكير الباهت أو الشاق في مرحلة ما، بعد الإصابة بالعدوى أو تناول الأدوية، لكن سرعان ما يتبدد هذا الضباب. لكن بالنسبة للكثيرين، يمكن أن تستمر حالة ضبابية الدماغ لأسابيع أو شهور أو حتى سنوات. هنا، تصبح هذه مشكلة حقيقية ولا بد من فعل شيء ما حيال ذلك.

يصيب النساء أكثر من الرجال؟ إذن هو مجرد مبالغة!

لا يشعر كل الناس بهذه الحالة بالدرجة والكيفية نفسها، وهو ما يجعل المصطلح مطاطًا، ويصعب قياسه، وبالتالي لم يكن يحظى بقدر جيد من الاهتمام. كيف هذا؟

يعاني بعض الناس من مشاكل في الذاكرة بينما البعض الآخر في الانتباه، وتجد فئة ثالثة تشعر بالتعب الشديد، كما يؤثر ضبابية الدماغ بشكل كبير على النساء، وهو ما جعل الأطباء لا يأخذون الأمر على محمل الجد دائمًا لأنهم اعتقدوا أن النساء قد يبالغن فيما كان يحدث لهن.

ضبابية الدماغ وكورونا

الحالات الطبية السابق ذكرها التي تسبب حدوث ضبابية الدماغ يمكن أن تكون منطقية ومفهومة بالفعل، لكن الجديد هنا هو حدوث ضبابية الدماغ بعد الإصابة بفيروس كوفيد-19، وتكرار حدوثها لفترة طويلة بعد الشفاء من المرض، حتى أن بعض الناس أصيبوا بهذه الحالة في صورة نوبات متكررة من فقدان الذاكرة.

كان البعض ينسى تناول وجبة الطعام أو يجد صعوبة في العثور على الكلمات لوصف الأشياء، بالإضافة للشعور بالارتباك بشأن أوقات القيام بمهام معينة، وقد أثرت هذه الحالة على قدرة هؤلاء الأشخاض على العمل. من هنا، أعادت جائحة كورونا حالة ضبابية الدماغ للواجهة من جديد، وهو أحد الجوانب الإيجابية لتلك الجائحة التي أرهقت – ولا تزال – العالم.

في أعقاب الوباء، أصبح من الصعب التخلص من ضبابية الدماغ، إذ يصاب ما يقرب من 10 إلى 25% من المصابين بفيروس كورونا المستجد بالنوع الطويل من أعراض الفيروس، وهي حالة تتميز بمشاكل صحية جديدة أو عائدة أو مستمرة تتعلق بالعدوى.

في حين أن العديد من الأشخاص المصابين بهذه الحالة يبلغون عن أعراض الإرهاق وآلام العضلات ومشاكل الجهاز الهضمي، فإن ضبابية الدماغ من بين المشكلات الثلاثة الأكثر شيوعًا التي أبلغ عنها. فقد وجدت دراسة شملت ما يقرب من ألف شخص في الولايات المتحدة أصيبوا بكورونا، أن نصفهم تقريبًا أبلغوا عن وجود ضبابية دائمة في الدماغ، والنسيان، ومشاكل التركيز.

لكن المشكلة أنه لم يكن هناك نمط معين للخلل الوظيفي يمكن قياسه وتتبعه، وأن الشيء الوحيد المشترك بين جميع المرضى هو أنهم وصفوا هذه المشكلات المعرفية بأنها من أكثر المشكلات الوظيفية صعوبة في التعايش معها بعد الإصابة بفيروس كوفيد فقط لا غير.

Embed from Getty Images

ما أسباب ضبابية الدماغ؟

والسؤال: ما الذي يمكن أن يحدث في رأس شخص ما ليؤدي إلى مثل هذا الخلل المعرفي أو الإدراكي؟ لأداء أفضل، يجب أن تكون مناطق الدماغ المختلفة والخلايا العصبية بداخلها، قادرة على التواصل بكفاءة مع بعضها البعض لمعالجة كل ما يرسله لنا العالم من حولنا والاستجابة له. هذه بعض الأسباب التي توصل لها العلماء:

1- التهاب الدماغ

أظهرت الدراسات أن الكثير من الضرر المرتبط بكورونا ناتج عن استجابة مناعية مفرطة النشاط، وقد دفع ذلك العديد من الباحثين إلى اقتراح أن الالتهاب في الدماغ، الناجم عن نفس رد الفعل المناعي، يؤدي إلى تلوث النشاط العصبي، مما يؤدي إلى نوع من تلف الخلايا وموتها، وهو ما يجعل من الصعب على خلايا الدماغ إرسال إشارات إلى بعضها البعض بكفاءة.

وقد وجدت دراسة أنه كلما زادت حدة مرض كورونا، زادت المشكلات المعرفية، فيما أشارت مراجعات السجلات الطبية لبعض مصابي كورونا بعد تعافيهم، إلى وقوع تلف في الأنسجة بمناطق معينة من المخ، تشمل الحصين، وهو مركز ذاكرة الدماغ.

لكن لا يمكن حتى الآن بشكل قاطع تحديد ما إذا كانت هذه التغييرات مرتبطة بضبابية الدماغ، إذ لوحظ التدهور المعرفي الأكبر في سرعة المعالجة وخاصة في الوظيفة التنفيذية للمشاركين المصابين، أي أنهم واجهوا صعوبة أكبر في أداء المهام المعقدة.

2- الأوعية الدموية

يعتقد آخرون أن ضبابية الدماغ المرتبط بفيروس كوفيد أكثر تعقيدًا من الالتهاب وحده، إذ أن كورونا يمكن أن تؤثر في الدورة الدموية، ومن الممكن أن تؤثر تغيرات الأوعية الدموية اللاحقة في الحاجز الدموي الدماغي، الذي يفصل الدماغ ويحميه مما يحدث في باقي أنحاء الجسم.

تشير دراسات أن كوفيد-19 قد لا يؤدي دائمًا إلى تلف مناطق من الدماغ، ولكنه قد يؤدي بدلاً من ذلك إلى تعرض الأنسجة للخطر نتيجة الالتهاب أو ضعف الأوعية الدموية. في الحالة الأخيرة يمكن أن تعاني مناطق في المخ من عدم قدرة الخلايا على الحصول على العناصر الغذائية أو تدفق الدم الذي تحتاجه للعمل بشكل مناسب.

Embed from Getty Images

هذا يمكن أن يفسر سبب وجود مثل هذا التنوع في الخلل الوظيفي بين الأفراد، ولماذا يبدو أن شدة ضبابية الدماغ تتقلب في كثير من الأحيان بين الأفراد. هذا يعني أن إصابتك بضبابية الدماغ لا يعني تلف أنسجة دماغك، هذا أمر جيد ويعني أنه يمكن استعادة صفاء دماغك، وأن هناك إمكانية للناس للتحسن.

3. تفاقم مشاكل النوم

من المحتمل أيضًا أن يؤدي فيروس كورونا لدى العديد من الأشخاص إلى تفاقم الظروف الموجودة مسبقًا، والتي يمكن أن تكون مرتبطة بضباب الدماغ. قد تشمل هذه مشاكل النوم، مثل انقطاع النفس خلال النوم، والتي يمكن أن تؤثر في الإدراك، أضف إلى هذا الصداع النصفي واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.

4. مشاكل نفسية وعقلية

يرتبط الاكتئاب والقلق أيضًا بأعراض تشبه ضباب الدماغ، ويمكن أن تحدث أو تزداد سوءًا بعد الإصابة بكوفيد-19، وخاصة الحادة منها.

وأخيرًا.. ضباب الدماغ مشكلة قابلة للشفاء

نحن نعلم أن ضباب الدماغ معقد حقًا. إذ لا يوجد شيء واحد فقط يمكنك قياسه ثم إصلاحه. فهناك العشرات من العوامل المختلفة، بخلاف الالتهاب، التي تؤثر في الكثير من أنظمة الجسم المختلفة والتي تؤدي في النهاية إلى هذا الخلل.

صحة

منذ 3 شهور
تتسبب في خفض قدراتك العقلية! المضادات الحيوية بها «سمٌ قاتل»

ومع ذلك، فإن الإجماع هو أن هذه المشكلة قابلة للعكس. فضباب الدماغ هو في الحقيقة خلل إدراكي أكثر منه ضعف إدراكي. الضعف له دلالة على ضياع شيء ما وأنه من غير المحتمل أن تستعيده. لكن الخلل الإدراكي يعني وجود مشكلة قابلة للحل. تشير معظم الدراسات إلى أنه عند معالجة أي حالة طبية أساسية تتعلق بضباب الدماغ، سيرى الناس تحسنًا في غضون ثلاثة أشهر.

تغيير نمط الحياة أيضًا يمكن أن يساعد في كثير من الأحيان، فيمكن أن تبدأ بتحسين النوم، لأن الحرمان من النوم يساهم في تلك المشاعر البطيئة والغامضة المرتبطة بضباب الدماغ. يمكن أن يساعد أيضًا إجراء تحسينات على نظامك الغذائي ونظام التمارين الرياضية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد