في قلب مدينة لشبونة البرتغالية يقبع متحف كالوست كولبنكيان الذي يزوره السائحون، لمشاهدة العديد من الأعمال الفنية التي جمعها كولبنكيان طيلة حياته. وكالوست سركيس كولبنكيان الأرمني التركي أو كما يُعرف بـ«Mr Five Per Cent»، يعد أكبر سمسار نفط عرفه التاريخ، وراسم خرائط الشرق الأوسط، ومكتشف النفط في العراق والمنقب عنه. 

التقرير التالي يسلط الضوء على هذا الرجل الذي امتلك 5% من نفط العراق لمدة 40 عامًا.

سِفر البدايات

في مارس (آذار) عام 1869 ولد كالوست كولبنكيان في الجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول، قريبًا من شاطئ البسفور، وعاش طفولته في قرية هناك تدعى قاضي كوي، ثم درس اللغة الفرنسية في مدرسة القديس يوسف؛ ليسافر بعدها إلى فرنسا ويكمل دراسته في مدرسة التجارة بمدينة مرسيليا، قبل أن ينتقل إلى بريطانيا ويتخصص في هندسة النفط بجامعة «كينگز كولدج» في العاصمة لندن.

عاد كالوست كولبنكيان إلى إسطنبول عام 1887، ثم في العام التالي سافر إلى مدينة باكو بأذربيجان بطلب من والده الذي كان يتاجر في الوقود، وينقل النفط من باكو إلى إسطنبول. خلال فترة قصيرة عاشها كالوست كولبنكيان في أذربيجان تعرف على سماسرة النفط وأقام علاقات وثيقة مع رجال أعمال المدينة خاصة عائلة روتشفيلد التي كانت تسيطر على حقول النفط هناك، وألَّف كتابًا في باكو أسماه «ذكريات سفر».

عام 1892 تزوج كالوست كولبنكيان من نفارت إسيان التي أنجبت له صبيًا وفتاة هما نوبار سركيس وريتا سيڤارته، وأصبح في العقد نفسه مستشارًا اقتصاديًا لسفارتي الدولة العثمانية في باريس ولندن مستفيدًا من لغته الفرنسية وجنسيته البريطانية لكتابة تاريخه الشخصي في عالم الأعمال والاقتصاد.

كالوست كولبنكيان وزوجته

كالوست كولبنكيان وزوجته نفارت إسيان عام 1892، المصدر: pointdevue

استحوذت مقالات رجل الأعمال الشاب في التعدين والتنقيب عن النفط، على اهتمام الدولة العثمانية مع بدايات القرن العشرين، وطلبت منه وزارة المناجم تقريرًا عن حالة الآبار النفطية في العراق، ومن هنا بدأ كالوست كولبنكيان طريقه ليكون أحد أقطاب النفط في العالم؛ إذ ساهم في تأسيس «شركة النفط التركية» عام 1912، والتي كانت تضم شركة «رويال دتش شل» والمصرف الوطني التركي و«شركة المصالح الألمانية» بالإضافة إلى «شركة كالوست كولبنكيان» التي استحوذت على ما نسبته 15% من «شركة النفط التركية» التي كانت مهمتها استخراج النفط العراقي. 

أجَّلت الحرب العالمية الأولى خطط كالوست كولبنكيان بشأن استخراج النفط العراقي خاصة من حقول كركوك، وخلال الحرب روّج في باريس لفكرة إنشاء لجنة فرنسية عامة للنفط لتأخذ دور «شركة رويال دتش» والبنك الألماني ضمن «شركة النفط التركية»، وبعد انهيار الإمبراطورية العثمانية أمام الحلفاء ساهم كالوست كولبنكيان في المفاوضات التي أدت إلى توقيع معاهدتي سيڤر ولوزان بين الحلفاء وتركيا في أغسطس (أب) عام 1920.

ليست أرض النفاق! هكذا كان العراق درة في تاج الحضارة الإنسانية عبر التاريخ

اتفاقية الخط الأحمر

في إحدى اللقاءات بباريس عام 1928 بين شركاء «شركة النفط التركية» رسم كالوست كولبنكيان خطًا بالقلم الأحمر على خريطة الشرق الأوسط الجديدة محددًا المنطقة التي يسري فيها بند إنكار الذات بين الشركاء، مستثنيًا من ذلك الكويت التي ظلت تحت السيطرة البريطانية. وبند إنكار الذات هذا يُمنع بموجبه أي من المساهمين في «شركة النفط التركية» من السعي للحصول على مصالح نفطية بشكل مستقل في الأراضي العثمانية السابقة.

بعد عامين من قيام الجمهورية التركية الجديدة بزعامة مصطفى كمال أتاتورك قام كالوست كولبنكيان بدور فاعل من أجل أن تفوز «شركة النفط التركية (TPC)» بامتياز التنقيب عن نفط العراق. وبالفعل تم ذلك مقابل أن تحصل الدولة العراقية على رسم ملكية لكل طن من النفط المستخرج ولا يُشترط أن تدفع «شركة النفط التركية» هذه الرسوم في العشرين سنة الأولى.

في أكتوبر (تشرين الأول) 1927 حدث ما لم يكن متوقعًا، كركوك تطفو على بحر من النفط، وما إن بدأت الشركة باستخراج النفط حتى تفجرت الآبار وانسابت أطنان من النفط على أرض كركوك، وخاصة في حقل «بابا كركر». تسبب هذا الاكتشاف بخلاف بين الشركاء على قيمة النسب، فلجأت الشركة التركية إلى حسم الخلاف بـ«اتفاقية الخط الأحمر» عام 1928.

حصلت كل شركة مساهمة في «شركة النفط التركية»، التي تحول اسمها إلى «شركة نفط العراق» على حصة نسبتها 23.7% من الأسهم الكلية للشركة، وكانت الشركات هي «شركة النفط الأنجلو فارسية» و«شركة رويال دتش شل»، و«الشركة الفرنسية للبترول» و«شركة تنمية الشرق الأدنى». أما كالوست كولبنكيان فقد حصل على 5% من أسهم الشركة، ومن هنا ذاع صيته باسم «سيد الـ5٪». 

ظل كالوست يأخذ 5% من نفط العراق حتى جمع ثروةً طائلة، وهو مع هذا كان يمثل فرنسا تجاريًا ودبلوماسيًا في إيران ويرعى مصالحها، وفي عام 1938 أسس شركة في مدينة بنما أسمها  «بارتيكس (Partex)» ليدير من خلالها أعماله في مجال النفط.

لحظة تدفق النفط من بئر كركوك رقم واحد، 30 يونيو 1927، المصدر: ghanim-anaz

قبل النفط.. كانت تجارة الصوف والقطن

علاقة كالوست كولبنكيان ببغداد تعود إلى ما قبل استحواذه على الـ5% من نفط العراق، وتحديدًا إلى نهايات القرن 19، عندما عقدت عائلة كولبنكيان شراكة وثيقة في تجارة الصوف والقطن مع عائلة قيومجيان. لكنَّ الحدث الذي وثق بداية العلاقة بين كالوست وبغداد بشكل فعلي هو الخلاف الذي نشب بين عائلة قيومجيان والسفير الأمريكي آنذاك سوندبريك. ويعود أصل الخلاف إلى انتشار وباء الكوليرا في العراق ووصوله إلى بغداد.

عام 1891 قدمت عائلة قيومجيان وشركائها في العراق التماسًا ضد الرسوم الجمركية التي فُرضت على تطهير حزم القطن المصدرة إلى الولايات المتحدة بذريعة إيقاف انتشار وباء الكوليرا عبر المحيط الأطلسي.

التوقيعات المقدمة ضد الرسوم أظهرت تضرر مجتمع التجار من قرارات السفير الأمريكي في بغداد آنذاك، إذ قُدم الالتماس بلغات متعددة ومن قوميات مختلفة من العرب، واليهود، والأرمن، والإغريق، ومنهم على وجه الخصوص: محمد سعيد الشابندر، وإسحاق س. ديفيد، وسايدرايتس، بالإضافة إلى كيروبف قيومجيان الذي تقول الوثائق التاريخية أنه صعّب الحياة على السفير الأمريكي في بغداد لما يتمتع به من سطوة ونفوذ.

كالوست كولبنكيان.. حصانة دبلوماسية بمرتبة وزير

منحت الدولة العراقية كالوست كولبنكيان حصانة دبلوماسية بمرتبة وزير عام 1938 وكان حينها يقيم في فرنسا التي غادرها إلى البرتغال خلال الحرب العالمية الثانية، وظل كالوست كولبنكيان مقيمًا في مدينة لشبونة البرتغالية حتى وفاته في 20 يوليو (تموز) عام 1955، ونُقل جثمانه إلى مدينة لندن ليدفن في كنيسة القديس سركيس الأرمنية، وحينها قُدرت ثروته من النفط العراقي بحوالي 840 مليون دولار أمريكي ليكون أثرى أغنياء العالم.

في صبيحة 14 يوليو عام 1958 أُطيح بالملكية العراقية التي أسسها الملك فيصل الأول تحت الانتداب البريطاني، وسيطر الجيش بقيادة مجموعة من الضباط أبرزهم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف على مبنى الإذاعة، ومنها أذاع العقيد عبد السلام عارف بيان الانقلاب والسيطرة على القصر الملكي الذي انتهى بقتل الملك فيصل الثاني والعائلة الملكية، ومن ثم إعلان عبد الكريم قاسم أول رئيس في أول جمهورية عراقية.

كالوست كولبنكيان وعائلته

كالوست كولبنكيان مع عائلته، المصدر:wikimedia

نهايات الاحتكار.. بدايات التأميم

أصدرت الجمهورية العراقية الأولى القانون رقم 80 في 12 ديسمبر (كانون الأول) عام 1961 بعد ثلاث سنوات من المفاوضات مع شركة نفط العراق، والتي شارك فيها شخصيًا الزعيم عبد الكريم قاسم، وجمَّد القانون امتياز الشركة في التنقيب عن النفط العراقي بأيِّ مكان تريده من العراق، وترك لها الآبار التي نقبتها سابقًا وقد قُدرت مساحتها بـ5% فقط من المساحة الكلية في البلاد.

قبل إصدار القانون رقم 80 بسنتين؛ زار وفد من مؤسسة كالوست كولبنكيان الزعيم عبد الكريم قاسم في مكتبه بوزارة الدفاع، وعرض الوفد إنشاء مشاريع خيرية في العراق من ريع نسبة الـ5% التي ما زالت عائلة كولنبكيان تحتكرها من النفط العراقي، وبالفعل أقامت مؤسسة كالوست كولبنكيان مشاريع كبيرة في العراق، مثل ملعب الشعب الدولي ومدينة الطب والمتحف الوطني وقاعة الفن الحديث التي تُسمّى أيضًا «قاعة كولبنكيان».

تأميم شركة نفط العراق

لم تدم الجمهورية الأولى طويلًا، وانتهت بانقلاب قاده عبد السلام عارف مع ضباط وقيادات حزب البعث على عبد الكريم قاسم في 8 فبراير (شباط) عام 1963، وانتهى الانقلاب بمحاكمة صورية لعبد الكريم قاسم ورفاقه في مبنى الإذاعة والتلفزيون انتهت بإعدامهم في مكان المحاكمة؛ لتعلن الجمهورية الثانية وينصب عبد السلام عارف رئيسًا ويكلف طاهر يحيى بتشكيل الحكومة.

وفي 13 أبريل (نيسان) عام 1966 وبينما كان مع بعض وزرائه على متن طائرة سوفيتية الصنع من طراز «ميل موسكو» عائدًا من منطقة القرنة إلى البصرة؛ قُتل الرئيس عبد السلام عارف بتحطم المروحية، فأعلن تنصيب شقيقه عبد الرحمن عارف رئيسًا للجمهورية الثالثة التي سرعان ما انتهت بانقلاب قام به حزب البعث يوم 17 يوليو عام 1968 نُفي على إثره عبد الرحمن عارف إلى إسطنبول ونُصّب أحمد حسن البكر رئيسًا للجمهورية الرابعة.

استمرت النزاعات بين الجمهوريات المنقلبة على بعضها وشركة نفط العراق حتى قرر مجلس قيادة الثورة اعتقال المدير العام لشركة نفط العراق في كركوك حلمي سمارة في عام 1969 ردًا على ما أسماه حينها بتعنّت الشركة في حل الخلافات المتعلقة بحصص الدولة النفطية، وفي العام نفسه قُصف معمل التركيز الخاص بالشركة في مدينة كركوك والذي كان يعمل بطاقة إنتاجية تقدر بمليون برميل باليوم.

في خريف 1971 ساءت العلاقة بين الجمهورية العراقية وشركة نفط العراق إثر خفض الشركة لصادراتها من نفط كركوك وزيادة صادرات البصرة بسبب الانخفاض الذي حدث آنذاك في أسعار الشحن البحري الذي جعل شحن نفط البصرة الى موانئ البحر المتوسط أرخص من شحن نفط كركوك إليها، وهو ما أغضب الدولة العراقية، ووجهت على إثره الحكومة احتجاجًا شديد اللهجة إلى الشركة طالبت فيه برفع معدلات تصدير نفط كركوك إلى ما كانت عليه.

لم تنتظر الحكومة طويلًا؛ ففي يونيو (حزيران) عام 1972، أمم مجلس قيادة الثورة شركة نفط العراق وأصدر القانون رقم 69، الذي تلاه عبر الإذاعة والتلفزيون رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر وتم بموجبه نقل جميع الأموال والحقوق إلى الدولة وشركتها الحكومية الجديدة التي أطلق عليها اسم «الشركة العراقية للعمليات النفطية»، ونص القانون أيضًا على أن تُدار الشركة بكادر «شركة نفط العراق» المؤممة.

شاهد بيان تأميم النفط العراقي للرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر 

نشبت حرب أكتوبر عام 1973 بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى وكانت سببًا ليطوي العراق أخر صفحات احتكار الشركات الأجنبية للنفط العراقي؛ إذ أمَّم حصة الشركتين الأمريكيتين البالغة 23.75% من شركة نفط البصرة، وأمَّم الـ60% من حصة «شل» الهولندية من شركة نفط البصرة لقيام كل من الولايات المتحدة الأمريكية وهولندا بمساعدة إسرائيل، وكذلك تبعه تأميم حصة كالوست كولبنكيان البالغة 5% من شركة نفط البصرة لقيام البرتغال بمساعدة إسرائيل، وفي 8 ديسمبر 1975 أمَّم العراق حصة «شركة النفط البريطانية» وحصة «شركة النفط الفرنسية» البالغة 23.75% لكل منهما.

جدير بالذكر أنه منذ تصدير أول شحنة لها من نفط العراق من ميناء طرابلس في 3 أغسطس عام 1934 حتى تصدير آخر شحنة لها منه في 8 ديسمبر عام 1975 من ميناء خور العمية العميق؛ بلغ إنتاج شركة نفط العراق 1.185.3 مليون طن، أي ما يعادل 8.890 مليار برميل.

لهذه الأسباب «لعبة» أسعار النفط في 2019 تختلف عن الماضي

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد