أصبح يوم الثلاثاء، منذ انطلاق الحراك الجزائري في 22 فبراير (شباط) 2019، موعدًا للحراك الطلابي، حيث يخرج مئات من طلبة الجامعات الجزائريين في عدة مدن، أبرزها العاصمة، مطالبين بالتغيير السياسي، وبعد عودة الحراك الجزائري مؤخرًا في ذكراه السنوية الثانية، إثر انقطاعه لحوالي سنة بسبب جائحة كورونا، عاد معه الحراك الطلابي الأسبوعي، لكن قوات الشرطة هذه المرة كانت بالمرصاد لطلبة العاصمة حيث جرت ملاحقتهم والتضييق عليهم ومحاولة محاصرة المسيرة السلمية قبل بدايتها.

هذه المحاولة جعلتهم يغيّرون مسارهم المعتاد في شارع ديدوش مراد مرورًا بالجامعة المركزية، ليتّجهوا هذه المرة إلى أزقة القصبة القديمة، لتعود إلى الأذهان مشاهد من الثورة التحريرية ضد الاستعمار الفرنسي الذي مكث في البلاد 132 سنة، إذ كان حي القصبة العتيق قد شهد معارك دامية أثناء حرب التحرير (1954-1962) وتضحيات راسخة للثوار الجزائريين في حربهم ضد الفرنسيين. 

مشاهد استثنائية جعلت البعض يستذكر مشاهد الثورة، خصوصًا بعد انضمام بعض سكان القصبة إلى الطلبة في هذه المسيرة التي جابت أزقة المدينة التاريخية المصنّفة حسب اليونيسكو تراثًا إنسانيًّا، وهو ما أعطى زخمًا استثنائيًّا لحراك الطلبة.

مركز حكم العثمانيين وذاكرة السيادة على البحر الأبيض المتوسط

تقع القصبة في قلب العاصمة الجزائر، وتتشكّل من بنايات ومنازل متلاصقة تفصل بينها طرقات ضيّقة؛ وهي ذات هندسة معمارية فريدة، ويختلف المؤرخون حول من بنى المدينة تحديدًا بين اليونانيين والفينيقيين، ويرجّح البعض أن الفينيقيين عند استقرارهم بشمال أفريقيا أسّسوا هذه المدينة لتكون ملجأ لهم أثناء رحلاتهم التجارية؛ وقد صمدت هذه المدينة أثناء فترة الممالك النوميدية ثم الرومان، إلى غاية دولة الزيريين، ثم شهدت ازدهارًا وتوسّعًا أثناء الحكم العثماني للجزائر.

وقد شهدت المدينة في القرن السادس عشر بعد الدخول العثماني للجزائر بقيادة خير الدين بربروس وبابا عروج واتخاذها عاصمة لدولتهم، ازدهارًا اقتصاديًّا وتجاريًّا تزامن مع توافد الأندلسيين الهاربين من حروب الاسترداد الصليبية، وانتشر هنالك الحرفيون والتجّار، وشهدت توسّعًا في العمران والبنايات، وقد تمركز فيها، إلى جانب القاعدة العثمانيون، جنود الانكشارية وريّاس البحر.

وبسبب طبيعة المنطقة الجبلية ناحية البحر فقد جرى بناء البنايات على شكل مدرّجات، وشرع العثمانيون في تحصين المدينة من الغارات الخارجية فجرى بناء أسوار حول المدينة على شكل مثلّث، قاعدته تقابل البحر وتضمّ مجموعة كبيرة من المدافع المتوجّهة صوب البحر الأبيض المتوسط تحسّبًا لأي هجوم يأتي من الشمال، أما ضلعه الثالث فهي القصبة أي مقر الداي. 

وتخترق هذه الأسوار خمسة أبواب ضخمة تؤدي إلى وجهات مختلفة من بينها باب عزون وباب الواد وباب جديد، أما باب الجزيرة فهو الذي تخرج منه التشكيلات العسكرية البحرية، والتي بقيت شاهدة على السيادة البحرية التي فرضتها الجزائر على البحر الأبيض المتوسط طوال ثلاثة قرون، وأجبرت البلدان الأوروبية على دفع الضرائب مقابل عدم التعرّض لسفنها، كما كانت تدخل من هذا الباب الغنائم التي يأتي بها البحارة الأتراك بعد هجماتهم البحرية.

ويمكن تقسيم القصبة إلى منطقتين: المنطقة العليا التي كان يسكنها عامة الناس، أما المنطقة السفلى فقد كانت للدايات ورؤساء البحر والقناصلة الأجانب، والتي تضمّ القصور القديمة للدايات العثمانيين. 

بعد دخول الاستعمار الفرنسي سنة 1830 واحتلاله الجزائر، هدم جزءًا كبيرًا من القصبة الأصلية التي كانت تصل حدودها إلى البحر، وجعلها تتراجع إلى مؤخرة المدينة ليبني الشوارع الواسعة المطلة على البحر على الطراز الفرنسي، وبعد أن كانت القصبة تمثّل مدينة الجزائر كلّها ومحاطة بحصن من الأسوار من كل جانب، أصبحت مجرد جزء صغير من مدينة الجزائر بعد التهديم الذي طالها. 

معركة الجزائر.. حين احتضنت القصبة الثوار الجزائريين ضد الاحتلال

لا يمكن الحديث عن قصبة الجزائر العاصمة دون استحضار الحرب التحريرية، وبالضبط «معركة الجزائر» التي جرت في عام 1957، والتي عرفت فيها أزقة هذا الحيّ العاصمي ودروبه أشرس المعارك بين مقاتلي «جبهة التحرير الوطني» وقوات الاحتلال الفرنسي.

وفّرت شوارع القصبة الضيّقة ومداخلها المعقّدة بيئة مناسبة لمقاتلي الجبهة من أجل الاختفاء ومفاجأة جنود الاحتلال بين الفينة والأخرى، فهندستها المعمارية الشبيهة بالمتاهة، والتي من السهل لأي غريب أن يتوه داخلها جعلتها تقدّم الأفضلية للثوار الجزائريين على حساب الفرنسيين.

لقطة من فيلم «معركة الجزائر» 1966 الذي صوّر في حي القصبة

وتمركزت قوّات كبيرة من الفدائيين داخل بيوت سكان القصبة خلال الحرب، واختبؤوا في آبارها ومخابئها؛ وتحوّلت القصبة عام 1957 إلى مركز المواجهات المسلحة بين الجزائريين والفرنسيين؛ ممّا جعل فرنسا تستعين بفرقة المظلّيين العاشرة بقيادة جاك ماسو، والتي أُسندت إليها جميع الصلاحيات لوأد الثورة، وهو ما أدى إلى ارتكاب مجازر شنيعة في حقّ سكّان القصبة، بالإضافة إلى التعذيب الشديد الذي تعرّض له أعضاء الجبهة، وحتى الإعدامات الميدانية خارج إطار القانون.

ويؤكد المؤرخ منتصر أوبترون بأن القوات الفرنسية قد ارتكبت مجازر في حق سكان القصبة بسبب دعمهم للثوار، ورمت بعضهم إلى قاع البحر، وقد سجّلت بحسبه محافظ الشرطة الفرنسية حينها اختفاء أكثر من 3 آلاف شخص بين مارس (آذار) وأبريل (نيسان) من عام 1957، وهي نفس الفترة التي شهدت فيها المدينة «معركة الجزائر».

لقطة من فيلم «معركة الجزائر» 1966 الذي صوّر في حي القصبة

تحوّلت القصبة بفضل «معركة الجزائر» التي دارت رحاها عام 1957 إلى رمز ثوري لمقاومة الاحتلال في الوجدان الجزائري وحتى العالمي، رسّخها بشكل أكبر ونقلها للعالمية الفيلم الشهير الذي يحمل عنوان «معركة الجزائر» للمخرج الإيطالي بونتي كورفو؛ والذي جسّد بشكل شديد الواقعية تفاصيل الحرب التحريرية التي دارت في أزقة القصبة القديمة، من خلال تصوير الفيلم في مواقعه الأصلية بالقصبة، وحتى الاعتماد على بعض المقاتلين للعب الأدوار التي عاشوها، من بينهم ياسف سعدي، أحد قادة المقاومة التحريرية في القصبة. 

وقد صوّر الفيلم النهاية التراجيدية للرُباعي حسيبة بن بوعلي ومحمود بوحاميدي وعمر ياسف المدعو عمر الصغير، الذين رفضوا الاستسلام لقوات الاحتلال ليلقوا نهايتهم بعد أن فجّرت قوات الاحتلال الفرنسي البيت الذي كانوا يتحصّنون فيه. 

طالب عبد الرحمن كان أيضًا أحد أبرز شخصيات الثورة التحريرية التي نقلها الفيلم، وهو الطالب الجامعي المتخصص في الكيمياء، واستغل الطالب ذو الـ 24 ربيعًا تخصصه الجامعي في صناعة المتفجرات لصالح الثوّار الجزائريين في كل من الولاية الثالثة والرابعة؛ إلى غاية إلقاء القبض عليه في يونيو (أيار) 1957، ثم تنفيذ حكم الإعدام عليه بالمقصلة في أبريل (نيسان) 1958؛ ليتحوّل بعدها بسنوات طويلة إلى رمز للنضال الطلابي بعد انطلاق الحراك الجزائري في 2019، ويرفع الطلبة الجزائريون بعد نصف قرن من وفاته، صورته باعتباره عنوان نضال الطلاب نحو الحريّة.

طالب جزائري يحمل راية بها صورة لطالب عبد الرحمن في الحراك

وتعاني اليوم العديد من أحياء هذه المدينة التاريخية التي كانت شاهدة على أحداث مفصلية في تاريخ الجزائر من الإهمال الشديد، إذ إن العديد من مبانيها ومنازلها القديمة مهددة بالانهيار في كل حين، بل إن العديد من أجزائها قد تحولت إلى كومة من الركام المهمل، بالإضافة إلى مغادرة الكثير من الحرفيين الذين كانت تزخر بهم أحياء القصبة. ورغم أن العديد من المشاريع الحكومية قد كرست أغلفة مالية من أجل ترميم المدينة وإعادة بناياتها إلى الحياة، إلا أن وضع القصبة التاريخية يبقى كارثيًا، رغم أهميتها السياحية الكبيرة، إذ يقصدها السياح من العديد من بلدان العالم بسبب قيمتها التراثية والمنظر الذي تتيحه لمدينة الجزائر وإطلالتها المميزة على البحر.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
ياسف سعدي.. نجم فيلم «معركة الجزائر» الذي ثار ضد بوتفليقة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد