يُعد الخوف من المشاعر الإنسانية الطبيعية التي يولد بها الطفل وتساعده على فهم العالم وتطوير مهارات التكيف التي تحافظ على بقائه وحمايته من المخاطر. تتطور مشاعر الخوف بتطور المرحلة العمرية التي يمر بها الطفل باعتبارها مؤشر على تطور نمو طفلك في مساره السليم، لكن ما هو الخوف؟

تفاعلات كيميائية عصبية.. هكذا نشعر بالخوف

بحسب موقع «فري ويل مايند» فإن الخوف عاطفة إنسانية تنشأ نتيجة تفاعلات تحدث في المخ. فعندما يشعر الطفل بالخوف يرسل المخ إشارات تُنشط الجهاز العصبي فيحدث ما يعرف بـ»استجابة الهروب» والتي تظهر على شكل ردود فعل جسدية مثل التنفس السريع، وزيادة ضغط الدم، وتسارع ضربات القلب، والتعرق، ويظل المخ يرسل هذه الرسائل حتى يطمئن الطفل ويهدأ فيتوقف المخ عن إرسال هذه الإشارات.

كيف تتطور مخاوف طفلك؟

استعرضت عالمة النفس الدكتورة دارسي لاينس في تقريرها المنشور في موقع «كيدز هيلث»، المخاوف الطبيعية للأطفال وكيفية تطور الخوف في المراحل العمرية المختلفة.

Embed from Getty Images

فعندما يبلغ عمر الطفل حوالي ثمانية إلى تسعة أشهر، يخاف الوجوه الغريبة التي تطل عليه مخترقة عالمه الصغير، وبحلول الشهر العاشر وحتى عمر سنتين تحاوطه مخاوف جديدة لها علاقة بطبيعة هذه المرحلة مثل انفصاله عن والديه وقت النوم أو عند الذهاب إلى الحضانة. 

بحلول عامه الثالث وحتى خمس سنوات؛ يبدأ الطفل في مواجه مخاوف مرحلة الطفولة المبكرة، إذ ينشط خياله ويجد صعوبة في التمييز بين ما هو حقيقي وما هو متخيل، فيخاف الوحوش، والظلام، والكوابيس، والنوم بمفرده، والأصوات المزعجة.

بانتهاء مرحلة الطفولة المبكرة وبداية مرحلة الطفولة المتوسطة (الفترة من ست إلى تسع سنوات) تتغير مخاوف الطفل ويدرك الفرق بين الخيال والحقيقة ويدرك أنه لا وجود للأشباح ولا يخيفه الظلام فيخاف من الأشياء الحقيقية مثل الموت، أو غياب أحد والديه، أو من الذهاب إلى المدرسة.

عندما يكمل الطفل عامه العاشر تبدأ مرحلة البلوغ (الفترة من 10 الى 14 سنة) بمخاوف جديدة والتي غالبًا ما تكون متعلقة بطبيعة سن البلوغ والتطورات النفسية والهرمونية التي تصاحبه.

ويمكن القول إن تطور الخوف وفقًا لكل مرحلة عمرية يعد مؤشرًا على تطور نمو طفلك ونضج مشاعره، لكن ماذا إذا ظلت مخاوف الطفولة مصاحبة لطفلك حتى عتبات المراهقة؟

غالبًا ما يكون لدى الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة مخاوف محددة، ولكن مع نمو الطفل ودخوله مرحلة الطفولة المتوسطة ومرحلة البلوغ ومع دعم والديه يستطيع أن يتغلب عليها، إلا أن هناك بعض المخاوف تستمر مع الطفل إلى ما بعد العمر المتوقع، يعتبر هذا مؤشرًا على أن الطفل يعانى من الفوبيا أو الرهاب. 

ما هي الفوبيا؟

الفوبيا أو الرهاب هي نوع من اضطرابات القلق، تحدث نتيجة للخوف الشديد من موقف أو شيء معين، وتخلق شعورًا بخطر وشيك لا يتناسب مع حقيقة الموقف. يمكن أن يصاب الأطفال بها لأسباب عديدة، منها:

  • عوامل بيولوجية: حيث يُفرز الدماغ مجموعة من الهرمونات التي تتحكم في الطريقة التي يشعر بها الإنسان. ففي حالة الخوف الشديد يفرز الدماغ هرمون السيروتونين والدوبامين؛ مما يتسبب في الشعور بحالة الهلع والخوف الشديد التي تُصيب الطفل. 
  • عوامل وراثية: قد يعتقد البعض أن مشاعر كالخوف والقلق لا يمكن أن تتوارث، في الحقيقة تلعب الوراثة دورًا كبيرًا في هذا الأمر، فقد يرث الأبناء بعض أنواع الفوبيا من آبائهم.
  • عوامل بيئية: قد يؤدى تعرض الطفل لحادث مؤلم مثل موت أحد أفراد أسرته، أو انفصال والديه، أو مرض شخص مقرب له إلى شعور الطفل بالخوف الشديد، الذي قد يتطور إلى فوبيا.

وتلعب هذه العوامل دورًا كبيرًا في أن يصاب الطفل بالخوف الشديد، وأن يَعلق في مخاوفه الطفولية على الرغم من تقدمه في العمر، فيعتقد بعض الآباء أن الطفل يدّعي تلك المشاعر، لكن في الواقع هى مشاعر حقيقية تمامًا، وفي السطور التالية نذكر لك بعضها، وكيف تتعامل مع طفلك.

1. التيروفوبيا: الخوف من الوحوش

تُعرف التيروفوبيا (Tera Phobia) على أنها الخوف من الوحوش والظلام. فيعتقد الطفل أن هناك وحشًا يختبئ أسفل سريره أو وراء خزانته. وعلى الرغم من أن الخوف من الوحوش والظلام أمر شائع وطبيعي في مرحلة الطفولة المبكرة ويتلاشى مع الوقت؛ إلا أنه يصبح أمرًا غير مقبول من ناحية الأهل، خاصة عندما يصل الطفل إلى سن البلوغ وما زال يعتقد أن هناك من يختبئ أسفل سريره.

Embed from Getty Images

يصاب الطفل المصاب بهذا النوع من الرهاب بالأرق، ويُعانى من الكوابيس، ويصبح طوال الوقت مرهقًا، ولايتمكن من ممارسة حياته ومهامه اليومية والمدرسية بشكل طبيعي، وتظهر عليه أعراض مثل فقدان الشهية والصداع. ومن الضرورى معالجة هذه المشاعر وعدم تجاهلها حتى لا يتطور الأمر ويصاب الطفل باضطراب النوم الحاد.

كيف تساعد طفلك؟

1- لابد ان تصدق مشاعر طفلك، وأن تكرر ذلك على مسامعه «أنا أصدق ما تشعر به وأقدره».

2- قم بتهدئته من خلال خلق روتين يومي للنوم يتضمن قراءة قصة بسيطة مع ممارسة تمارين التنفس.

3- قدم لطفلك مصباحًا صغيرًا يساعده على النوم في إضاءة خافتة، ولكنها كاشفة حتى يشعر بالاطمئنان.

4- حاول أن تمارس تلك الحيل السلوكية حتى يستطيع طفلك التغلب على مخاوفه. 

أحيانًا لا تفلح الحلول والمساعدات التي يقدمها الأهل في مساعدة طفلهم على التغلب على مخاوفه، وهنا لابد عن طلب مساعدة متخصصة من أخصائي نفسي، أما إذا كان للخوف أساس ديني – مثل الخوف من الشيطان أو القوى الخارقة الأخرى – فقد يكون من المفيد استشارة رجل دين متخصص ليساعد الطفل في التغلب على مخاوفه.

2. الخوف من تطورات سن البلوغ

على الرغم من أنه لا توجد تسمية واضحة ومحددة لهذه الحالة إلا أن الطفل يصاب بحالة من الخوف نتيجة التطورات الجسدية والهرمونية التي تحدث له أثناء فترة البلوغ، وبسبب عدم إدراكه ووعيه لما يدور داخل جسده وخوفه من عدم تقبل المحيطين له.

Embed from Getty Images

مخاوف سن البلوغ

يبدأ الطفل في التعبير عن هذه المخاوف بطريقة غير مباشرة ويسقطها على مخاوف طفولته المبكرة، فيبدأ فجأة فيالخوف من أشياء كان قد اعتاد عليها ولم تعد تُخيفه فيخاف من الظلام، ويخاف النوم بمفرده، ويخاف من دخول الحمام بمفرده.

كيف تساعد طفلك؟

1- افتح مساحات من الحوار بينك وبين طفلك ومده بالمعلومات المناسبة لسنه حول ما يحدث له من تطورات، فقد يساعده ذلك على الشعور بالأمان أثناء عبوره مرحلة البلوغ بكل ما تحمله من تحديات.

2- مدحك الدائم للطفل يساعده على اكتساب الثقة في أفعاله ويساعده على إدارة مخاوفه بنفسه وعدم الاستسلام.

3- لا تصف طفلك بصفات سلبية كالقلق، والخوف، والجبن، من الأفضل احترام هذه المشاعر ومحاولة طمأنته.

3. الخوف من الغرباء

 يوضح دكتور جوزيف هيدريش رئيس عيادة الطب النفسي في مستشفى بوسطن بالولايات المتحدة، أن الخوف من الغرباء يعتبر من المخاوف الطبيعة التي يمر بها الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، إلا أنه في بعض الأحيان ومع تقدم الطفل في التطور والنمو تزداد هذه الحالة ويشخص الطفل على أنه يعاني من اضطراب القلق الاجتماعي.

Embed from Getty Images

طفلة تخاف أن تشارك أقرانها اللعب

فيظهر عليه مع بداية فترة البلوغ خوف شديد ومستمر من المواقف التي يتعرض فيها لأشخاص غير مألوفين، فيخاف من أن ينظر إليه أحد ويبالغ في خوفه من عدم تقبل الآخرين له. ويشكل هذا الخوف عائقًا أمام الطفل فيخشى التجمعات العائلية، ويخشى الدخول في علاقات صداقة جديدة ويميل إلى العزلة والوحدة والى تجنب أي أنشطة اجتماعية.

كيف تساعد طفلك؟

1- يحتاج الطفل الذي يعانى من اضطراب القلق الاجتماعي عادة إلى مساعدة متخصصة سلوكية من قبل أخصائى تعديل سلوك ومساعدة دوائية من قبل طبيب متخصص.

2- الدعم والرعاية الأسرية ستساعده على التغلب على مثل هذه المخاوف.

وأخيرًا لا يمكن تشخيص أي مخاوف تواجه طفلك على أنها فوبيا، فلا يجري تشخيص الفوبيا بشكل عام خاصة عند الأطفال دون سن 18 سنة، إلا إذا استمرت لأكثر من ستة أشهر، وإذا حدث ذلك ساعد طفلك؛ فالإصابة بالفوبيا ليست علامة على الضعف أو عدم النضج، إنها استجابة تقوم بها الدماغ في محاولة منها لحماية الطفل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد