على مدار الأسابيع الماضية، كان الحديث في إيران وخارجها يدور أغلبه حول الاتفاق الصيني الإيراني الذي سيستمر لمدة 25 عامًا، وبنود هذا الاتفاق الذي أثير حوله الكثير من الجدل والنقاش، وما زال مستمرًا إلى الآن. 

فى شهر يوليو (تموز) الماضي، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز»، تقريرًا بعنوان «الشراكة التجارية العسكرية بين إيران والصين، تحدي الولايات المتحدة»، تناول التقرير المسودة النهائية المكونة من 18 صفحة باللغة الفارسية، (سُربت إلى وسائل الإعلام الإيرانية والعالمية، وقد حصل «ساسة بوست» على نسخة منها، وتناولها في تقرير سابق)، والتي تحتوى على بنود هذه الاتفاقية الإستراتيجية بين طهران وبكين؛ وناقش التقرير أكثر البنود إثارة والتي منها سيطرة بكين على الموانئ الإيرانية، والتواجد العسكري الصيني على الأراضي الإيرانية.

العنوان الذي اختارته صحيفة «نيويورك تايمز»، لتناول هذا الاتفاق بين بكين وطهران؛ كان قد أوحى، بأن الشراكة الإستراتيجية طويلة الأمد بين البلدين، ما هي إلا تحدي للولايات المتحدة، ومحاولة من جانب طهران وبكين لتقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة، بجانب سيطرة بكين على الموارد الإيرانية، وهذا ما فتح الباب أمام الكثير من النقاش حول تداعيات هذه الاتفاقية على منطقة الشرق الأوسط.

لذلك نحاول في هذا التقرير الابتعاد قليلًا عن الصخب والجدل المثار حول الاتفاقية الصينية الإيرانية، في محاولة هادئة لاستكشاف أهم البنود المثيرة للاهتمام بها، والأثر الجيوسياسي لهذا التعاون طويل الأجل على المنطقة، وتأثيرها على توسع النفوذ الصيني في الخليج على أثر هذه الاتفاقية، مستعينين بعدد من الخبراء والمسؤولين الإيرانيين، الذين تحدثوا إلى «ساسة بوست».

إيران والصين و«تاريخ قديم» من العلاقات الدبلوماسية القوية

فى ذروة تفشى فيروس كوفيد-19 في الجمهورية الإيرانية الإسلامية، وبعد الحديث المثار عن وصول الفيروس القاتل لإيران عن طريق بعض الطلاب الصينيين الذين يدرسون بطهران، أو عن طريق استمرار الرحلات الجوية بين بكين وطهران، واتهام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جمهورية الصين الشعبية، باخفائها بيانات هامة عن تفشي فيروس كورونا، وأنه لابد من محاسبتها؛ صرح المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية حينها، كيانوش جهانبور (الذي أصيب بالفيروس)، في مؤتمر صحافي، أنه «يشك في الإحصاءات الرسمية الصينية بخصوص أعداد وفيات وإصابات فيروس كورونا لديها».

يزدجرد الثالث، مصدر الصورة: تاريخ فارس

اشتعلت الأمور بعد تصريح السيد جهانبور، وخرج كبار المسؤولين الإيرانيين لينتقدوا تصريحاته، خاصة بعد أن تلقى السفير الصيني لدى طهران، تصريحات جهانبور، وأعلن عن انزعاجه الشديد، مؤكدًا على العلاقة بين بكين وطهران، قوية، وكان من غير الصحيح الإدلاء بتلك التصريحات.

لكن المتحدث باسم وزارة الصحة لقي دعمًا كبيرًا من المواطنين الإيرانيين على وسائل التواصل الاجتماعي الفارسية، مؤكدين على أنهم يعتقدون أن السبب الأكبر في تفشى الفيروس بهذا الشكل، هو تكتم الصين بخصوصه.

لم يتراجع جهانبور عن تصريحاته، وفي المقابل، زاد السفير الصيني لدى طهران من انتقاداته؛ مما أدى إلى إقالة السيد جهانبور من منصبه، فقد وصف أحد نواب البرلمان المحسوبين على التيار الأصولي، تصريحات جهانبور بأنها مماثلة لتصريحات ترامب، وتهدف لهدم العلاقات الصينية الإيرانية.

وبعيدًا عن هذا الموقف الذي يعكس أهمية الصين لدى الحكومة الإيرانية، فلطالما تفاخر القادة الإيرانيون في أغلب المناسبات بالعلاقة التاريخية الوطيدة بين بكين والصين، معلنين أن الصين دائمًا الصديق الأقرب والأوفى لإيران.

هذا الأمر يحمل الكثير من الصحة، فللصين وإيران علاقات تاريخية قوية للغاية، فعلى سبيل المثال يحكي دانيال سيث ماركي مؤلف كتاب «الأفق الغربي للصين: بكين والجغرافيا السياسية الأوروبية الآسيوية الجديدة»، عن قوة العلاقات بين الإمبراطورية الساسانية في بلاد فارس، وإمبراطورية تانغ في الصين.

فيقول ماركي: إنه «في عام 683 وبعد أن هُزم يزدجرد الثالث آخر ملوك الإمبراطورية الساسانية في بلاد فارس على أيدي العرب، ذهب ابنه فيروز إلى بلاط تانغ، واستقر في مدينة شيان عاصمة إمبراطورية تانغ باذن من الإمبراطور، ومنح الإمبراطور الصيني، فيروز بن يزدجرد الثالث لقبًا وأصبح سفيرًا دائمًا لشيان، وشُيِّد تمثال لفيروز بالقرب من مقبرة قاوزونغ الكبيرة في مدينة شيان، وقد كتب على التمثال: ملك بلاد فارس، وقائد كل القوات الفارسية».

ازدادت قوة العلاقة بين إيران والصين، بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، فكلا البلدين خاضا ثورتين كبيرتين، بالرغم من اختلاف الأيديولوجية، إلا أن القاسم «الثوري» المشترك جمع بينهما.

ما سبب الجدل حول الاتفاقية الإيرانية الصينية الحالية؟

بالعودة إلى الشراكة الإستراتيجية طويلة الأجل بين الصين وإيران، ومنذ أن أُعلن عن توقيع حكومة الرئيس الإيراني حسن روحاني في شهر يونيو (حزيران) 2020، على المسودة النهائية للاتفاقية؛ بدأ تفسير الاتفاقية بحسابات سياسية مختلفة.

فكان أول من انتقد الاتفاقية الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، والذي انتقد علانية أمام عدد من أنصاره سرية الاتفاق الإستراتيجي، مؤكدًا على أهمية استفتاء الشعب على تعاون يدوم لمدة 25 عامًا.

Embed from Getty Images

محمود أحمدي نجاد 

وتحدث منتقدو الاتفاقية داخل إيران، عن الكم الهائل من الموارد الإيرانية التي ستُمنح لبكين وفقًا لهذه الاتفاقية، وشبه البعض الأمر بأنه استعمار صيني لإيران، التي تحتاج إلى الاموال بسبب شدة وطأة العقوبات الأمريكية، فيما ذهب البعض الآخر إلى أن الاتفاقية ما هي إلا محاولة لتحدي الولايات المتحدة، وسط تزايد التوترات بينها وبين طهران وبكين في الفترة الاخيرة.

ومما لاشك فيه أن الاتفاقية بحسب البنود المذكورة في المسودة النهائية المكونة من 18 صفحة، تتجاوز المجال الاقتصادي والعلاقات الثنائية، ولها بُعد داخلي وإقليمي؛ خاصة وأن الانتخابات الرئاسية الأمريكية على الأبواب، وهذا عنصر مهم لا يمكن إغفاله في ضوء الحديث عن التعاون الصيني الإيراني.

استثمار صيني في إيران بقيمة 400 مليار دولار

فى عام 2019 نشر تقرير يفيد بأن الصين ستقوم باستثمار يبلغ مقداره حوالي 400 مليار دولار، داخل إيران، وهذا ما جعل البعض يتحدث عن أن هذا الأمر هو ضمن الاتفاق الإيراني الصيني المطروح حاليًا، ومن الجدير بالذكر أن أكبر استثمار خارجي قامت به بكين، كان يقدر بحوالي 62 مليار دولار، ضمن الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان.

يقول مسئول بارز في الحكومة الإيرانية ومطلع على مسار الاتفاقية لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته: «الرقم المطروح لحجم الاستثمارات الصينية في إيران عار تمامًا من الصحة، رقم يفوق استثمارات الصين في الشرق الأوسط بأكمله، لا يمكن تصديقه»، والمسودة النهائية المسربة، والمكونة من 18 صفحة باللغة الفارسية، لا تحتوي على أرقام محددة لحجم الأنشطة الاستثمارية الصينية المقررة في إيران.

على جانب آخر يخشى البعض ممن تحدثوا عن استثمار الصين لمليارات الدولارات في إيران بموجب الاتفاقية الجديدة أن تكون تلك الأموال الطائلة سببًا في إغراق الجمهورية الإيرانية الإسلامية في الديون.

يقول الخبير الاقتصادي الإيراني علي أصغر زرجر لـ«ساسة بوست»: «هناك أمثلة عديدة لاستثمارات صينية هائلة في الدول النامية، وفي النهاية لم تستطع حكومات تلك الدول سداد ديونها، والمقابل كان حصول الصين على المزيد من الامتيازات، وهذا ما نخشاه في الحالة الإيرانية».

Embed from Getty Images

يبرهن السيد زرغر على كلامه، بمثال على ما فعلته الحكومة الصينية في دولة سريلانكا، عندما قامت بكين بتطوير ميناء تجاري هناك، ولم تستطع الحكومة السريلانكية سداد ديونها، فصادرت الشركات الصينية آلاف الهكتارات من الأراضي حول الميناء.

تلك المخاوف التي رددها الخبير الاقتصادي على أصغر زرغر، وآخرون داخل إيران جراء حجم الأموال الصينية التي سيتم ضخها في الأسواق الإيرانية، نفتها النخبة السياسية الإيرانية بكل الطرق، خاصة مع عدم ذكر أية إشارات محددة في الوثيقة المسربة عن حجم التخصيص المالي.

يقول النائب البرلماني الأصولي محمد على رضا، لـ«ساسة بوست»: «اطلعنا على المسودة النهائية للاتفاقية، وأؤكد أنه لا يوجد اى ذكر لآليات التنفيذ أو الموارد المالية المخصصة لهذه الأمور، ولا أعلم من أين يأتي الناس بقصة 400 مليار دولار».

التواجد العسكري الصيني والموانئ الإيرانية

علاقة الصين بالشرق الأوسط ليست جديدة، لكنها مستمرة منذ العصور القديمة، وكان الدافع الأساسي والأهم في تلك العلاقة بالنسبة إلى الصين، هو التجارة والاستثمار مقابل الحصول على الطاقة.

عندما خرجت المسودة النهائية للاتفاقية الصينية الإيرانية طويلة الأجل إلى العلن، أشيع حولها العديد من الأمور المثيرة للقلق، فقد انتقد نجل الشاه بهلوي، ملك إيران المخلوع، والمقيم بالولايات المتحدة؛ ما أسماه التواجد العسكري الصيني على الاراضى الإيرانية، قائلًا: «ستكون بلادنا مستعمرة صينية».

يرجع هذا الأمر إلى ما أثير في تقرير «نيويورك تايمز»، حول احتواء المسودة النهائية على بند يشترط تواجد 5 آلاف جندي صيني لحماية الاستثمارات الصينية داخل إيران، وهو الأمر نفاه وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف مرارًا وتكرارًا.

اتسعت تلك الشائعة لتشمل أخبارًا تفيد بنشر الصين قاذفات طويلة المدى، وطائرات مقاتلة على المطارات الإيرانية، ومع ذلك لا يوجد أي ذكر لنشر تلك الأسلحة أو الجنود الصينيين في مسودة الاتفاقية.

ويمكن القول إن الصين تعلمت الدرس جيدًا من النموذج الأمريكي وتدخله في منطقة الشرق الأوسط، فهى لا تتبع نهج السلام الديمقراطي الذي يصطحب معه القوات العسكرية والأسلحة، وإنما تسعى إلى السلام التنموي، بعيدًا عن أي صراعات عسكرية. ومن الجدير بالذكر أن الحكومة الصينية لم تلجأ إلى بناء قواعد عسكرية خارجية لها إلا في جيبوتي عام2017 .

Embed from Getty Images

يقول المسئول الحكومي، في حديثه لـ«ساسة بوست»، معلقًا على هذا الأمر: «كيف يمكن أن يتصور أي مواطن إيراني أن حكومته ستسمح بتواجد عسكري أجنبي على أراضيها، ونحن نعارض التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، هذا أمر لا يمكن القبول به».

لكن لدى المحلل الاقتصادي جلال خوش جهره، والمؤيد للاصلاح، رأي آخر، فيقول لـ«ساسة بوست»: «تنوي الصين الاستثمار في موانئ حيوية في إيران، وطبقًا للنموذج الصيني في العديد من البلدان، فإن بكين تلجأ إلى شكل مستتر يكون عبارة عن ما تطلق عليه «شرطة صناعية»، لحفظ أمان استثماراتها خاصة في الموانئ والطرق».

أمر (أو شائعة)، التواجد العسكري الصيني داخل الجمهورية الإيرانية الإسلامية، يمكن تفسيره على ضوء قيام بكين بتطوير ميناء جاسك ذي الأهمية البالغة بالنسبة لإيران.

ففي 16 يوليو أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني أن ميناء جاسك سيصبح نقطة تحويل النفط الرئيسة في البلاد، وبحسب المسئولين الإيرانيين فإن تطوير ميناء جاسك من ضمن الصفقة الصينية الإيرانية المرتقبة.

يجادل البعض خارج إيران، بأن إيران تنوي التعاون مع الصين لتطوير ميناء جاسك، لجعله نقطة إستراتيجية تتحكم في مضيق هرمز من خلاله، بينما يجادل مؤيدو الاتفاقية داخل إيران، بأن الأمر ليس له علاقة بالتحكم أو إغلاق مضيق هرمز، كل ما في الأمر أن تطوير هذا الميناء سيقلل من المسافة التي تقطعها الناقلات النفطية الإيرانية.

ويرى المحلل السياسي الأصولي جعفر بلوري، أن تطوير الصينيون لميناء جاسك أمر حيوي بالنسبة لإيران، فيقول لـ«ساسة بوست»: «كل ما يشاع عن سيطرة الصين على ميناء جاسك، محض هراء، القصد من تطوير الميناء تقليل مسافة شحن النفط الإيراني، وهذا أمر مشروع بالنسبة للإيرانيين والصينيين الذين يستوردون من طهران النفط».

وفى السياق نفسه تعتبر الصين مضيق هرمز أمر بالغ الأهمية لتواجدها الاقتصادي في إيران، حيث يشحن الجزء الأكبر من وارداتها من الطاقة عبر هذا الممر الإستراتيجي.

بجانب ميناء جاسك الحيوي، هناك ميناء آخر يمثل أهمية كبيرة في هذه الاتفاقية، وهو ميناء تشابهار، ففى يوم 8 سبتمبر الجاري، قام وزير الخارجية الهندي جايشانكر بزيارة سريعة إلى طهران في طريقه لحضور قمة شنغهاي بموسكو، كانت هذه الزيارة التي سبقتها زيارة وزير الدفاع الهندي ولقاؤه بالجنرال أمير حاتمي وزير الدفاع الإيراني، تدور حول هدف واحد فقط، «ميناء تشابهار، وموقفه من الاتفاقية الصينية الإيرانية».

وتجدر الإشارة إلى أن ميناء تشابهار، الذي يقع في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرق إيران، هو الميناء الوحيد الذي يطل على المحيط الهندي، وهو أيضًا الرابط الرئيس بين أفغانستان وآسيا الوسطى.

منطقة الشرق

منذ شهرين
برنامج تعاون شامل.. هل تنقذ الصين إيران من أثر العقوبات الأمريكية؟

وقد تعاونت الهند مع إيران لتطوير الميناء وبناء خط سكك حديدية يربط بين الهند وأفغانستان وإيران، وأنهت الهند المرحلة الاولى من المشروع والتي تضمنت تطوير الميناء وتشغيله، ولم تكمل المرحلة الثانية التي تشمل بناء خط سكة حديد بين المدن الساحلية في الجزء الجنوبي الشرقي من إيران إلى زاهدان عاصمة مقاطعة سيستان وبلوشستان وما بعدها إلى مدينة سرخس مع تركمانستان.

ويعد هذا الربط الإستراتيجي جزء مهم من الممر الدولي بين الشمال والجنوب لإيران، والذي يعمل على تقليل الطريق القديم للتجارة بين الهند ودول المنطقة.

وعلى الرغم من سماح الولايات المتحدة للهند باستكمال المشروع، بالرغم من انسحاب واشنطن من الصفقة النووية، وإعادة فرض العقوبات على طهران في مايو (أيار) 2018، إلا أن الهند تباطأت في استكمال المرحلة الثانية.

لكن وبعد الاعلان عن الاتفاقية الإيرانية الصينية، سرعان ما قلقت الهند بشأن ميناء تشابهار، وزاد خوفها من سيطرة الصينيون على الميناء، وبحسب مصدر في إدارة الموانئ الإيرانية، تحدث إلى «ساسة بوست»، شريطة عدم الكشف عن هويته، فإن إيران كانت قد قررت، إعطاء المرحلة الثانية من تطوير الميناء إلى الصين بالفعل.

لذلك فإن المخاوف الهندية في محلها، فاستبدال إيران للهند بالصين في هذا المشروع الحيوي سيعمل على تغيير ميزان القوى في جنوب آسيا على حساب الهند بالتأكيد، وسيكون أمام بكين فرصة لربط ميناء تشابهار بميناء جودار في باكستان، والذي تعمل الحكومة الصينية على تطويره، بوصفه جزء من مبادرة الحزام والطريق.

إلى الآن، لم تحصل الهند على ضمانات كافية من الحكومة الإيرانية، بعدم إقصائها من مشروع تطوير ميناء تشابهار، ربما بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، قد تتغير الأمور من الجانب الهندي، وتعوض إيران عن تأخيرها في استكمال تطوير الميناء.

مبادرة طريق الحرير الجديد.. «الوجه الناعم للتدخل الأمريكي في المنطقة»

تعتمد الإستراتيجية الصينية تجاه الشرق الأوسط، وخاصة عند الدخول في صفقات طويلة الأمد على تطوير الموانئ وبناء الطرق والسكك الحديدية، وكل هذه الأمور تخدم في المقام الأول مشروع الطريق والحزام أو طريق الحرير الجديد.

في السنوات الماضية، وبالرغم من العلاقة الجيدة بين طهران وبكين، رفض القادة الإيرانيون بشكل غير مباشر، دخول إيران في تلك المبادرة، لكن الأمور قد تغيرت، فالاموال الصينية المتوقع إنفاقها في البنية التحتية الإيرانية المتهالكة، والفوائد الاقتصادية الناجمة عن هذه المبادرة، إيران في حاجة ماسة إليها، بعد تدمير الولايات المتحدة للصفقة النووية، وحرمان طهران من الاستثمارات الاجنبية، وإعادة فرض العقوبات التي جعلت الاقتصاد الإيراني في حالة يرثى لها.

طريق الحرير الجديد هو مشروع لإنشاء شبكة مترابطة من الطرق المائية والبرية لربط آسيا بأفريقيا بأوروبا، وبحسب المسئوليين الإيرانيين الذين تحدثوا لـ«ساسة بوست»، فإن طريق الحرير الجديد سيضع إيران عن تقاطعات للممرات التجارة؛ مما ينتج عنه انتعاش اقتصادي كبير للبلاد.

يقول المحلل السياسي الإيراني، ناصر عامري لـ«ساسة بوست»: «اتباعًا لإستراتيجية آية الله علي خامنئي بالنظر إلى الشرق، تجد القيادة السياسية الإيرانية أن المشاركة في مبادرة طريق الحرير الجديد، أمر لابد عن تنفيذه، نظرًا للمكاسب الاقتصادية الهائلة العائدة من المشروع، وبعد خيبة الأمل في الغرب».

Embed from Getty Images

لكن بعيدًا عن تأييد السيد عامري لمشروع الطريق والحزام، فهناك داخل إيران وخارجها من يرى أن الصين من أجل تنفيذ هذا المشروع الذي يعتبر بمثابة حلمها الأكبر، تحاول فرض سيطرتها الكاملة على الموانئ والطرق التابعة للبلدان الخاضعة لهذا المشروع.

ويجادل هؤلاء بما فعلته بكين في ميناء جوادر في باكستان، فيقول الباحث السياسى الإيراني سجاد باقري، المهتم بالعلاقات الإيرانية الصينية، في حديثه لـ«ساسة بوست»: «طورت بكين طريق سريع يربط غرب الصين بميناء جوادر بباكستان، وبدلًا عن مشاركة الباكستانيين في المشاريع الاستثمارية على هذا الطريق؛ استحوذ الصينيون على كافة المشاريع دون إعطاء أي قيمة للعمالة الباكستانية».

وبعيدًا عن المخاوف الاقتصادية، من دخول إيران ضمن مشروع طريق الحرير الجديد، فهناك أيضًا مخاوف سياسية، يعتقد الكثيرون وخاصة خارج إيران أن مشروع الحرير الجديد ليس سوى توسيع للنفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري للصين في العالم.

على سبيل المثال يخشي حسن هاني زاده، المحلل السياسي الإيراني، من أن تصبح مبادرة الطريق والحزام أداة لتأجيج الصراعات في الشرق الأوسط، وأنها الوجه الناعم للتدخل الأمريكي في المنطقة.

فيقول السيد هاني زاده لـ«ساسة بوست»: «لا يمكن فصل الاتفاقية الإستراتيجية بين الصين وإيران، عن مبادرة الحزام والطريق، فخطوات بكين في الشرق الأوسط من أجل تحقيق تلك المبادرة وشراكتها مع إيران مستغلة عمقها الجغرافي، توفر لبكين موطئ قدم جيوستراتيجي في موقع مهم».

الحديث عن مبادرة الحزام والطريق، ودور الاتفاقية الصينية الإيرانية في تحقيق هذه المبادرة، يقودنا بالتأكيد لمحاولة فهم التداعيات الجيوسياسية لهذه الاتفاقية على منطقة الشرق الأوسط، في ظل تزايد التوترات اللاعبين الإقليميين البارزين في المنطقة.

تعاون الصين مع إيران والعلاقات الإستراتيجية في المنطقة

تتبع الصين منذ السبعينات سياسية السلام والمصالحة مع جميع دول العالم، وابتعدت عن الصراعات العسكرية، واتجهت أكثر واكثر إلى الاستثمار وتعزيز قوة التجارة في علاقاتها مع العالم.

في العقدين الماضيين على وجه التحديد، عملت الصين على تعميق العلاقات بين البلدين الأكثر تنافسًا في منطقة الشرق الأوسط؛ المملكة العربية السعودية، وإيران، ومع الثورة الصناعية في بكين، وزيادة الطلب على الطاقة، وجدت الصين في الشرق الأوسط مصدرًا مهمًا للنفط.

فمنذ أواخر التسعينات، كانت 50 % من احتياجات الصين النفطية تأتي من الشرق الأوسط، وفي العقدين الماضيين زادت واردات الصين النفطية من المملكة العربية السعودية بشكل هائل، على سبيل المثال سجلت الواردات الصينية من السعودية في مايو 2020 رقمًا قياسيًا قدره 2.16 مليون برميل يوميا.

لكن وفقًا للسياسة الصينية المتمثلة في تنويع مصادر الطاقة، وعدم الاعتماد على مورد واحد، كان إيران عاملًا لجذب الحكومة الصينية، بعيدًا عن أي خلافات سياسية بين البلدين.

يقول الباحث السياسي في العلاقات الإيرانية الصينية، سجاد باقري لـ«ساسة بوست»: «تدرك الصين جيدًا أهمية مكانة إيران كقوة إقليمية بجانب السعودية والإمارات، لذلك ترغب في استخدام تلك القوة الإقليمية لتوسيع علاقاتها الاقتصادية دون التحالف مع طرف دون الآخر».

دولي

منذ سنة واحدة
كيف تسعى الولايات المتحدة إلى مواجهة خطة «طريق الحرير الجديد» الصينية؟

وتتمتع بكين بعلاقات جيدة مع جميع الأطراف (المملكة العربية السعودية، إسرائيل، الإمارات العربية المتحدة، وإيران)، لذلك فإن المخاوف من تأثير الاتفاقية الصينية الإيرانية على ميزان القوى في المنطقة، وتأثيرها على المملكة العربية السعودية بالأخص، يبدو أنه ميلودراما من قبل الولايات المتحدة.

وفي سياق متصل، كان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قد صرح في لقاء تلفزيوني مع شبكة «فوكس نيوز» في شهر أغسطس (آب) الماضي، تعليقًا على الاتفاقية بين طهران وبكين قائلًا: «إن الصفقة الصينية الإيرانية المرتقبة، ستضع أموال الشيوعين في أيدي الحرس الثوري الإيراني، ودخول الصين إلى إيران سيؤدى إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط وسيعرض إسرائيل، والمملكة العربية السعودية، والإمارات للخطر».

لكن بكين تبدو أذكى من الانجرار إلى دوامات الشرق الأوسط كما فعلت الولايات المتحدة، فدائمًا ما تبنت الصين سياسية التكيف مع الظروف العالمية وتعلمت كثيرًا من التكاليف الهائلة الناتجة عن الانحياز لطرف ما في النزاع في الشرق الأوسط، فهي تدعم الهيمنة التجارية واستخدام القوة المالية بدلًا عن اللجوء إلى التكاليف العسكرية.

فالتهديد الأمريكي من الصفقة الإيرانية الصينية، وتداعيتها على دول الخليج تبدو غير ممكنة على الأقل في المستقبل القريب، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد أن بكين توطد علاقاتها الاقتصادية بالمملكة العربية السعودية، أكثر من إيران.

ففى عام 2018 عندما انسحبت واشنطن من خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران، أو ما يعرف باسم الصفقة النووية، كان حجم التجارة المشتركة للصين مع المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وإسرائيل، أكبر بثلاث أضعاف ونصف من تجارتها مع إيران.

ونجحت الجمهورية الصينية الشعبية – حتى الآن – في خلق علاقات متوازنة بين أطراف الصراع في الشرق الأوسط، فالجميع في الخليج يريد استمرارية الاستثمار مع شريك تجاري قوي مثل بكين، والجميع في منطقة الشرق الأوسط، يريد الاستفادة من مبادرة الحزام والطريق، لذلك تضع بكين إستراتيجية اقتصادية محكمة للتعامل مع الجميع.

لكن هذا لن يمنع من استخدام الصفقة بشكل سياسي في بعض الأحيان، ومن كلا الطرفين، فالاتفاقية الصينية الإيرانية، عكست فشل إستراتيجية الضغط الاقصى لترامب، وفشلها ليس فقط في تركيع إيران وجلبها إلى طاولة المفاوضات، ولكن فشلت في عزل الجمهورية الإيرانية الإسلامية.

لذلك فمن الممكن أن تستخدم بكين البطاقة الإيرانية، في حالة استمرت التوترات بينها وبين الولايات المتحدة، وبالتالى، يمكن لإيران أيضًا، أن تستخدم علاقاتها الإستراتيجية طويلة الأجل مع بكين كورقة ضغط في أي مفاوضات مستقبلية مع الولايات المتحدة، خاصة وأن واشنطن ترى هذه الاتفاقية كتحد صريح لها في المنطقة، ورغبة متبادلة من الجانبين الإيراني والصين، لإزاحتها من المشهد، خاصة مع رغبة الولايات المتحدة بسحب قواتها العسكرية من الشرق الأوسط تدريجيًا.

«الموت للصين».. البعد الاجتماعي للصفقة الإيرانية الصينية

من ضمن الانتقادات الشعبية داخل إيران والموجهة للاتفاقية الصينية الإيرانية لمدة 25 عاما، كان تشبيه الاتفاقية بـ«امتياز رويتر» لعام 1872، الامتياز الذي منح رجل الاعمال البريطاني جوليوس رويتر السيطرة على طرق وموارد إيران.

وهذه الانتقادات ورفض البعض داخل إيران لهذه الاتفاقية، بما حدث في عام 2009، في أثناء مظاهرات الحركة الخضراء، التي اندلعت احتجاجات على نتيجة الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها، حينها هتف المتظاهرون الإيرانيون «الموت للصين»، عندما وجدوا أن قنابل الغاز المسيل للدموع، مصنوعة في الصين.

Embed from Getty Images

يقول الصحافي الإيراني المستقل، مجيد سعيدي لـ«ساسة بوست»: «لجات الحكومة الإيرانية إلى الصين، لشراء انظمة التكنولوجيا لمراقبة النشطاء السياسين، وحجب الإنترنت عن الإيرانيين، ووسائل تتبع المتظاهرين».

تتضمن المسودة النهائية للتعاون الإستراتيجي بين الصين وإيران، التعاون في العديد من المجالات، لكن هناك مجال يثير القلق لدى قطاعات كبيرة من الإيرانيين، ألا وهو التعاون في تطوير قطاع الاتصالات، تنص الوثيقة على تطوير بكين للبنية التحتية للاتصالات، شبكة 5G والخدمات الأساسية مثل محركات البحث وتطبيقات المراسلة وخوادم استقبال وتخزين المعلومات.

يقول سعيدي «ستقوم الصين بتزويد إيران بجدار الحماية الإلكترونية التي صممته بكين لفصل الشعب عن شبكة الإنترنت العالمية؛ مما سيزيد من عزلة الشعب الإيراني»، كما أن هناك بعدًا آخر في ضمن الانتقادات المجتمعية داخل إيران الموجهة للصفقة، يتمثل في رفض المنتجات الصينية من الأساس.

قبل التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني، كانت صادرات النفط الإيرانية إلى الصين، مصدر اقتصادي حيوي بالنسبة لإيران، وفي ظل العقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية التي كانت مفروضة على إيران وذروتها في عام 2012، لجأ كلا البلدين إلى نظام المقايضة، فأُغرقت الأسواق الإيرانية بالبضائع الصينية دون المستوي مقابل النفط.

يقول الباحث السياسي الإيراني، سجاد باقري لـ«ساسة بوست»: «حينها تضررت المنتجات المحلية الإيرانية، واستاء المواطنون الإيرانيون من سيطرة المنتجات الصينية التي لم تلق إعجابهم، وهذا ما يخشاه البعض حاليًا».

هل الصين صديقة إيران حقًا؟

لا يمكن إنكار العلاقات الجيدة بين الصين وإيران، لكن هناك من يعتبرها أنها ليست بالقوة التي يتصورها القادة الإيرانيون، وإنها علاقة قائمة على البحث عن المصلحة الصينية في كثير من الأحيان، دون النظر إلى مصلحة الشريك الآخر.

 لا ينكر الصحافي الإيراني حسين باستاني في مقاله المنشور على موقع بى بى سى باللغة الفارسية، الدور الإستراتيجي للحكومة الصينية في دعم طهران في كثير من الأوقات، لكنه يسرد أيضًا العديد من جوانب العلاقات غير المذكورة في السرد الإيراني بخصوص صداقة الصين مع إيران.

وبخصوص السردية المتعلقة بمساعدة الصين لإيران في حربها ضد العراق في الثمانينات، وتزويدها لإيران بالاسلحة في وقت وقفت فيه الولايات المتحدة والدول العربية بجانب صدام حسين، يقول باستاني: إن الصين قد باعت الأسلحة لكل من إيران والعراق.

وفي حين أن إجمالي صادرات الأسلحة الصينية إلى إيران في أثناء حرب الثماني سنوات، كانت تقدر بحوالي 1.843 مليار دولار؛ باعت الصين للعراق اسلحة بقيمة اكثر من 5 مليار دولار، أي ثلاثة أضعاف ما باعته إلى إيران، لذلك وبحسب باستاني فإن المساعدة الصينية للجمهورية الإيرانية الإسلامية دائمًا ما تتأثر بالمصالح الاقتصادية المباشرة لبكين، وأنها بعيدة عن شكل التحالف الإستراتيجي القوي الذي يتصوره القادة في إيران.

أخيرًا.. هل ستتحقق الاتفاقية الإيرانية الصينية؟

في مايو 2018 عندما انسحبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الصفقة النووية مع إيران، وفرضت عقوبات اقتصادية على طهران، وأخرى ثانوية على كل من يتعامل تجاريًا مع الجمهورية الإيرانية الإسلامية، أعلنت الصين أنها ترفض الانسحاب الأحادي الجانب، وترفض إعادة فرض العقوبات على طهران.

حينها سافر على أكبر ولايتي مستشار الزعيم الإيراني آية الله على خامنئي، للسياسة الخارجية، إلى الصين وروسيا، باعتبارهما الحلفاء الاساسين لطهران وفور عودته صرح قائلًا: إن «روسيا والصين ستستمر في التجارة مع إيران، حتى لو فرضت الولايات المتحدة عقوبات ضدهم بشكل مباشر».

ماري ترامب

لكن هذا لم يحدث، فالبرغم من رفض الصين للعقوبات الأمريكية على إيران، انسحبت العديد من الشركات الصينية من السوق الإيراني خوفًا من العقوبات الثانوية الأمريكية، على سبيل المثال، انسحبت الحكومة الصينية من صفقة بقيمة 5 مليار دولار لتطوير حقل بارس الجنوبي. وبالرغم من كون الصين هي أهم وأكبر مشتر للنفط الإيراني، فقد تراجعت واردات الصين من النفط الإيراني بنسبة 88.9% في بحلول عام 2020.

وبما أن بكين تكاد تكون صامتة تمامًا بشأن الأخبار المتعلقة بالاتفاقية الإستراتيجية بين الصين وإيران لمدة 25 عاما، والتصريحات القادمة من الحكومة الصينية بخصوص هذه الاتفاقية تكاد تكون نادرة وغير واضحة، فيكون أمامنا سؤال مهم، كيف يمكن تحقيق هذه الاتفاقية؟ وهل ستخرج من كونها مبادئ للتعاون الإستراتيجي بين البلدين، إلى صفقة إستراتيجية ضخمة بالفعل؟

يقول الباحث السياسي الإيراني في العلاقات الصينية الإيرانية، سجاد باقري لـ«ساسة بوست»: «الأمر مرهون بنتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، إذا فاز ترامب بفترة ولاية ثانية، ولم يحل خلافاته مع الصين، يمكن التنبؤ بتحقيق الاتفاقية الإيرانية الصينية، أما إذا حدث العكس حتى مع فوز ترامب وتهدئة التوترات بين واشنطن وبكين، فمن غير المتوقع أن تُنفذ كافة بنود المسودة النهائية للاتفاقية، وسيكون هناك حديث آخر».

إجابة السيد باقري، تحيلنا إلى ماذا سيحدث إذا فاز ترامب بفترة ولاية ثانية، ولم تخف حدة التوترات بين بلاده والصين وإيران في نفس الوقت، كيف يمكن أن تهرب الشركات الصينية من العقوبات الثانوية الأمريكية، خاصة أن الجانب الإيراني لم يطرح أي حديث عن الآلية القانونية التي ستلجأ لها البلدان للهروب من العقوبات الأمريكية.

لكن بشكل عام تحتاج إدارة الرئيس حسن روحاني، لتنفيذ هذه الاتفاقية بشتى الطرق، وإنقاذ البلاد من شفا الانهيار الاقتصادي، خاصة وأن لدى كلّ من بكين وطهران أسبابًا كثيرة للتعاون واسع النطاق، إلى جانب أنه لا يمكن التكهن بكافة عيوب ومزايا الاتفاقية في شكلها الحالي، وربما في المستقبل القريب، تظهر أمور أخرى، فالتواجد الصيني في المنطقة آخذ في التوسع، وبصمة بكين في الشرق الأوسط تزداد نموًا في الأيام القادمة.

دولي

منذ 3 أسابيع
مترجم: خطة جو بايدن لإصلاح أكبر مشكلات العالم.. كيف سيتعامل مع الصين؟

المصادر

تحميل المزيد