أفضت الاحتجاجات التي اندلعت في سريلانكا ضد نظام حكم آل راجاباكسا تحت وطأة سلسلة انهيارات متزامنة ومتلاحقة إلى إسقاط حكومة رئيس الوزراء، ماهيندا راجاباكسا، في مايو (أيار) 2022، بعد أن تخلفت سريلانكا لأول مرة في تاريخها منذ صارت دولة مستقلة عن سداد ديونها. ثم تفاقم الوضع الداخلي مع اقتحام المتظاهرين السريلانكيين المقر الرئاسي في كولومبو، بعد فرار الرئيس إلى قاعدة عسكرية، ومن ثمّ السفر إلى المالديف، حيث استقلّ من هناك طائرة تابعة للخطوط الجوية السعودية، متوجّهًا إلى سنغافورة. 

بالتزامن مع تصاعد الأحداث داخليًا تصدرت عناوين الأخبار ديون سريلانكا الخارجية التي وصلت 51 مليار دولار، فيما كانت الصين حاضرة بقوة في الخلفية، في إشارة لما أطلق عليه الغرب سياسة «فخ الديون» التي استخدمتها الصين للإيقاع بسيرلانكا في براثن الإفلاس.

 على جانب آخر كان غياب الصين عن المشهد في كولومبو أمرًا مثيرًا لحيرة الكثيرين، وبدأ سؤال «هل ستترك الصين حلفاءها القدامى يسقطون؟»، في إشارة إلى «آل راجاباكسا». 

فمع اقتحام المتظاهرين السريلانكيين المقر الرئاسي في كولومبو لم تصدر السفارة الصينية أيّ بيانات رسمية، أو حتى تغريدات. ولم تقدم وزارة الخارجية الصينية أيّ تعليق، على عكس دول أخرى مثل الهند، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، التي لم تكتف بالمتابعة في صمت. 

وأخيرًا وبعد السقوط المدوي لعائلة راجاباكسا التي حكمت البلاد عقدين من الزمن، وكانت تُعد حليفًا مهمًا لبكين، بدأ سؤال آخر في التجلي: لماذا اعتمدت الصين الصمت؟ وهل ستترك نفوذها واستثماراتها في سريلانكا للمجهول؟

الصين وسريلانكا.. علاقة طويلة وطيدة ذهبت أدراج الرياح

شغل أفراد عائلة راجاباكسا مناصب عامة في سريلانكا لأكثر من نصف قرن، فالجيل الحالي الذي يضم ماهيندا راجاباكسا، وجوتابايا راجاباكسا، وكليهما كان رئيسًا، أحفاد دون ديفيد راجاباكسا، الذي شغل منصبًا قويًا عندما كانت سريلانكا تحت سيطرة الإمبراطورية البريطانية، بينما كان والدهما نائبًا لرئيس البرلمان السريلانكي بعد استقلال البلاد، وشغل العديد من أفراد الأسرة مناصب حكومية رفيعة، بل يمكن القول إن الأسرة استولت تقريبًا على زمام السلطة السياسية في سريلانكا خلال هذا القرن.

مصدر الصورة: تاميل جارديان

على جانب آخر تمتعت الصين بعلاقة طويلة مع سريلانكا بشكل عام، وعائلة راجاباكسا بشكل خاص؛ إذ ربما لا يتذكر الكثيرون أنه في العقود القليلة الأولى من وجودها تورطت جمهورية الصين الشعبية مثلها مثل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في العديد من بلدان العالم الثالث، لكن سياسة الصين من الكفاح المسلح تغيرت في خمسينات وستينات القرن الماضي، بالتزامن من الحرب الباردة ومبادرة الولايات المتحدة لاحتواء الصين والتفرغ للاتحاد السوفيتي، وبالفعل تكللت تلك العلاقة باستضافة الرئيس الصيني ماو لنظيره الأمريكي نيكسون عام 1972. 

وعليه خففت بكين من حدة خطابها الناري، ودعمت مجموعة منتقاة من الأنظمة في الجنوب العالمي، والذي كان من بينها رئيس الوزراء السريلانكي، سيريمافو باندارانايكي، وقمع التمرد الشيوعي لجاناثا فيموكثي بيرامونا عام 1971.

كانت سريلانكا من بين أوائل الدول غير الشيوعية التي اعترفت بالصين بعد انتهاء الحرب الأهلية الصينية، وصانت بكين الجميل، وأصبحت حليفًا مهمًا لكولمبو، خلال الحرب الأهلية في سريلانكا عندما كان غوتابايا راجاباكسا وزير دفاع أخيه ماهيندا راجاباكسا.

وعلى الرغم من قرب غوتابايا من الولايات المتحدة الأمريكية التي كان يحمل جنسيتها، استعان الأخوان بالصين لإمدادهم بالأسلحة. وفي هذه الفترة صعدت أسهم غوتابايا بعد أنّ لعب دورًا محوريًا في حسم المعركة ضد نمور التاميل، خصوصًا بين 2005 و2009، في حرب قتل فيها مئات الآلاف، ما جعل منه بطلًا قوميًا في نظر أبناء قوميته السنهالية.

يد الصين الممدودة لسريلانكا لم تقتصر على الدعم العسكري فقط، بل دبلوماسيًا أيضًا. فعندما وصلت أنباء إلى الأمم المتحدة عن استخدام الأسلحة الثقيلة، بالإضافة إلى الفظائع التي ارتكبها الجيش السريلانكي في حملته ضد نمور التاميل، أعاقت الصين الجهود المبذولة لإصدار بيان تحذير من الهجمات على المدنيين. وعندما حاولت المكسيك وضع سريلانكا على جدول أعمال المناقشة الرسمية للأمم المتحدة، أبعدتها الصين عن ذلك، وعندما انتهت الحرب بانتصار الحكومة عام 2009، شكر الرئيس السيلاني ماهيندا راجاباكسا الصين علنًا على مساعدتها في الحرب.

أما من من الناحية الاقتصادية فقد أقامت الحكومة الصينية علاقات قوية مع سريلانكا بشكل عام، ومع عائلة راجاباكسا بشكل خاص؛ فعلى مدى العقد ونصف العقد الماضيين، استثمرت الصين مليارات الدولارات في سريلانكا. ووفقًا لبيانات من مركز الأبحاث البريطاني «Chatham House»، استثمرت الصين 12.1 مليار دولار بين عامي 2006 و2019 في سريلانكا، ومنذ عام 2013 زادت الصين بشكل تدريجي من وجودها وتأثيرها في سريلانكا من خلال «مبادرة الحزام والطريق (BRI)».

Embed from Getty Images

كذلك دعمت الصين عائلة راجاباكسا؛ ففي خلال حملة ماهيندا راجاباكسا الانتخابية عام 2015، ذهب ما لا يقل عن 7.6 ملايين دولار مباشرة من شركة صينية مملوكة للدولة، إلى نفقات حملة راجاباكسا. وفي الوقت الذي دعمت الصين العائلة الحاكمة لم يكن هناك أية علاقة للصين  مع الشخصيات السريلانكية الأخرى؛ ما أظهر العائلة السياسية وكأنها همزة الوصل بين الصين وسيرلانكا، وهو الأمر الذي اتضح عدم صحته أخيرًا، بعدما تخلت بكين عن العائلة وتركتها تنهار.

وهو الأمر الذي أشار إليه الرئيس راجاباكسا حين كان يعاني تحت وطأة الديون وانهيار اقتصاد بلاده، في مقابلة مع «وكالة بلومبرج» حين قال إنّ دول جنوب آسيا التي تعاني من مشاكل مالية لم تعد الصين توليها الاهتمام نفسه، كما كانت تفعل من قبل، مشيرًا إلى أنّ الصين حولت تركيزها الإستراتيجي نحو جنوب شرق آسيا وأفريقيا، معلنًا فشل بلاده في الاستفادة من خط ائتمان بقيمة 1.5 مليار دولار من بكين.

هل نصبت بكين «فخ الديون» للدول الفقيرة؟

سبقت رتباطات الصين بسريلانكا مبادرة الحزام والطريق، إذ كان المشروع البارز هو مشروع ميناء هامبانتوتا في عام 2008، والذي استأجرته الصين من سريلانكا لمدة 99 عامًا، بعد فشل الأخيرة في الوفاء بديونها. وفي عام 2020 بلغ إجمالي قروض الصين لسريلانكا 4.6 مليارات دولار وفقًا للبنك المركزي لسريلانكا. ومع ذلك وعكس ما يجري تداوله؛ لا تمثل مستحقات الصين سوى %10 من الدين الخارجي لسريلانكا.

بالعودة إلى عام 2008 حين خرجت الصين من الأزمة المالية العالمية سالمة نسبيًا من خلال قطاع الإنشاءات، وبمجرد الانتهاء من بناء مشاريع البنية التحتية بالداخل، أدركت أنه يمكنها استخدام قدرتها الفائضة لبناء البنية التحتية في البلدان الآسيوية والأفريقية. في ذلك الوقت كانت سريلانكا قد أنهت الحرب الأهلية التي استمرت 30 عامًا، ورأت حكومة راجاباكسا في تطوير البنية التحتية وسيلة مضمونة لإطلاق الاقتصاد السريلانكي، الذي تأثر سلبًا بالحرب. 

مصدر: ساوث أسيان فويس

وبحلول عام 2009 كانت البلاد بحاجة إلى إعادة بناء الشمال والشرق اللذين مزقتهما الحرب، وبناء الطرق والموانئ والطرق السريعة لتحسين الاتصال. لكن آل راجاباكسا رأوا أيضًا في بناء البنية التحتية وسيلة لتعزيز مكانتهم وطريقة رائعة لإثراء أنفسهم. وفي المقابل لم يكن لدى الشركات الصينية التي تعمل في البلاد أيّ مخاوف بشأن بناء ما يريده آل راجاباكسا، طالما أنهم حصلوا على أجر، وهكذا بدأت سلسلة من المشاريع الصينية بين عامي 2009 و2014.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الصين في هذه الوقت تمنح قروضًا لأيّ شخص يطلبها تقريبًا، وكان لدى الشركات الصينية، سواء المملوكة للدولة أو غيرها، خبرة قليلة في الإقراض التجاري لجنوب الكرة الأرضية، والتزمت بنموذج عالي المخاطر وحجم كبير، وانتهى الأمر بتراكم الديون.

ففي عام 2022 أصبح جليًا أنّ معظم هذه الديون ليست مستدامة، وأظهرت المحاولات الأخيرة لإعادة هيكلة الديون في زامبيا مدى عدم خبرة المقرضين الصينيين وعدم استعدادهم لمنح قروض مستدامة. فبينما يصر بعض منتقدي الإقراض الصيني على أنّ بكين يمكن أن تصادر الأصول الإستراتيجية بسبب التخلف عن السداد في أوغندا، وكينيا، وزامبيا، وهو الأمر الذي لم يحدث بأيّة حال من الأحوال، أظهرت التطورات الأخيرة في زامبيا وسريلانكا أنه لا يوجد الكثير مما تستطيع الصين فعله عندما تختار الدول التخلف عن السداد.

ومن هنا تبنى المقرضون الصينيون، بما في ذلك بنك «EXIM» الصيني وبنك التنمية الصيني، مناهج إقراض أكثر حذرًا؛ فعلى سبيل المثال قال الرئيس الصيني شي جين بينغ، في كلمة له أمام منتدى التعاون الصيني الأفريقي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021: إنّ الصين ستخفض المبلغ الرئيس من الأموال التي تزودها بها أفريقيا بمقدار الثلث، كما أن بلاده ستركز على الشركات الصغيرة والمتوسطة، والمشاريع الخضراء، وتدفقات الاستثمار الخاص، بدلًا عن مشاريع البنية التحتية الكبيرة.

مصالح الصين أولًا وأخيرًا

يعد الاقتصاد درة التاج الصيني، وقد أقامت الصين صفقة كبيرة مع العالم حين جعلت في الإمكان تقديم بضائع بأسعار رخيصة، ودعمها في ذلك قلة تكلفة العمالة لديها، وهو الأمر الآخذ في التغير في ظل صعود جيرانها في تايلاند وإندونيسيا، وإن كانت الصين حتى هذه اللحظة هي المهيمن الوحيد. لكن ماذا سيحدث إذا جفت الموارد المطلوبة للتصنيع، أو حصل عليها شخص آخر أولًا، أو إذا كان هناك حصار بحري لبضائعك؟ هنا أدركت الصين أنها ستحتاج إلى تواجد كبير في المحيطات والبحار مستقبلًا، ولتحقيق هذا يلزم امتلاكها بحرية قوية حديثة.

Embed from Getty Images

 كان الصينيون مسافرين عظماء في البحر، ففي القرن الخامس عشر جابوا المحيط الهندي؛ وغامرت بعثة الأدميرال تشنغ خه حتى وصلت كينيا. لكن هذا كان تدريبا لكسب المال، لا لإسقاط للقوة، ولم تكن هذه البعثات آنذاك مصممة لإنشاء قواعد أمامية يمكن استخدامها لدعم العمليات العسكرية، لذا نجد أنها وبعد أن أمضت 4 آلاف سنة مضطربة في تعزيز كتلتها الأرضية؛ تقوم الصين الآن ببناء «البحرية الزرقاء».

ففي الوقت الذي يقوم فيه أسطول «المياه الخضراء» بدوريات على حدودها البحرية؛ يقوم أسطول «المياه الزرقاء» بدوريات في المحيطات، وهو الأمر الذي قد يستغرق 30 عامًا أخرى، بافتراض التقدم الاقتصادي للصين لبناء قوة بحرية قادرة على تحدي أقوى قوة بحرية شهدها العالم على الإطلاق، أي البحرية الأمريكية، لكن على المدى المتوسط ​​والقصير، ومع قيامها بالبناء والتدرب والتعلم، اصطدمت البحرية الصينية بمنافسيها في البحار، وتدريجيًا، سيسعى الصينيون إلى وضع المزيد من السفن في البحار عبر سواحلهم وفي المحيط الهادئ.  

وفي كل مرة يجري فيها إطلاق واحدة، سيكون هناك مساحة أقل للأمريكيين في بحار الصين، الأمر الذي يعرفه الأمريكيون، ويعرفون أنّ الصينيين يعملون من أجل بناء نظام صاروخي أرضي مضاد للسفن، لمضاعفة الأسباب التي تجعل البحرية الأمريكية، أو أيّ من حلفائها، قد ترغب يومًا ما في التفكير مليًا في الإبحار عبر بحر الصين الجنوبي، أو في الواقع ، أيّ بحر «صيني» آخر.

الجغرافيا السياسية أملت على الصينيين ضرورة توفير الوصول إلى أهم ممرات الشحن في العالم لضمان استمرار تجارتهم، فمثلًا بحر جنوب الصين في وقت السلم يكون طريقًا مفتوحًا في أماكن مختلفة، لكن في زمن الحرب يمكن أن يجري حظره بسهولة؛ مما يؤدي إلى حصار الصين.

العالم والاقتصاد

منذ شهرين
هل فاتك شيء من القصة؟ دليلك الشامل لمعرفة تفاصيل أزمة سريلانكا من البداية

كما تقضي الحال على جميع الدول وقت السلم بالاستعداد ليوم اندلاع الحرب. فمثلًا إذا جرت إعاقة الوصول المجاني إلى المحيط الهادئ من قبل اليابان، فسيتعين على السفن الصينية الخارجة من البحر الأصفر، والتي تدور حول شبه الجزيرة الكورية أن تمر عبر بحر اليابان، صعودًا عبر مضيق «لا بيروس» فوق «هوكايدو» وصولًا إلى المحيط الهادئ، وجزء كبير من هذا الطريق عبارة عن المياه الإقليمية اليابانية أو الروسية؛ وفي وقت التوتر الشديد، أو حتى الأعمال العدائية، لن تتمكن الصين من الوصول إليها.

ولأن الصين تنوي أن تصبح قوة ذات محيطين (المحيط الهادئ والهندي) فقد بدأت في الاستثمار في موانئ المياه العميقة في بورما، وبنجلاديش، وباكستان، وسريلانكا، وتعد موانئ المحيط الهندي وخليج البنغال جزءًا من خطة أكبر لتأمين مستقبل الصين، وهو استثمار يؤمن لها علاقات جيدة، وأن يكون لقواتها البحرية المستقبلية قواعد صديقة للزيارة أو الإقامة فيها، علاوة على الروابط التجارية. كما أن الصينيين يقومون أيضًا ببناء موانئ في كينيا، وخطوط سكك حديدية في أنجولا، وسدًا لتوليد الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا، في رحلة بحث مستدامة عن الموارد.

ومن كل ما سبق أدركت عائلة راجاباكسا أهمية سريلانكا الحيوية لمصالح الصين الاقتصادية والدفاعية المستقبلية، وأخذت المساعدة الصينية باعتباره أمرًا مسلمًا به؛ الأمر الذي تركها في صدمة حين لم تأت الصين لمساعدة سريلانكا خلال الأزمة الاقتصادية الحالية، وتركت حلفاءها آل راجاباكسا فريسة للشعب. 

لكن الصين التي رأت أن ورقة آل راجاباكسا قد احترقت، قررت أنها في حاجة إلى فصل علاقاتها في سريلانكا عن راجاباكسا، بعد أن كانت نقطة وصولهم الرئيسة إلى البلاد. لذا كان من الضروري على الصين، التي تريد العودة إلى ممارسة الأعمال التجارية في وقت لاحق في البلاد، القفز من سفينة آل راجاباكسا الغارقة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد