في فبراير (شباط) 2022 صدر تقرير عن «المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية» حول توجُّهات سياسة الدفاع في مختلف أنحاء العالم لسنة 2021 بعنوان «التوازن العسكري»، ويعرض التقرير معطيات تفصيلية عن توجُّهات جيوش القوى العظمى ومعلومات عن ميزانياتها وإستراتيجيات التحديث والانتشار والردع، مطعَّمة بالإحصائيات والتطوُّرات التقنية التي تعرفها القوات المسلَّحة في العديد من دول العالم.

وفي الأسطر التالية نستعرض أهم ما جاء في تقرير المعهد، الذي يعدُّ من أبرز مراكز الأبحاث في ميدان العلاقات الدولية، ويقع مقرُّه في العاصمة البريطانية لندن، حول الاتجاهات العسكرية لكلٍّ من الجيشين الصيني والأمريكي بالذات خلال السنة الماضية.

الصين.. توسيع الترسانة النووية وتطوير الصواريخ البالستية

أشار التقرير إلى اتجاهٍ صيني نحو تعزيز القدرات في ميدان الدفاع، وذلك من خلال التركيز على عملية تحديث الجيش، وتعديل القوانين الدفاعية، إذ دعا الحزب الشيوعي الصيني الحاكم إلى زيادة الجهود في ثلاث مجالات رئيسة: المكننة؛ أي استبدال الآليات العسكرية الموروثة عن العصور القديمة بأخرى ميكانيكية حديثة، والحوسبة: فيما يخص الجانب التقني المرتبط بالإنترنت، بالإضافة إلى دمج الذكاء الصناعي في منظومة الدفاع الصينية.

ويطمح الحزب الشيوعي لتحقيق هذه المنجزات ضمن رؤية سنة 2035 التي تهدف إلى خلق «صين مسالمة وآمنة»، كما عدَّلت الصين من قانونها الخاص بحرس الشواطئ الذي أصبح يُخوِّل هذا الجهاز العسكري بالقيام بمهام هجومية واستخدام الأسلحة ضدَّ «التهديدات الانفصالية» في إشارة إلى إقليم تايوان المتنازع عليه.

Embed from Getty Images
الرئيس الصيني شي جين بينج في عرضٍ عسكري

وفيما يتعلَّق بالتدريبات العسكرية، فإن الجيش الصيني تأثَّر بانعكاسات جائحة كورونا خلال السنتين الماضيتين، لكنه عاد في سنة 2021 إلى متابعة تمريناته، فما بين يناير (كانون الثاني) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أجرى الجيش 230 مناورة في المجال الجوي التايواني باستعمال 886 طائرةً جويَّة من مختلف الأصناف، من مقاتلات من نوع «KQ-200» ومروحيات وغيرها، ويُرجع التقرير دوافع المناورات الجوية في الأجواء التايوانية، لأغراض سياسية وإرسال رسائل إلى حكومة تايوان وحلفائها بالتطبيع مع الوجود الصيني في الإقليم المتنازع عليه.

ولاحظ التقرير وجود تعتيم إعلامي شديد في السنة الأخيرة حول طبيعة التدريبات العسكرية الصينية والامتناع عن تغطيتها إعلاميًّا، كما كانت تفعل بكين خلال السنوات الماضية، كما جرى حجب حسابات على مواقع التواصل الاجتماعية كانت مهتمَّةً بمتابعة هذه التدريبات، بعد أن كانت تلك الحسابات تحتفي بالتدريبات العسكرية الصينية وتروِّج لها، وهو ما فسَّره التقرير باتجاه صيني نحو السريَّة والخصوصية بصورةٍ أكبر.

وفي هذا السياق لاحظت أقمار اصطناعية زيادة في المنشأت المخصَّصة للصواريخ البالستية العابرة للقارَّات تحت الإنشاء في شمال الصين الغربي، مع زيادةٍ في وتيرة توسيع الترسانة النووية وتحديثها، والتي إذا استمرَّت بهذه الوتيرة، قد يصل حجم هذه الترسانة إلى حجم نظيرتها لدى الولايات المتحدة حسب التقرير.

وفي المقابل أثارت هذه التطوُّرات قلقًا من استخدام الصين منشآتها النووية الموجَّهة لأغراض مدنية لصالح ترسانتها العسكرية، كما أن تقريرًا للجيش الأمريكي سنة 2021 أشار إلى أن جهود الصين هذه قد ترفع من مقدرتها النووية إلى ألف رأسٍ نووي جديد بحلول سنة 2030.

ويرى التقرير أن القدرات الصينية فيما يتعلَّق بالصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية أصبح مصدر قلقٍ بالنسبة للولايات المتحدة، إذ ترى الولايات المتحدة أن الصين قامت باختبار صواريخ فرط صوتية خلال سنة 2021 وإيصالها إلى مدارٍ أرضي منخفضٍ، ثم صعودها إلى الغلاف الجوي الأعلى، وهو ما قد يُصعِّب من مهمة الولايات المتحدة في التعرف إلى أهداف هذا النوع من الصواريخ ومسارها أكثر من الصواريخ البالستية.

وتشير تقديرات إلى أن الصين ستُطلق ثالث حاملة طائرات مصنوعة محليًّا خلال سنة 2022، والتي من المتوقَّع أن يبلغ وزنها 80 ألف طن، وهي قادرةٌ على حمل 40 طائرةً مقاتلةً بالإضافة إلى المروحيات، وهو ما من شأنه إحداث تقدُّم ملموس في القدرات القتالية الجوية للصين، لكنها تبقى بعيدةً عن الدخول إلى حيِّز الاستعمال الكامل.

ويشير الجيش الأمريكي إلى أنَّ الصين تملك أكبر أسطول بحري في العالم، لكن هذا التوصيف قد تكون خلفه أغراض سياسيَّة، إذ يشير تقرير المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية إلى أن الأسطول الأمريكي يبقى الأكثر تفوقًا سواءً من ناحية العدد أم القدرات؛ لكن الصين رغم ذلك تحقق تقدمًا سريعًا وملحوظًا في تطوير قدراتها البحرية، لعلَّ أبرزها غوَّاصة مزوَّدة بصواريخ بالستية، وتعمل بالوقود النووي، والتي تملك الصين ست قطع منها.

فخلال سنة 2021، وعلى خلفية تنافسها مع الولايات المتحدة الأمريكية، سعت الصين لبناء قاعدة للصناعات العسكرية، ودعم البحث والإبداع في الميدان العسكري، ووضعت السلطات الصينية إستراتيجية تطويرية تشمل المجالات العسكرية، وكذلك الاقتصاد والحياة المدنية، وقد جاء في الخطة الخماسية للحزب الشيوعي الصيني ضرورة تأمين الاقتصاد، وبناء سوق داخلية واسعة وتأمين خطوط الإمداد والتوزيع والعرض من أجل ضمان حمايتها من الاضطرابات الدولية.

وتتضمن الخطة تحقيق الاكتفاء التكنولوجي والتحرر من «الاختناق التكنولوجي» الذي يسببه استيراد التكنولوجيا من الولايات المتحدة، ومن أجل فك الخناق من هذا الارتباط بالتكنولوجيا الأمريكية ركَّزت الخطَّة على ضرورة دعم العلوم والتكنولوجيا وذلك من خلال زيادة ميزانية البحث العلمي من 6% من ميزانية الدولة إلى 8% مع حلول سنة 2035، وإنشاء مختبرات كبرى في ميادين حديثة مثل تكنولوجيا الكم، والذكاء الاصطناعي والطاقات الجديدة.

الولايات المتحدة.. تحديث الأسطول البحري لمواجهة التهديد الصيني 

في مواجهة التطوير الدفاعي وزيادة الميزانية العسكرية في الصين، قررت الولايات المتحدة زيادة الإنفاق على ميدان الدفاع، حسب تقرير المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، إذ بلغت ميزانية الجيش الأمريكي لسنة 2021 مبلغ 715 مليار دولار بزيادة حوالي 11 مليارًا عن السنة الماضية، وتركِّز الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية بصورةٍ أكبر على تعزيز وجودها في المحيط الهندي، وزيادة إنفاقها على القوات الجوية والأسطول البحري.

ويقول التقرير إنَّ الجيش الأمريكي قلَّص من وجوده في جميع مناطق العالم عدا أوروبا والمحيط الهندي، إذ يعزم على توسيع بنيته التحتية الدفاعية هناك، لمواجهة التهديدين الصيني والروسي، وقد بدأت الإستراتيجية العسكرية الجديدة في إعادة توزيع القوَّة العسكرية الأمريكية منذ عهد الرئيس أوباما، ثم استمرَّت في عهد قائد الجيش الحالي جايمس ماتيس أثناء عهد الرئيس ترامب، ليواصل الرئيس بايدن النهج ذاته.

علوم

منذ سنة واحدة
اختراعات يشرف عليها الجيش الأمريكي قد تُحوِّل الخيال العلمي إلى حقيقة

ولم تشهد الإستراتيجية العسكرية للولايات المتحدة تغيُّرًا معتبرًا في السنة الماضية، وما زالت هي نفسها الإستراتيجية التي أقرَّتها وثائق الجيش الأمريكي مثل «الخدمات الثلاثية للإستراتيجية البحرية» ووثيقة «JADC2»؛ إلا أنَّ أبرز ما جدَّ على الإستراتيجية العسكرية الأمريكية هو اعتماد ما يسمى بـ«جيش الفضاء»، بالإضافة إلى تخلِّي «المارينز» عن دبَّاباته الرئيسة.

ومن بين أبرز الاتجاهات التي يستشرفها التقرير فيما يخصُّ إستراتيجية الولايات المتحدة لسنة 2022 الموافقة على خطَّة وزير الدفاع السابق مارك إسبر، بزيادة قوَّة الأسطول البحري الأمريكي إلى 500 باخرةٍ في حدود سنة 2045، واعتماد خطَّة وزير الدفاع الحالي لويد أوستين القائمة على «الردع المدمج»، والتي تقوم على تنسيق الجهود الدبلوماسية والاقتصادية إلى جانب العسكرية من أجل ردع الصعود الصيني، عبر التعاون في ميدان الدفاع السيبراني مع سنغافورة على سبيل المثال، والتدريبات المشتركة مع اليابان على منظومة «هيمارس» الراجمة للصواريخ.

Embed from Getty Images

البحرية الأمريكية

وفي هذا السياق بدأ الجيش الأمريكي مشروع الصواريخ فرط الصوتية الذي يحمل اسم «الصقر الأسود» في مطلع سنة 2021، والذي تقول تقديرات إن مدى صواريخه يصل إلى مدى أطول من 2775 كم، ويؤكد التقرير أنَّ ميدان الدفاع الجوي قد عانى من انكماش في هيكليته، وبرامج التحديث خلال العمليات في كلٍّ من العراق وأفغانستان، وقد بدأ تحديث هذا الميدان في التقدم من خلال الحصول على أول هيكل تجريبي لمركبات «M-SHORAD» التي تمثِّل أول خطوة في طريق تحديث الدفاعات الجويَّة.

أما بالنسبة للقوَّات البحرية الأمريكية فإنَّها ما زالت تشتبك مع سؤال الحجم وإعادة الهيكلة بالنسبة لأسطولها في المستقبل خصوصًا بالنظر إلى متطلبات الميزانية، وفي ديسمبر (كانون الأول) 2020، خرج تقرير عسكري من طرف كلٍّ من حرس السواحل والبحرية الأمريكية يسلِّط الضوء على وجود تنافسية من طرف كلٍّ من روسيا والصين، مع التركيز على المنافسة الصينية خصوصًا في ظلِّ التوترات في بحر الصين الجنوبي.

وأوصى التقرير الأمريكي بضرورة تعزيز التحالفات وتكثيف الوجود الأمريكي في بحر الصين الجنوبي بالإضافة إلى استمرار التدريبات الروتينية من أجل مواجهة التهديدات في نقاط التوتُّر – هنا ينبغي الإشارة إلى أن التقرير قد أُعدَّ قبل الغزو الروسي لأوكرانيا – ومن أجل مواجهة حضور الأسطول البحري الصيني.

وأوصى التقرير بتحديث القوَّات البحرية الهجومية وتعزيز قدراتها سواءً بالنسبة للقطع البحرية المأهولة أو الخالية من الطاقم البشري، رغم ذلك فإن هنالك غموضًا حول الموقف الأمريكي من زيادة حجم الأسطول البحري، ففي سنة 2016 كان هناك توجُّه نحو الوصول إلى 355 سفينة مقاتلة، بينما لم يتجاوز العدد حتى الآن 300 قطعة.

وفي يونيو (حزيران) 2021 صدر ملف من طرف البحرية الأمريكية يستشرف مستقبلها للثلاثين سنة القادمة، ودعا إلى توسيع الأسطول البحري إلى مابين 321 و372 سفينة مأهولة، بالإضافة إلى حوالي 77 إلى 140 سفينة غير مأهولة بمختلف الأنواع؛ لكن هذه التوقعات تبقى رهينة ميزانية الدفاع.

Embed from Getty Images
الجيش الأمريكي

وقد شهدت الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية دخول تحدِّيات جديدة غير تقليدية إلى قائمة الأخطار الإستراتيجية، وغير مرتبطة بالضرورة بالميدان العسكري، ومن بينها خطر الجوائح الصحية التي وُجِّه لها مبلغ نصف مليار دولار من طرف الجيش، بالإضافة إلى مبلغ 617 مليون دولار لمواجهة خطر التغيُّرات المناخية.

ورغم أن الجيش الأمريكي ذكر كلًّا من إيران وكوريا الشمالية وروسيا بوصفها تهديدات تستدعي زيادة الإنفاق العسكري، فإن ردع الصين يبقى التحدي الرئيس بالنسبة للجيش الأمريكي، وفي سبيل ذلك حصل على تمويلٍ من طرف الكونجرس يبلغ 5.1 مليارات دولار، كما طلبت وزارة الدفاع تخصيص مبلغ 27 مليار دولار من أجل تحديث الترسانة النووية، وما يرتبط بها من صواريخ بالستية عابرة للقارات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد