لدى الصين ثاني أكبر اقتصادٍ في العالم، وفقًا لأكثر المؤشرات الاقتصادية رواجًا وهو «الناتج المحلي الإجمالي – Gross Domestic  Product». وبالاعتماد على بيانات عام 2021، يمثل الاقتصاد الصيني قرابة 18% من الاقتصاد العالمي. ويقيس المؤشر القيمة السوقية لكل القيمة المضافة من السلع والخدمات، بشرط تبادلها أو تقييم أسعارها لمدة عام واحد.

ويشكك بعض الاقتصاديين بأرقام الناتج المحلي الصيني بقولهم إنَّها أرقام مضخمة، ولا تعبر عن واقع الاقتصاد، ومن أبرز هؤلاء الاقتصادي الأمريكي مايكل بيتيس، المتخصص بالشؤون المالية والاقتصادية الصينية، والبروفيسور في جامعة بكين الصينية.

فما مؤشر الناتج المحلي الإجمالي؟ وما أهميته في علم الاقتصاد؟ ولماذا لا يعبر عن الواقع الاقتصادي في بعض الأحيان؟

كيف يُقاس الاقتصاد الحقيقي؟ 

لا توجد طريقة قياس واحدة تعطينا نظرة شاملة عن اقتصادات الدول؛ فالاقتصاد الحقيقي مجموع كل الثروة التي تنتجها الدولة. فعلى سبيل المثال، تضيف الأعمال المنزلية للاقتصاد الحقيقي، مثل أعمال التربية والطبخ وغيرها من التي لا تباع ولا تشترى، ولكنَّ هذه الأعمال لا تقيم سعرها، رغم وجود قيمة حقيقية لها.

وجاء اختراع مؤشر الناتج المحلي الإجمالي في محاولة لتمثيل الاقتصاد الحقيقي، فهذا المؤشر يحاول احتساب قيمة الثروة التي يقوم عليها الاقتصاد، بشرط أن تكون هذه الثروة متمثلة بمنتجات أو سلع يقابلها سعر سوقيٌّ، وتجري مبادلتها مقابل النقود.

وحتى يُصبح هذا المؤشر قابلًا للمقارنة لقياس حجم الاقتصاد، يجب وضع معايير واضحة ومتشابهة تطبقها جميع الدول، وإلا سيصبح هذا المؤشر بلا معنى. ومن مشكلات مؤشر الناتج المحلي حسابه لفعاليات اقتصادية، لا تخلق القيمة في بعض الأحيان.

يضرب ماكيل بيتيس مثالًا عن بناء جسرين؛ أحدهما الهدف من بنائه حل مشكلة أزمة السير، والآخر لا يؤدي إلى أي مكان. في الحالة الأولى يصرف المبلغ لخلق أصل (Asset) مولد للأرباح، أما الحالة الثانية يعد استثمارًا غير منتج، ولا يمكن تسجيله إلا بوصفه مصاريف ضائعة.

فلماذا يرى بعض الاقتصاديين أن مؤشرات الاقتصاد الصيني مضخمة وغير معبرة عن الواقع؟ وهل يعني أن الصين شهدت نموًّا غير منتج؟ وكيف للاقتصاد الصيني حلُّ هذه المشكلة والانتقال إلى الاقتصاد المنتج حصرًا؟ 

النمو وفق الطلب

يمكن تلخيص حجة بيتيس بوصف الناتج المحلي الإجمالي ممثلًا لمخرجات الاقتصاد؛ بمعنى أنَّ جهازًا مستقلًّا في الحكومة يقيس ما حصل في الاقتصاد خلال العام الماضي، وبناءً عليه يقدر مؤشر الناتج المحلي لتمثيل الاقتصاد الحقيقي، أو ما أضافه الاقتصاد من قيمة وثروة، خلال العام الماضي. 

يقول بيتيس إن الحال في الصين معكوس، فالناتج المحلي الإجمالي يمثل مدخلات الاقتصاد، وذلك بإعلان الحكومة الصينية بداية كل عام عن الناتج المحلي الإجمالي المستهدف.

ويقاس الناتج المحلي الإجمالي بالمعادلة التالية: الإنفاق الاستهلاكي العام + الإنفاق الاستثماري + الميزان التجاري.

وبسبب ضخامة الحكومة الصينية ومركزيتها، ترفع الحكومة الإنفاق الاستثماري للوصول إلى نسبة النمو المستهدفة، حتى لو لم يكن اقتصادها قادرًا على تحقيقها.

اقتصاد

منذ سنة واحدة
ترغب الدولة في استغلاله.. هكذا يؤثر تباطؤ اقتصاد الصين على العالم؟

يضيف بيتيس أنَّ المشكلة تبدأ من نسبة النمو المستهدفة، والتي تُنقل بدورها إلى الحكومات المحلية في الصين، المسؤولة عن تحقيقها. وبطبيعة الحال ليس مقبولًا فشل الحكومات المحلية، أو ترك الأمور تجري بالطريقة الطبيعية التي كان سيصل إليها الاقتصاد دون تدخلات خارجية. 

ووفق من يرى أنَّ الاقتصاد الصيني مُضخم، فهم يفرقون بين الاقتصادات التي تعمل ضمن «قيود ميزانية صعبة – Hard Budget Constrains»، ومن تعمل ضمن «قيود ميزانية سهلة – Soft Budget Constrains».

أما الأولى تضع قيودًا كبيرة على الإنفاق، بحيث تستطيع الوحدات الاقتصادية إنفاق المال الذي تملكه وفقط، أو من الديون التي تستطيع إنفاقها على مشروعات تدر دخلًا مستقبليًّا، وفي الحالة الثانية لا توجد هذه القيود.

ووفقًا لأصحاب هذا الرأي فإنَّ الحكومات المحلية الصينية تعمل دون قيود، وطالما وجدت الدولة القدرة لاحتمال الديون وتكبيرها للحكومات المحلية، دون الاستدانة أو استخدام النقد الموجود، ومن ثم إنفاقها للاستثمار في مختلف أنواع المشروعات.

لكن لأن الحكومات المحلية مطالبة بتحقيق معدل نمو محدد، دون الاقتصار على بناء المشروعات وتنفيذها، فإنَّها أحيانًا تنفق على مشروعات غير منتجة.

يقدم أصحاب هذا الرأي الخط إلى آخره بتقديم مثال لشرح المسألة: لنفترض أنَّ شركتين متطابقتين قررتا الاستثمار في حفر حفرة بمائة دولار ثم ردمها بمائة أخرى عن طريق الاستدانة. وكانت الشركة الأولى تعمل ضمن القيود الصعبة والثانية بالقيود السهلة.

في هذه الحالة؛ ستعترف الشركة الأولى أنَّ الاستثمار غير منتج، واعتبار الدين دينًا سيئًا، بمعنى أن الشركة الأولى سترى أنها أضاعت نفقات بقيمة 200 دولار، وأن عليها الآن دفع قيمة الدين، وقيمة سعر الفائدة المترتب عليه.

أما في حالة الشركة الثانية، سترى أنَّها استثمرت في أصول مالية قيمتها 200 دولار، ولن تنشئ هذه الأصول المالية أي إيرادات للشركة. ولكن في حالة دولة مثل الصين وحكوماتها المحلية فهذا غير مهم، فتسجيل هذه العمليات بوصفها أصولًا مالية سيظهر بالأرقام، وكأن الحكومات المحلية خلقت ثروة جديدة، ومن ثم تحقيق معدل نمو موجب. 

ونظريًّا، تستطيع الحكومة الصينية الوصول لأي معدل نمو، حتى يصبح من المستحيل استدامة العملية الموصوفة أعلاه؛ والمحدودة فقط بحدود قدرة الصين على تحمل ديون جديدة. ويمكن للصين وقف هذا المسار متى ما شاءت بإجبار الحكومات المحلية على عدم الاستثمار في مشروعات غير منتجة، والتعامل مع المشروعات غير المنتجة السابقة. 

هل هناك مشكلة صينية بالفعل؟

تعترف القيادة الصينية نفسها بوجود هذه المشكلة، وتتكلم عن ضرورة الانتقال من «نمو مضخم للناتج المحلي الإجمالي – Inflated GDP Growth»، والوصول إلى نمو حقيقي عالي القيمة، وهذا ما قاله الرئيس الصيني تشي جين بينج عام 2021، وفقًا لإعلام الحزب الشيوعي الصيني.

ويقول الرئيس الصيني إنَّ المشكلة نتاج الطريقة التي تتعامل بها الحكومات المحلية بسبب مستهدفات الحكومة المركزية، وإنَّ هذه الحكومات المحلية تتنافس فيما بينها لتحقيق معدلات النمو، دون الأخذ بالضرورة حقيقته من عدمه.

الرئيس الصيني تشي جين بينج  

ولا يعني الاعتراف الصيني بالضرورة أنَّ المشكلة بالحجم نفسه الذي يقول عنه أصحاب رأي أنَّ الاقتصاد الصيني مضخم. فمايكل بيتيس يقول إنَّ النمو الصيني الحقيقي عام 2019، كان نصف النسبة المعلن عنها من الحكومة. ولكنَّه يعترف بعدم اتفاق الجميع على هذه النسبة شديدة الانخفاض؛ وإن اتفقوا على أن النسبة مضخمة عن حجمها الحقيقي.

ومن ناحية الديون؛ يظن البعض أن الصين ليست في حالة سيئة، وأنها لا تزال تستطيع تحمل مزيد من الاستدانة، فديون الحكومة الصينية عام 2020 لم تتجاوز 70%، بينما نعلم أن ديون أمريكا تجاوزت 160% في العام نفسه. 

ولا يقتصر النقاش على الحكومات المركزية، فبلا شك أن الحكومة المركزية الصينية في وضع أفضل بكثير من حالة الحكومة المركزية الأمريكية فيما يتعلق بمسألة الدين العام، ولكن إذا احتسبنا حالة الديون الوطنية العامة فستتغير الصورة كثيرًا، وخصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن كثيرًا من الشركات الصينية ليست قطاعًا خاصًّا بالفعل؛ بل إنها مملوكة أو متحكم بها من قبل الحكومة.

وبهذا المنظور العام نجد أن الديون الصينية في عام 2017 بلغت 257% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما بلغت الديون الأمريكية 250% فقط من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وحالة شركة «إيفرجراند – Evergrande» توضح أن هذه الديون، وإن لم تكن ديونًا حكومية، فهي ذات أهمية كبرى، وقد تشكل خطرًا ضخمًا على الاقتصاد بأكمله في حال انفلاتها عن السيطرة. فهذه الشركة هي أكثر المطورين العقاريين استدانة في العالم، ووصلت إلى حالة من إمكانية تعثرها عن دفع التزاماتها، وسببت بذلك مشكلات للاقتصاد الصيني قد تفضي به إلى التباطؤ. 

كيف يمكن حل المشكلة؟

يتعلق النقاش في هذه المسألة بأبعاد متعددة، فالقيادة الصينية ممثلة بالرئيس تقوم فلسفتها على أن الصين تنتقل من مرحلة نمو مرتفع وعالٍ جدًّا إلى مرحلة أخرى، ورغم الفوائد الكبيرة لمرحلة النمو العالي فإنه بحد ذاته يخلق مشكلات اقتصادية، واختلالات يجب حلها، ويرى أن مهمة المرحلة الحالية هو علاج الاختلالات، وإن عنى ذلك انخفاض معدلات النمو.

ترى القيادة الصينية المسألة اليوم في تحقيق نمو مفيد ومنتج، وأيضًا في توزيع عوائد النمو بشكل جيد وصحي ومستدام على الشعب الصيني، ولذلك قدمت القيادة عددًا من المبادرات من قبيل «حملة القضاء على الفقر المدقع»، «التداول المزدوج»، ومبادرة الحزام والطريق وغيرها. 

شركة إيفرجراند الصينية

ولكن ما سيناريوهات المشكلة بالتحديد؟ وما الذي قد يحصل بخصوص هذا النمو غير المنتج وغير المفيد؟ 

يقدم بيتيس خمس طرق ممكنة أمام الصين للتعامل مع المشكلة، أولها الاستمرار بفعل ما اعتادت عليه سابقًا رغم تصريحات القيادة بالرغبة بفعل غير ذلك، وهو ما سيؤدي إلى انفجار الدين الصيني في لحظة ما، ووصوله إلى حدود لا يمكن السيطرة عليها.

وثاني طريق استبدال المشروعات غير المنتجة بأخرى منتجة، وهو طريق صعب؛ فلو كان ممكنًا لما اضطرت الصين لأخذ الطريق الحالي، كما أن غالبية هذه المشروعات غير المنتجة منحصرة في قطاعي البنية التحتية والعقارات، وهما يمثلان 25% إلى 30% من الناتج الصيني، وهذا الحجم الضخم لا يمكن استبداله بسهولة. وبالعودة إلى معادلة الناتج المحلي الإجمالي، فيمكننا معرفة باقي احتماليات استبدال الاستثمارات غير المنتجة؛ فإذا كان الناتج يساوي الاستهلاك الكلي بالإضافة إلى الاستثمار (الصادرات ناقص المستوردات) فذلك يعني أن على الصين استبدال استثماراتها غير المنتجة بزيادة في صادراتها أو بزيادة الاستهلاك المحلي بشكل ضخم جدًّا. 

أما الطريق الثالث ألا تستبدل الصين الاستثمارات غير المنتجة بأي شيء، والقبول بانخفاض معدلات نموها، وقد يُظن أن هذا الخيار خيار جيد، فهو يجنب الصرف بغير طائل، وتضييع الديون على مشروعات غير منتجة، ولكن هذه المشروعات، وإن لم تكن منتجة فهي تساهم في توظيف العمالة والموارد الصينية المختلفة، ودونها سيخسر الاقتصاد أكثر من حجم هذه المشروعات فقط، ولذلك فخيار عدم الاستبدال غير مطروح إن أرادت الصين الاستمرار في طريق التنمية. 

يبقى للصين خياران أخيران؛ الأول المتعلق بالميزان التجاري فهو صعب التحقيق، فالصين تمتلك بالفعل فائضًا تجاريًّا ضخمًا، ومن الصعب خلق طلب عالمي أكبر بشكل كبير على منتجاتها، بحيث يكون هذا الطلب كافيًا لاستبدال المشروعات غير المنتجة، فمرة أخرى لو كان هذا الخيار مطروحًا وسهلًا لفعلته الحكومة الصينية أصلًا، فهو لا يضعفها ولا يؤثر فيها سلبًا. 

ولذلك يبقى للصين خيار واحد أخير، وهو خيار سياسي بقدر ما هو خيار اقتصادي؛ فالنموذج الصيني يعتمد على تقليل حصة العمال مما ينتجون، ومن ثم كبح استهلاكهم مقابل جعل ما ينتجون أرخص ثمنًا وأكثر جاذبية للتصدير، مع القدرة على الادخار على حساب هؤلاء العمال للاستثمار مجددًا لخلق القيمة وهكذا. 

فإذا كانت الحكومات المحلية والشركات الصينية تساهم في الناتج المحلي بنسبة 30%، وكان نصف هذه النسبة من المشروعات غير المنتجة، وأرادت الصين نقل هذه النسبة إلى الاستهلاك بدلًا من الاستثمار غير المنتج؛ فعلى هذه العملية أن تنعكس أيضًا على شكل انتقال في القوة السياسية داخل البلاد، فالحكومات المحلية والشركات تتمتع بقوة متناسبة مع قدرتها على الصرف والإنفاق، والشعب الصيني يُخصم من قوته السياسية بمقدار متناسب مع النسبة التي تخصم من مساهمته في الإنتاج لصالح الحكومات المحلية، والشركات التي تراكم الادخار وتستثمر بالمقابل. 

يمثل هذا الخيار صلب إستراتيجية الصين المسماة بـ«التداول المزدوج»، ويبدو أنها الخيار الوحيد الحقيقي أمام الصين، ولكن هل يحتمل النظام السياسي الصيني مثل هذا الانتقال الكبير في القوة السياسية؟ أو يستطيع نقل السلطة الاقتصادية دون التأثير في قوة الدولة ومركزية الحزب الشيوعي؟ تبقى هذه الأسئلة مفتوحة على احتمالات كثيرة في المستقبل؛ ولكن المؤكد أن هذا الانتقال الاقتصادي نحو نسب استهلاك أعلى هو الطريق الوحيد الذي قامت عليه اقتصادات الدول المتقدمة.

 

المصادر

تحميل المزيد