«كان كيس واحد من الفلفل يساوي أكثر من حياة رجل، وكان الذهب والفضة هما المفتاحين الذين استخدمتهما النهضة لفتح أبواب الجنة في السماء وأبواب النزعة التجارية الرأسمالية على الأرض، لقد اختلطت ملحمة الإسبان والبرتغاليين في أمريكا بين نشر الديانة المسيحية ونهب الثروات المحلية، لقد كانت السلطة الأوروبية تنتشر وتتمدد لتطوق العالم؛ فالأراضي البكر الكثيفة بالغابات والمخاطر كانت تثير الشهوات وجشع القواد والفرسان والنبلاء» *الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية

كان التنافس مشتعلًا بين التاجين – الإسباني والبرتغالي- منذ قرر كريستوفر كولومبوس أن يحمل خرائطه ويدلف إلى القصر الملكي في قشتالة ليعرض خطته في الإبحار نحو أراضي الهند عبر المحيط الأطلنطي، على الملكين الكاثوليكيين إيزابيل الأولى وفيرناندو بعد أن رفض الملك البرتغالي جواو الثاني تمويلها عام 1492 م، ووافق الملكان الكاثوليكيان على الرحلة ليكتشف كولومبوس ما عرف حينها بـ«الأراضي الجديدة» ليصل التنافس بين أكبر إمبراطوريتين في ذلك الزمان إلى ذروته على أنهار الذهب والفضة.

كان البابا في روما يتابع الأحداث ويصدر القرارات في محاولة لرأب الصدع بين حكومتين كاثوليكيتين، وقد استطاع بالفعل تحجيم الصراع بينهما بشكل كبير رغم بقاء التنافس، وبقيت في جنوب القارة الجديدة حيث أمريكا الجنوبية مستعمرة صغيرة طال التنازع عليها وكأنما تمثلت فيها كل الصراعات والحروب، وهي «كولونيا ديل ساكرامنتو» التي تقع اليوم في دولة الأورجواي، وهذه قصة المدينة التي شهد تاريخها تبادل السيطرة بين الإسبان والبرتغاليين قرونًا.

في «تورديسيلاس».. تقسيم أراضي العالم

كانت الاكتشافات تتوالى ومع انهمار الكنوز الآتية من الأراضي الجديدة كانت جُذْوة الخلاف بين التاج البرتغالي والتاج الإسباني تشتعل أكثر، فكان البحارة يملكون الخرائط والجرأة ويقترحون وجهة المغامرة القادمة، لكنهم يبحثون عن الثمن في القصور الملكية، وكان نجاحهم في الحصول على الثروة يعني أن تنتقل تلك الثروة إلى المملكة التي موَّلت المغامرة، وكان لإسبانيا النصيب الأكبر؛ إذ كانت صاحبة الفضل في انطلاق كريستوفر كولومبوس في رحلته الأولى.

لكن البرتغال كانت صاحبة الأسطول الأقوى، لذا فحين تفاقم خطر الخلاف بين التاجين أصدر البابا رسائل بابوية متتابعة بإنشاء خط يبعد 100 فرسخ غرب جزر الأزور والرأس الأخضر في البرتغال، بحيث تكون الملاحة شرق هذا الخط للبرتغال، وتكون في الغرب منه لإسبانيا، واستقر الأمر لفترة لكن اكتشافات الأراضي الجديدة أشعلت الخلاف مرة أخرى، فالثروات كانت تتوالى.

وفي «توردسيلاس” التي تقع في مقاطعة «بلد الوليد»، بوسط إسبانيا، جرت مفاوضات جديدة بشأن رسائل البابا السابقة، وتذرعت البرتغال بأن الخط الحدودي الذي رسمه البابا قريب من اليابسة ولا يسمح بالاستكشاف، واقتنعت إسبانيا بذلك، ليجري توسيع الحدود لتصل إلى خط طول 370 فرسخًا غرب جزيرة «الرأس الأخضر».

ولم يُعرف على وجه التحديد هل كان ملك البرتغال يعلم أن البرازيل ستقع بهذا التوسيع ضمن ممتلكات البرتغال، ويبدو أنه كان يعلم بالفعل، وعلى كلٍّ فقد وافقت إسبانيا وقُسمت الأراضي المكتشفة حديثًا بين ولي عهد البرتغال وتاج قشتالة في إسبانيا) ووُقعت المعاهدة عام 1494.

وصارت الأراضي في نصف الكرة الشرقي للتاج البرتغالي وفي نصف الكرة الغربي لتاج قشتالة، وكانت أفريقيا لا تزال منبعًا للتوابل التي تزيد الدولة البرتغالية ثراءً وكانت بموجب الاتفاقية تحت السيطرة البرتغالية بالكامل، وبدا أن الخلاف سيهدأ، لكن الثروات لم تكن تتوقف مهددةً بإشعاله مرة بعد أخرى.

توقيع معاهدة تورديسيلاس – مصدر الصورة: annabelfrage

ففي عام 1545 اكتشف الإسبان كنزًا من الفضة في الأراضي التي تقع اليوم في بوليفيا، وفي العام التالي تأسست مدينة «بوتوسي» ليبدأ استخراج المعدن الثمين، الذي غيَّر تاريخ أمريكا الجنوبية وحوض نهر ريو دي لا بلاتا (على الحدود بين الأرجنتين والأوروجواي) تحديدًا، بشكل جذري إذ كانت ليما تحتكر الفضة. وفي عام 1580 أُعيد تأسيس مدينة «بوينس آيرس» في الأرجنتين لتصبح منفذًا بديلاً لفضة بوتوسي.

وبحلول نهاية القرن السادس عشر شهدت الحركة التجارية في جنوب أمريكا اللاتينية نشاطًا كبيرًا في الأراضي التي تُعرف اليوم بدول تشيلي وباراجواي وشمال الأرجنتين، وفي عام 1578، توفي ملك البرتغال «سيباستيان» ليؤول العرش إلى عمه الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا وتتوحد أكبر إمبراطوريتين إقليميتين إلى حين.

وبهذا الاتحاد بين التاجين انتهى التضييق الاقتصادي بين البرازيل والممتلكات الإسبانية في القارة، ووجدت الفضة المنهالة من «بوتوسي» أسواق أخرى للتداول، وهكذا جرى تهريب الجزء الأكبر من فضة بوتوسي خارج الأراضي الجديدة خلال القرن السابع عشر، لكن بعد وفاة الملك فيليب الثاني وتوقف الاتحاد الإيبيري عادت البرتغال لمحاولات الانفراد بممتلكاتها وتعزيز قوتها والبحث عن مصادر جديدة للفضة.

البرتغال على نهر الفضة

في عام 1679 وضمن سلسلة من الصراعات المتواصلة بين البرتغال وإسبانيا للسيطرة على نهر «ريو دي لا بلاتا»، أمر ملك البرتغال بيدرو الثاني بإنشاء معقل على النهر للدفاع عن الوجود البرتغالي، وحمل البرتغالي «مانويل لوبو» تكليفًا من حاكم «ريو دي جانيرو» بتأسيس بلدة في المنطقة، فوقع اختيار لوبو على شبه جزيرة «سان جابرييل» بوصفها نقطة إستراتيجية تتحكم في مداخل نهري أوروجواي وبارانا، وتواجه مدينة بوينوس آيرس في الأرجنتين مباشرة، وأسس مدينة «كولونيا ديل ساكرامنتو» في عام 1680، بعد عام واحد فقط، لتصبح أول مستعمرة برتغالية في المنطقة تميزت عن المدن من حولها بطابع فريد في التصميم والهندسة المعمارية.

وحين علم خوسيه دي جارو حاكم بوينس آيرس بهذا التقدم البرتغالي نحو الممتلكات الإسبانية أمر بإعداد جيش، وبينما كان يتواصل مع مانويل لوبو لحل الأمر بشكل سلمي، أصر الأخير على أن المدينة تدخل في أملاك التاج البرتغالي، فأعطى «دي جارو» أوامره للجيش بالانطلاق نحو المدينة وتمكن من فرض السيطرة الإسبانية عليها، ليعود مانويل لوبو محمولًا إلى بوينس آيرس ويقضي آخر أيام حياته في السجن هناك.

هكذا أصبحت المدينة منذ بداية إنشائها مؤسسة تجارية ثرية ساهمت في إحداث تغييرات اجتماعية واقتصادية وثقافية مهمة في بوينس آيرس وما حولها من مدن، وصارت لفترة طويلة محل نزاع بين التاجين وموضوعًا لأهم المعاهدات الدولية بينهما، تدخل البابا في روما وتدخلت إنجلترا وفرنسا لتسوية أمر المدينة التي كانت أهم ميناء عسكري في المنطقة حتى تأسيس «مونتيفيديو» عام 1729.

وفي عام 1683 عادت المدينة إلى قبضة البرتغاليين ثانية فأعادوا تأسيسها باسم «كولونيا ديل ساكرامنتو» الجديدة، وخلال قرن كانت السلطة قد انتقلت في المدينة بين البرتغاليين والإسبان نحو ثماني مرات، كان البرتغاليون يحصلون على الدعم العسكري واللوجستي من حلفائهم الإنجليز، بينما تحصل إسبانيا على دعم فرنسا.

وفي النصف الأول من القرن الثامن عشر كانت «كولونيا ديل ساكرامنتو» قد عادت إلى السيطرة البرتغالية، وأصبحت مركزًا لتهريب الفضة والجلود على نهر «ريو دي لا بلاتا»، وأصبحت «كولونيا ديل ساكرامنتو» مركزًا اجتماعيًّا إقليميًّا، وبفضل التجارة – غير المشروعة في أغلبها – التي قامت على تهريب الفضة من «بوتوسي» – تمكنت المدينة من البقاء قرونًا.

وبسبب صراع الثروات في «كولونيا ديل ساكرامنتو»، شهدت المنطقة نشاطًا عمرانيًّا فبُنيت عديد من المدن إلى جوارها مثل «لاجونا» و«ريو جراندي دي سان بيدرو دو سول» في البرازيل و«مونتيفيديو» و«روزاريو»، وكان وجودها سببًا في التطور الذي شهدته «بوينوس آيرس» في المجال الاقتصادي والسياسي والعسكري.

وعبر ميناء «كولونيا ديل ساكرامنتو» غادر الذهب والفضة المهرَّبين من أمريكا إلى لندن وأمستردام ولشبونة وباريس، كما نُقل العبيد إلى ميناء «بوينس آيرس» ومناجم «بوتوسي»، وأُطلق على «كولونيا ديل ساكرامنتو» اسم «كتلة الفتنة» و«جبل طارق الفضي» و«مدينة الريشة والسيف».

«كولونيا ديل ساكرامنتو»: المدينة التاريخية

ظلت «كولونيا ديل ساكرامنتو»، بموقعها المتميز، محل النزاع موضوعًا لمذكرات بابوية ومعاهدتي سلام، وهدنة، وعديد من اتفاقيات التجارة الدولية، ونظر إليها الإسبان دائمًا بوصفها أرضًا تخص الأعداء في الأراضي الإسبانية ومكانًا يحتمي به المهربون البرتغاليون والإنجليز والهولنديون، واستمرت «كولونيا ديل ساكرامنتو» ميدانًا لحروب متقطعة بين البرتغال وإسبانيا منذ عام 1680 إلى عام 1777،  وانتهى الصراع المئوي أخيرًا في عام 1777 بعقد معاهدة سان إلديفونسو التي قضت بتنازل البرتغال عنها للتاج الإسباني.

وفي عام 1995 أُدرجت المنطقة التاريخية في «كولونيا ديل ساكرامنتو» على قائمة التراث العالمي بوصفها مثالًا تمثيليًّا بارزًا لنوع من البناء يجمع فترات مهمة في تاريخ البشرية، كان التخطيط البرتغالي نموذجيًّا في انسجامه مع تضاريس المكان والاستفادة بمساحاته، ورغم ما تعرض له بنيان المدينة من دمار من جراء الحروب المتتالية، فإنها استطاعت الحفاظ على التصميم الأصلي لها بما اتسم به من توافق بين الطابع البرتغالي والإٍسباني،  لا تزال المدينة تحمل بصمات المجتمعات المتعاقبة التي سكنتها منذ ما قبل التاريخ حتى اليوم.

تاريخ وفلسفة

منذ 4 سنوات
بوتوسي.. المدينة التي أمدّت أوروبا بكنوز الفضة وعاشت في الفقر

واليوم تعد «كولونيا ديل ساكرامنتو» بوابة رئيسية لدخول السياح وخروجهم، لقربها الشديد من بوينوس آيرس فضلًا عما تحمله من أهمية تاريخية جذب السائحين إلى الأوروجواي، أما أشهر الآثار التي احتفظت بها «كولونيا ديل ساكرامنتو» منذ الحقبة الاستعمارية فهي آثار دير سان فرانسيسكو، والمنازل الحجرية، وجدران كنيسة ماتريز بمزيج من الحجر والطوب إلى جانب الحي التاريخي بشوارعه الضيقة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد