تعد الأبقار أحد أقدم الحيوانات التي وجدت على سطح كوكب الأرض، ويستفيد الإنسان منها بكافة الصور الممكنة سواء كان على صعيد اللحوم أو الألبان أو السماد العضوي وحتى الجلود، فهي مصدر أساسي للتغذية في مختلف أنحاء العالم. لكن هل فكرت أنها قد تكون أحد الأسباب الرئيسية في الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية المفاجئة التي يعاني منها الكوكب؟ 

ليس ذلك فحسب فمثلما يضعها بعض العلماء في دائرة الجاني، يضعها البعض الآخر في دائرة المنقذ؛ والسبب: غاز الميثان الموجود في أحشائها والخارج منها، فكيف حدث ذلك؟ هو ما سنكتشفه تفصيلًا.

الجاني.. تلويث الغلاف الجوي بمقدار يتخطى أضعاف ما يقوم به الإنسان

في الوقت الذي ينظر المزارعون إلى الأبقار على إنها مصدر ممتاز للحوم والألبان، تجد أنهم يغفلون عن تسببها في زيادة التلوث المناخي بكميات ضخمة، إذ يعد الميثان أكثر تدميرًا من غاز ثاني أكسيد الكربون بمقدار 25 إلى 100 مرة في إطار زمني مدته 20 عامًا.

متهمة في أزمة تغيير المناخ ولكن.. الماشية قد تنقذ العالم وكلمة السر: الميثان

عملية تكوين الميثان (المصدر: منظمة الفاو)

وليست الأبقار هي المسؤولة وحدها عن إنتاج غاز الميثان، بل يشاركها في ذلك كل أنواع الماشية؛ إلا أن الأبقار لها النصيب الأكبر في إحداث التلوث، والتلوث الناتج عن الزراعة الحيوانية بشكل عام يتخطى نسب التلوث الناتج عن عوادم السيارات، فهي مسؤولة عن 18% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في حين أن عوادم السيارات مسؤولة عن 15%.

لكن كيف يتكون الميثان داخل الأبقار؟ وما سبب احتوائها على تلك الكميات الضخمة من الميثان؟ وما هو المصدر الرئيسي لإخراجه؟

غاز الميثان أحد المنتجات الثانوية التي تنتج خلال عملية الهضم لدى البقر، إذ تعد الأمعاء الضخمة للأبقار بمثابة وعاء تخمر ميكروبي يُنتج غاز الميثان خلال عملية الهضم، حيث تقوم البكتيريا بتفكيك المواد العضوية المنتجة للهيدروجين (H2) وثاني أكسيد الكربون (CO2) والميثان (CH4) الذي ينتج عن طريق التخمر المعوي، عندما تتحلل الميكروبات وتتخمر المواد النباتية، مثل السليلوز والألياف والنشويات والسكريات، في الجهاز الهضمي.

والميثان المعوي هو أحد النواتج الثانوية لهذه العملية الهضمية، ويطرده الحيوان من خلال عملية إخراج الغازات أو من خلال التجشؤ. بينما يجري امتصاص المنتجات الثانوية الأخرى (الأسيتات والبروبيونات والزبدات) واستخدامها لإنتاج الحليب واللحوم.

ليس هذا فحسب، بل نجد أن عملية التجشؤ لها النصيب الأكبر من إصدار غاز الميثان، بينما عملية إخراج غازات المعدة لها، فلها النصيب الأصغر مما تُشارك به الأبقار من غاز الميثان في الغلاف الجوي. ومن الجدير بالذكر، أن الميثان الناتج عن الأبقار والماشية بشكل عام على مستوى العالم، يساوي حوالي 3.1 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون، وذلك بحسب الدراسات العلمية.

لكن.. هل يمكن التحكم في كميات الميثان المنبعثة من الماشية؟

تؤثر العديد من العوامل على انبعاثات الميثان من الماشية ومنها: مستوى تناول العلف، ونوع الكربوهيدرات في النظام الغذائي، ومعالجة الأعلاف، وإضافة الدهون أو الأيونوفور إلى النظام الغذائي، ويمكن أن يؤدي التلاعب في هذه العوامل إلى تقليل انبعاثات الميثان من الأبقار والماشية بشكل عام. 

فإنتاج الميثان المعوي يرتبط ارتباطًا مباشرًا بمستوى المدخول ونوع وجودة الأعلاف وكمية الطاقة المستهلكة وحجم الحيوان ومعدل النمو ومستوى الإنتاج ودرجة حرارة البيئة، وعادة ما يُفقد ما بين 2 إلى 12٪ من مدخول الطاقة للحيوانات المجترة من خلال عملية التخمر المعوي.

ومن جانبه ذكر كلاوس بوترباخ الخبير البيولوجي، أسلوبًا جديدًا لتربية الماشية، بعيدًا عن المزارع الكبيرة المغطاة بالعشب والتي يتم فيها استنزاف التربة من خلال تربية عدد كبير من الحيوانات. إذ تفقد تلك المساحات الخضراء قدرتها على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، مشيرًا إلى أهمية «تجنب تربية الحيوانات بذلك الأسلوب، كما يجب التخلي عن العادة الغذائية السيئة في حياتنا اليومية، والمتمثلة في أكل كميات كبيرة من اللحوم، فاتباع نظام غذائي أكثر توازنًا سيعود بالفائدة على صحة الإنسان وصحة المناخ».

على صعيد آخر أجرى معهد «إيه جي ريسريش» للبحوث الزراعية في نيوزيلندا، تجربة مختلفة داخل أمعاء بعض الأبقار، فحُقِنَت بلقاح مضاد لميكروبات معوية مسؤولة عن توليد غاز الميثان، خلال هضم تلك الحيوانات طعامها، ليعمل على تحفيز إنتاج الأجسام المضادة للميكروبات في لعابها، وهي الأجسام التي تنتقل بالبلع إلى الأمعاء، ويعود الغرض من وراء التجربة تطوير اللقاح جنبًا إلى جنب مع ابتكار أساليب أخرى مضادة لغاز الميثان، من أجل الموازنة بين استهلاك اللحوم وبين تقليل انبعاثات الميثان التي تسبب تلوث البيئة.

مكمل غذائي للحيوانات يقلل من انبعاث الميثان

فيما اتجهت شركة سويسرية للتكنولوجيا الزراعية، تدعى «Mootral» إلى إنتاج مكمل غذائي طبيعي للحيوانات يساعد على تقليل انبعاثات الميثان الناتجة عن التخمر المعوي للمجترات. ويتكون المكمل من مركبات نشطة من الثوم ومركبات البيوفلافونويد المشتقة من الحمضيات. وأظهرت الدراسات التي أجرتها الشركة تثبيطًا شبه كامل للميثان المنبعث في التجارب المعملية، وتوصلت إلى انخفاض يصل إلى 38% في ظروف المزرعة الحقيقية، ومن خلال إطعام 1.5 مليار بقرة على الأرض بالمكمّل الغذائي هذا، سيكون من الممكن تحقيق تراجع سنوي لكمية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قد تصل إلى 1.5 جيجا طن.

المكمل الغذائي الحيواني – مصدر الصورة: موقع الشركة السويسرية المنتجة

والحل: تغيير النظام الغذائي أو التلاعب به

وبالوصول إلى تغيير النظام الغذائي أو التلاعب به لتقليل الميثان المنبعث نجد إن جامعة نوتنغهام البريطانية، اعتمدت تقليل انبعاثات الميثان من خلال تغيير النظام الغذائي الخاص بالأبقار، ليضم مكونات أقل تحفيزًا لنمو البكتيريا والميكروبات التي تولّد غاز الميثان، وأشارت النتائج إلى أن هذا التغيير في النظام الغذائي قد يؤدي إلى تقليص انبعاثات الميثان، بنسبة تتراوح ما بين 20 و25%

واتفقت معها دراسة أمريكية حول دور الطعام في تقليص نسبة الميثان بمقدار 15% في انبعاثات الغاز الصادر من الأبقار على مستوى العالم، وتوصلت إلى أن مقدار انبعاثات الميثان من الأبقار يزداد كلما زاد ما تأكله من الألياف، واقترحت إضافة بقوليات وزيوت مختلفة مثل الصويا وبذر الكتان، إلى نظامها الغذائي ليكون ذا فائدة مزدوجة بحيث يحمي البيئة بتقليل الميثان المنبعث ويجعل الحيوانات أكثر إنتاجية للألبان في الوقت ذاته.

فيما فريق آخر عمد إلى إضافة مركبات كيمياوية تُعرف باسم «حامل الأيون»، وعلى الرغم من أنها تُستخدم بالفعل في بعض دول العالم لزيادة وزن الماشية، فإنه يمكن استغلالها كذلك للحد من جماح الميكروبات والبكتيريا المُنتجة للميثان. لكن تجدر الإشارة إلى أن حامل الأيون محظورة من قبل الاتحاد الأوروبي وهي مُصنّفة على أنها مضادات حيوية، لما يدور حولها من عواقب استخدامها على نحو مفرط في الأنشطة الزراعية، حيث يساعد على زيادة مقاومة البكتيريا للعقاقير الدوائية.

علوم

منذ سنة واحدة
«اللحوم البرازيلية» متهم جديد في أزمة التغير المناخي!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد