تواردت في الأيام الماضية أنباءٌ عن شراء مصر 30 مقاتلة «رافال» فرنسيَّة، لتؤكِّد بعدها وزارتا الدفاع الفرنسية والمصرية الخبر. لم تكن هذه الصفقة الأولى لشراء الرافال فقد اشترتها من قبل مصر والهند وقطر ورغبت فيها البرازيل، مما يعبر عن أن للطائرة سوقًا جيدة، ولكن ما الذي يميز مقاتلة «رافال» تقنيًّا وعسكريًّا؟ ومتى بدأ إنتاجها وما أنواع أجيالها المختلفة؟ وما الجيوش التي تستخدمها اليوم وفي أية ظروف؟

3 أنواع وعدة أجيال من مقاتلات «رافال»

بدأت فرنسا تطوير نماذج من مقاتلات «رافال» عامَ 1984 باتفاق مع شركة «داسو» الفرنسيّة للطيران، ومن البداية صُممت الطائرة لتفي بالاحتياجات الجوية القتالية للفروع المختلفة من القوات المسلحة الفرنسية، خاصةً البحرية وسلاح الجو، وتطلَّب هذا أن تكون الطائرة مصممةً لتُقلع من أرضيات مختلفة، أرضية وبحرية، وأهم من ذلك أن تكون قادرةً على تنفيذ مجموعة من المهام المتنوعة والمختلفة بمفردها، دون الحاجة لمقاتلات من طراز آخر معها أثناء تنفيذ المهام.

أنتجت شركة «داسو» حتى الآن ثلاثة أنواع من مقاتلات «رافال»:

  1. «رافال سي – Rafale C»: بمقعدٍ واحد، وتُقلعُ من قواعد أرضية.
  2. «رافال إم – Rafale M»: بمقعد واحد أيضًا وتُقلع من على متن نواقل بحرية.
  3. «رافال بي – Rafale B»: بمقعدين وتنطلقُ من قواعد أرضية.

Embed from Getty Images

مجموعة من الصور لمقاتلات «رافال» الفرنسية

من هذه الأنواع الثلاثة توجد ثلاث نُسخ أو أجيال حتى الآن، تعكسُ التطوير التدريجي والإضافات التي تُلحق بالمقاتلات باستمرار:

  1. جيل «إف1 – F1»: بقدرات قتال «جو-جو»، ودخلت الخدمة عام 2004.
  2. جيل «إف2 – F2»: قادرة على تنفيذ ضربات «جو-جو» وضربات «جو-أرض»، ودخلت الخدمة عام 2006.
  3. جيل «إف3 – F3»: دخلَت الخدمة عام 2008، وفيه قدرات الجيلين السابقين بالإضافة إلى القدرة على حمل نوع من الصواريخ الفرنسية المحمَّلة بذخيرة نووية، أي إن هذا الجيل قادرٌ على تنفيذ ضربات نووية، وقادر على حمل صواريخ مضادة للسفن، وتنفيذ طلعات استطلاعية.
  4. جيل «إف3 آر – F3 R»: نسخة مطورة من الجيل الثالث بقدرة أعلى على الحركة والانقلاب في الجو، ودخلَ هذا الجيل في الخدمة نهاية عام 2018.

وتعمل فرنسا الآن على تطوير جيل جديد من المُقاتلة، ففي مارس (آذار) 2017، بدأ العمل على تطوير الجيل الرابع من المقاتلات على أن تدخل الخدمة عام 2024، وباختصار ستمتلك مقاتلات هذا الجيل تقنيات شديدة التطوُّر وأعلى من سابقاتها. ويجري الآن تطوير نسخة أخرى من الجيل الرابع مع قدرات على التخفي، ولكنها أضعف بكثير من الموجودة في مقاتلات «إف35 – F35» الأمريكية الشهيرة، وقدراتها في الرصد والتخفي أضعفُ أيضًا من الموجودة في مقاتلة «إف22 – F22».

ومن الجدير بالذكر أن مقاتلة «رافال»، ومثلها مقاتلات بريطانية وأمريكية أخرى متقدمة، لم تُشارك في معارك جيوش نظامية منذ وقت طويل، ومعظم إنزالاتها في العقد الماضي اقتصرت على مناطق في الشرق الأوسط، وفي أفريقيا، لمحاربة ومتابعة جماعات مسلحة ومتمرِّدة، أو جماعات مثل «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» وتنظيم القاعدة.

مقطع مصور لاستعراض جوِّي لمقاتلات «رافال» عام 2019

«رافال» الأكثر رشاقة ولكن

للمقاتلة مزايا عدَّة، أهمها قدرة المُقاتلة الواحدة على القيام بمجموعة من المهام المُختلفة في الوقت نفسه، ما يجعلها المقاتلة الرئيسية لدى القوات الفرنسية حتى عام 2050، ومهامها تتنوَّع من قدرات التجسس والرصد لعدة أهداف برية وبحرية وجوية، واستهدافها في وقت واحد، مع قابلية المقاتلة لحمل العديد من الأسلحة المتطورة ودمج نظامها معها، وأهم تلك الأسلحة هي الصواريخ الفرنسية بحمولة نووية.

تستطيع «رافال» مقاتلة طائرات عدوَّة في الجو عن قرب، وتستطيع توجيه ضربات «جو–جو» وضربات «جو–أرض» في الطلعة الجوية نفسها، مع قدرتها على ضرب أهداف بحرية عند حملها لصواريخ مضادة للسفن، وتستطيع المقاتلة ضرب أهداف بعيدة ومتوسطة البعد، ما يجعلها فعَّالة في الأدوار الدفاعية لا الهجومية فحسب.

تتمتع مقاتلات «رافال» برشاقة أعلى من رشاقة مقاتلات «إف 35» الأمريكية، أي إن قدرتها على المناورة والتحرك الخفيف، مع حرق أقل للطاقة، أعلى من التي تتوفر في المقاتلة الأمريكية الشهيرة، ولكن للـ«رافال» نقاط ضعفها مقارنةً بغيرها من مقاتلات الجيل الرابع النفاثة، فالمقاتلة الأمريكية «إف15 – F15»، والمقاتلة الروسيّة «سوخوي35 – Su35»، تطيران على ارتفاع أعلى من قدرة «رافال»، بفارق 10 آلاف قدم، وبسرعة أعلى بفارق يصل حتى 600-800 كيلومتر في الساعة، ويبدو أن قدرتها في مواجهات طويلة ومتباعدة أضعف من قدراتها في القتال القريب، بحسب ما ينقل الباحث سيباستيان بولين، المختص بالشؤون الأمنية والتاريخ العسكري، في مقال له على موقع «ذا ناشونال إنترست».

مقاتلات «رافال» مهيئة للإقلاع من مطارات (قواعد برية) غير مجهَّزة بالكامل، على عكس باقي المقاتلات النفاثة التي تتطلب تجهيزًا عاليًا لأرضية الإقلاع، وفي المقاتلة خمسة خزانات للوقود تساعدها على قطع رحلات طويلة، وتعكسُ هذه القدرات الاحتياج الفرنسي العسكري خاصةً في أفريقيا، لتستطيع المقاتلات تنفيذ طلعات استطلاع وتجسس تغطي وتقطع مساحات واسعة.

وأخيرًا، تصل كلفة تصنيع مقاتلة «رافال» إلى 76-82 مليون دولار أمريكي، وهي أقل من كلفة تصنيع أضعف نُسخ «إف35» الأمريكية، التي تبدأ أسعارها من 80 مليون دولار أمريكي، ولـ«رافال» ميزة إضافية هنا، أن تكلفة تشغيلها وصيانتها أقل بكثير من كلفة نظيراتها الأمريكية.

ما المنظومات التي تحملها مقاتلات «رافال»؟

تحملُ مقاتلات «رافال» مجموعةً من أنظمة الرادارات والرصد، يعملُ معظمها بشكل متكامل مع بعضها بعضًا، ولكن من المهم هنا ملاحظة أن هذه المنظومات المتقدِّمة ليست جميعها بتصنيع فرنسيٍّ أو من الشركة المُصنعة لمقاتلات «رافال»، وبعضها منظومات طوِّرت بالكامل من أطراف ثالثة، ولكنها قابلة للتركيب على «رافال» والعمل بكفاءة كاملة، حسبما يطلب كل زبون، وبالطبع ترتفع كلفة كلِّ مقاتلة مع تطوُّر التقنيات المُلحقة بها.

أول منظومة باسم «RBE2»، وهي أنظمة رادار إلكترونية تسمح بتتبع الأهداف ورصدها مبكرًا، ومعها رادار إلكتروني يتتبع الأهداف المحيطة من كافة الجهات، وقادر على تتبع أكثر من هدف في اللحظة نفسها في حالات القتال عن كثب، ولهذا الرادار قدرات خاصة مثل رسم خرائط ثلاثية الأبعاد للتضاريس المحيطة في الطائرة، حتى مع تشوُّش الرؤية أو في الأجواء الصعبة، وفيما يسمَّى بـ«الظروف العمياء» ميدانيًّا، ويقولُ موقع الشركة المصنعة للمقاتلة إنَّ هذه الخاصية لا توجد في أي طائرة أخرى من هذا الجيل القتالي. نظام الرصد الثالث على المقاتلة هو نظام «FSO»، لرصد وضرب الأهداف البعيدة، برية وبحرية وجوية، ويستخدم الليزر لرصدها.

كما توجد منظومة رصد أخرى هي «SPECTRA»، لرصد أي مخاطر أو مهددات محيطة بالطائرة، من أجسام معادية إلى الرادارات وإشعاعات العدو أو صواريخه. أما تقنية «TALIOS» فهي من أهم التقنيات الملحقة بالمُقاتلة، وهي تقنية ليزر متعددة الاستخدامات، ترصد الأهداف وتشارك النتائج بشكل حيٍّ مع باقي الفرق القتالية على الأرض وفي الجو وفي قاعدة القيادة المركزية، وتستطيع تنفيذ مهامها التجسسية صباحًا وليلًا وتساعد على توجيه ضربات عالية الدقة ضد الأهداف، ومعها تقنية «AREOS» التجسسية لجمع المعلومات وتوزيعها أيضًا على الوِحدات المرافقة.

وأخيرًا، تتمتَّع مقاتلات «رافال» أيضًا بمنظومة متقدمة من تقنيات ما يسمى بـ«الحروب القائمة على الشبكات»، وهي تقنية تساعد على قيادة جميع العناصر العسكرية المنخرطة في العملية وتشبيكهم بعضهم ببعض أثناء تنفيذهم للعمليات.

مقطع ترويجي لتقنية «TALIOS»، إحدى التقنيات المُلحقة بمقاتلات «رافال» الفرنسية

من يشتري «رافال» وأيُّ الجيوش تستعملها اليوم؟

فشلت محاولات فرنسا المستمرة لبيع مقاتلتها الجديدة والأقوى لسنوات طويلة منذ إدخالها في الخدمة، والسبب الأساسي، رغم قوَّة المقاتلة وتقدمها التقني، هو ارتفاع سعرها وكونها واحدة من أغلى المقاتلات النفاثة في العالم، ولكنها حازت أوَّل صفقة لها على الإطلاق مع مصر في فبراير (شباط) 2015، وأعلنت فرنسا توقيع الصفقة لبيع 24 مقاتلة بكلفة تزيد على 6 مليارات دولار أمريكي، مُوِّل نصفها بديون من بنوك فرنسية. ولكن قبل هذه الصفقة التي كانت حينها النجاح الوحيد للمقاتلة الفرنسية، مرَّت فرنسا بجولات مفاوضات وفشل طويلة.

جاءت أولى الصفقات في سبتمبر (أيلول) 2009 مع البرازيل، التي اشترطت أن تُصنع أجزاء من الطائرة في مصانع برازيلية مع نقل التقنية الفرنسية لخبراء برازيليين لتستطيع البرازيل بحلول عام 2030 أن تصنِّع وتُصدِّر مقاتلاتها بنفسها، ورغم اتفاق البلدين على هذه الشروط فإن البرازيل قرَّرت في النهاية، في 2013، شراء طائرات سويدية بسبب ظروف البرازيل الاقتصادية المتعثرة آنذاك.

إذًا فشلت الصفقة الأولى لفرنسا، لتبدأ رحلة جديدة من المفاوضات مع الهند. طرحت الحكومة الهندية مناقصةً عام 2008 لشركات الدفاع الجوية العالمية لشراء 126 مقاتلة نفاثة، وفازت بالمناقصة عام 2012 شركة «داسو» الفرنسيَّة المصنِّعة للـ«رافال»، ولكن المفاوضات استمرت لفترة طويلة ثم أخَّرها عامَ 2014 انعقاد الانتخابات في الهند لتنتهي بفوز ناريندرا مودي برئاسة الوزراء (ما زال في منصبه حتى الآن)، وعُلِّقت المفاوضات مع الانتخابات حتى اتفاق الطرفين على شراء 36 مقاتلة، أثناء زيارة لمودي إلى فرنسا عام 2015.

Embed from Getty Images

مجموعة من الصور تُظهر مقاتلات «رافال» في الهند، وفي مصر، وفي قطر 

وقع البلدان الصفقة عام 2016، بقيمة 8 مليارات و700 مليون دولار أمريكي، شريطةَ أن تستثمر الشركة الفرنسية 50% من قيمة الصفقة في صناعات هندية محلية، ويأتي هذا الشرط من قواعد أقرَّتها الهند عام 2008 لتنظيم عمليات وإجراءات الاستحواذات الدفاعية الخارجية، بهدف تعزيز القطاع الدفاعي الهندي بشكل خاص. واستلمت الهند أول دفعة من مقاتلاتها عام 2020 معززةً قدراتها الدفاعية أمام خصمها الصيني.

وكما ذكرنا سابقًا، وقَّعت مصر أول صفقة لشراء 24 مقاتلة «رافال»، في مطلع عام 2015، وبعدها بشهور تلاها ثاني زبون عربيٍّ، دولة قطر، لتوقع صفقةً في مايو (أيار) 2015 مع فرنسا لتوريد 24 مقاتلة «رافال»، بقيمة 7 مليارات دولار أمريكي، مع تدريب 36 طيارًا قطريًّا و100 تقني، بالإضافة لتدريب مجموعة من موظفي الاستخبارات القطرية.

وفي 2017 وسَّعت قطر الصفقة لتشمل 12 طائرة مقاتلة أخرى، ليكون المجموع 36 مقاتلة، بكلفة تزيد على 8 مليارات و300 مليون دولار، ووصلت عامَ 2019 أول دفعة من خمس مقاتلات إلى قطر بعد تدريب طياريها على استعمالها، وتأتي هذه الرغبة القطرية في توسيع ترسانتها الجوية بشكل خاص بعد فرض الحصار الرباعيِّ عليها منتصف عام 2016 من السعودية والإمارات والبحرين، ومصر.

وبالعودة لمصر، فيبدو أنَّ لقادتها إعجابًا خاصًّا بالسلاح الفرنسيِّ، فبخلاف الصفقات الضخمة المُبرمة في عهد الرئيس الحالي، عبد الفتاح السيسي، كانت مصر أيضًا أول زبون دوليٍّ يشتري الطراز القديم من مقاتلات «ميراج – Mirage» الفرنسية، عام 1981، بحسب «فرانس24».

أما الصفقة الجديدة لمصر في مايو (أيار) 2021، بقيمة 4 مليارات ونصف، للحصول على 30 مقاتلة، فترفع أسطول مصر من مقاتلات «رافال» إلى 54، ومجددًا تمّت هذه الصفقة بقرض سيُدفع خلال السنوات العشر القادمة، وغالبًا سيُموَّل هذا الدين من بنوك ومؤسسات مالية فرنسية، ومن الجدير بالذكر أن فرنسا كانت المُورد الأول للسلاح إلى مصر بين أعوام 2013 و2017، رغمَ الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان وتنديد منظمات دولية مثل «هيومن رايتس ووتش» بالصفقة، لأنها تساهم في تعزيز قوة النظام المصري رغم انتهاكاته بحسب المؤسسة.

وعلى الضفة الأخرى من المتوسط، وجدت فرنسا في حليفتها اليونان سوقًا لصفقات «رافال»، ففي يناير (كانون الثاني) 2021، وقَّعت صفقةً لبيع 18 مقاتلة، بعضها استعملتها القوات المسلحة الفرنسية سابقًا، بقيمة 3 مليارات دولار، وقد تشكِّل هذه المقاتلات خطرًا على سلاح الجو التركيِّ في أي مواجهات مستقبلية مُحتملة في شرق المتوسط بينه وبين اليونان.

دولي

منذ سنتين
مترجم: بهذه المقاتلات ستتقدم اليابان عسكريًّا على أمريكا.. تعرف على مواصفاتها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد