تعد رواية «فرانكنشتاين» التي كتبتها ماري شيلي في أوائل القرن التاسع عشر؛ من أكثر روايات الخيال العلمي التي ألهمت الكثير من صناع الدراما في أنحاء العالم. إذ كانت تدور قصتها حول الشاب فيكتور فرانكنشتاين الذي أغرته دراسته للعلم وعرف بعض أسرار الحياة، وقرر أن يصنع إنسانًا في معمله، لتكون النتيجة أنه صنع مسخًا مخيفًا يريد الانتقام منه، لأنه أوجده في هذه الحياة على شكل مسخ دون أقارب أو أحباب، ولا يملك سوى الشعور بالوحدة.

هذه الثيمة قُدمت كثيرًا على شاشات السينما سواء في إطار كوميدي أو مخيف، لكن هذه القصة لم تعد خيالية كما نظن، فهناك من أغراهم هوسهم بالعلم والتجارب المعملية؛ لصناعة هذا «المسخ» على أمل أن يكونوا أول من وصل لسر الحياة. في هذا التقرير نخبرك عن بعض التجارب الواقعية لعلماء حاولوا صناعة المسخ في معاملهم.

1- علاقة الكهرباء بالحياة و«العودة من الموت»

خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر في أوروبا، لم يكن العلم قد وصل إلى التطور الذي وصل إليه الآن، فحاليًا إذا أخبرك أحدهم بأنه يعاني من «كهرباء زائدة في المخ» لن ترى في هذا الوصف شيئًا غريبًا، ولكن في ذاك الوقت لم يكن للعلماء علم بعلاقة الكهرباء بجسد الأحياء والجهاز العصبي على وجه الخصوص.

لذلك في هذا اليوم الذي غير حياة العالم الإيطالي لويجي جلفاني؛ عندما شاهد الضفدع الميت يتحرك بعد أن وضعه أحد طلابه على جهاز مشحون بالكهرباء، أطلق على هذا المشهد أنه ظاهرة غير عادية تستحق الدراسة، لماذا ينتفض جسد ميت من الكهرباء؟

قضى جلفاني سنوات طويلة من عمره في دراسة تلك الظاهرة، حتى تأكد أن أجسام الحيوانات تحتوي على شحنات كهربائية وأطلق عليها «الكهرباء الحيوانية»، واستطاع جلفاني ببعض الشحنات الكهربائية أن يحرك أجساد الضفادع وبعض الحيوانات الميتة، لكن تجاربه لم تتعد الحيوانات، على عكس خليفته وقريبه العالم الإيطالي، جيوفاني ألديني.

ففي عام 1803 أجرى العالم الإيطالي ألديني تجربة بمساعدة طلابه على جثة مسجون اسمه جورج فوستر، كان قد حكم عليه بالإعدام، وتلك التجربة كان من شأنها تحريك أطراف الموتى بواسطة بعض الشحنات والموجات الكهربائية، وكانت نتائج دراسات جلفاني هي دليل الأساس لألديني في تجربته، خاصة التجربة التي استطاع فيها جلفاني أن يجعل إحدى سيقان الضفادع الميتة تنزف من خلال تعرضها إلى شحنة من آلة إلكتروستاتيكية.

وأثناء التجربة على جسد فورستر، لاحظ ألديني وتلاميذه أن فك المتوفى عند تعريضه للشحنات الكهربائية قد ارتجف وفتح إحدى عينيه، وفي جزء تابع للعملية، رفع فورستر اليد اليمنى وأحكم قبضته، كما تحركت ساقيه وفخذيه، وبدا أمام المتابعين للتجربة أن الرجل قد عاد للحياة من جديد، في مشهد يصعب تخيل وقعه على الطلبة الواقفين حول تلك الجثة/المسخ.

لكن هذا الرعب كان واحدًا من أهم الأسباب التي ساعدت البشر في الوصول إلى «الإنعاش بالشحنات الكهربائية»، والتي نراها في جميع المسلسلات الطبية والأفلام، خاصة الطبية منها الآن.

«يوم الرعب».. المسخ يعود إلى الحياة أمام أنظار الجميع

«حركة عضلات وجهه كانت مليئة بالخوف، الغضب، الرعب، اليأس، والابتسامات المريبة. كل هذه التعبيرات تحددت في وجه القاتل»

هكذا وصف العالم الأسكتلندي أندرو أور تجربته مع إحياء جثة ماثيو كليديسديل، الذي كان محكومًا عليه بالإعدام في أوائل القرن التاسع عشر، لكن الغريب في هذه التجربة أنها جرت أمام مشاهدين وكأنها تجربة مسرحية.

في ذاك الوقت كانت بعض التجارب العلمية، خاصة التشريح لجثث البشر، تجري أمام مجموعة من الجماهير المهتمين بهذا الشأن، وبعد أن عرَّض أور جثة القاتل المعدوم للكهرباء؛ تشنجت أطرافه وتحركت أجفانه، ووصف هذا اليوم بالمرعب، حتى إن بعض المشاهدين فقد وعيه من شدة الصدمة.

2- صناعة الزومبي في روسيا

عندما يُفصل الرأس عن الجسد، ونرى الرأس ما زالت تتحرك وكأنها على قيد الحياة، عادة ما يكون هذا المشهد في واحد من أفلام الخيال العلمي، ولكن العالم السوفيتي، سيرجي بروخونينكو، استطاع أن يقدم هذا المشهد المخيف في واحد من المؤتمرات العلمية عام 1920، عندما تمكن من إظهار رأس كلب مفصولة عن جسده تتحرك لمدة طويلة أمام أعين العلماء المذهولة.

استطاع سيرجي تنفيذ تلك التجربة عن طريق جهاز أسماه «الحاقن الذاتي»، وهو جهاز للرئة القلبية يهدف إلى إبقاء رأس الكلب حيًّا في الوقت الذي يجري فيه فصله عن جسمه. يقوم هذا الجهاز بإنعاش الرأس والدماغ والوجه بالكامل، عن طريق ضخ الدم عبر شرايين الرأس، ومع إمداد الدماغ بالدم؛ يتفاعل الرأس مع المنبهات كما الحال في الرأس الحي، فتنتفض العين، وتتحرك آذان الكلب، ويتحرك اللسان وكأنه يلعق شيئًا من على الأنف كما تفعل الكلاب.

ويمكن أن تشاهد بعض المقاطع المصورة من تلك التجربة من هُنا، ولكن كُن حذرًا فالمشهد قد يكون مخيفًا، فأنت على وشك رؤية رأس كلب مفصولة عن الجسد، تتحرك للأعلى والأسفل وكأنه حي، وتلك تجربة واقعية وليس مشهدًا في فيلم، فهل أنت مستعد لرؤية مشهد كهذا؟

3- «زيت ديبل» وأسطورة إكسير الحياة

قبل أن تكتب ماري شيلي روايتها فرانكنشتاين؛ كانت قد تجولت كثيرًا مع أسرتها في رحلات بأوروبا، وفي تلك الرحلات زارت ماري ألمانيا وأقامت في مكان ليس بعيدًا عن قلعة لها طابع قوطي هناك ويطلق عليها قلعة فرانكنشتاين.

ويتكهن البعض بأنها قد سمعت شائعات هناك عن مخترع غريب الأطوار ادَّعى أنه اكتشف «إكسير الحياة»، وتلك التكهنات تُرجِّح أن ماري استلهمت القصة من اسم القلعة وحكاية هذا العالم، لكن سواء كان هذا صحيحًا أم لا، فقصة هذا العالِم تستحق السرد.

كان يُعرف الكيميائي الألماني يوهان كونراد ديبل في ذلك الوقت، بأنه يقيم تجارب علمية غريبة في قلعة فرانكنشتاين، وهذا العالِم كان مثيرًا للجدل، وأشيع عنه أنه ينبش القبور ويجري تجارب على جثث الموتى في القلعة.

ولطالما كانت تلك القلعة موطن العالم الألماني حيث ولد فيها وترعرع ليصبح الكيميائي الخاص بها، وظهر اسمه بين الأوساط العلمية عندما صنع ما أطلق عليه «زيت ديبل» والذي ادعى أنه إكسير الحياة وقادر على علاج كل شيء؛ بداية من نزلات البرد وحتى الصرع، وكان هذا السائل الذي صنعه ديبل مزيجًا من دم الحيوانات وجلودها وبعض العظام والعاج مسحوقين.

فنون

منذ سنة واحدة
كيف أصبح الرعب مكتوبًا؟ رحلة قصيرة في أدب الرعب

كان لدى ديبل اهتمام كبير بعلم التشريح، وفهم كل ما يخص الجسد والروح، وفي أحد مؤلفاته تحدث عن إيمانه بقدرته على نقل روح من جثة إلى أخرى باستخدام قمع وخرطوم ومزلق، وبعد أن أعلن أنه وصل إلى كل تلك الأسرار وأكد أنه قادر على أن يعيش ما يزيد على 135 عامًا، توفي ديبل وهو في عمر 61 سنة، لكن يشاع أن وفاته لم تكن طبيعية، وإنما جاءت على يد السكان المحليين؛ لأنهم لم يعجبوا بتجاربه الخاصة بجسد البشر والروح، فسمموه وتخلصوا منه.

لا نعلم بشكل أكيد هل اطلعت ماري شيلي على تلك التجارب التي سبقت نشرها للرواية وصناعة المسخ الخاص بها، لكن الأكيد أن استخدام الكهرباء في تحريك أطراف الموتى كان أمرًا شائعًا بين الأوساط العلمية في ذاك الوقت، وليس من المستبعد أن تكون ماري قد وصل لها العديد من الشائعات والقصص المخيفة حول التجارب الجريئة منها؛ التي ألهمتها تلك الرواية التي ما زالت خالدة حتى الآن.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد