رغم الغموض الذي يغلف آلية عمل فيزياء الكم؛ فإنها ساعدت العلماء مؤخرًا في الكثير من الإنجازات العلمية، لكن أيضًا ما زالت هناك الكثير من التساؤلات المطروحة حول فيزياء الكم وحول دورها في كل ما حولنا وكل ما هو داخلنا أيضًا، وقد تحدثنا في تقرير سابق على قدرة فيزياء الكم على تفسير الوعي البشري، والذي وضحنا فيه -من خلال الحقائق العلمية- كيف يمكن لفيزياء الكم أن تفسر الكثير من الظواهر التي تحوم حول البشر سواء نفسيًا أو جسديًا أو على مستوى الوعي، وفي هذا التقرير نلقي الضوء على دراسة جديدة؛ يرى مؤلفوها أن فيزياء الكم قد يكون لها دور مهم جدًا في الطفرات الجينية التي تحدث للجسم البشري وللكائنات الحية بشكل عام.

ما هي فيزياء الكم؟ وما هي الطفرة الجينية؟

قبل أن نحدثكم عن النظرية العلمية الجديدة التي تخبرنا أن فيزياء الكم قد يكون لها أثر كبير ورئيسي في الطفرات الجينية التي تحدث في الحمض النووي للكائنات الحية؛ يجب أن نخبرك سريعًا ما هي فيزياء الكم وما هي الطفرة الجينية؟

الكم أو «quantum» في العلوم هو مصطلح فيزيائي يستخدمه العلماء لوصف الحد الأدنى من أي كيان مادي، وهو مصطلح أخذه من اللاتينية الفيزيائي الألماني ماكس بلانك، وتشير علميًا كلمة «كم» إلى أقل كمية من الطاقة المركزة في الجسيم – أي موجود في الكون – وقد وصل العلماء حتى وقتنا هذا إلى أن أصغر كمية موجودة في الجسيمات هي الـ«كواركز» والتي تعتبر لغزًا حتى الآن، لأن حركاتها واختياراتها في التحرك داخل ذرات الأشياء غير متوقعة، ومن هنا أصبحت فيزياء الكم لغزًا هز عرش الفيزياء الكلاسيكية، والتي كانت تشير إلى أن الموجودات في الكون، أيًا كانت ماهيتها أحيانًا تتصرف بوصفها موجة وأحيانًا أخرى جسيمًا وهي الآلية التي تعد من أكتر الاكتشافات غرابة في العلوم.

فيزياء الكم قد تكون المسؤولة عن الطفرات الجينية في البشر والكائنات الحية!

أما الطفرة الجينية فهي في علم الأحياء تُعرف على أنها «أي تغير يحدث في المعلومات الجينية أو المعلومات الوراثية الحيوية المشفرة في تسلسلات الحمض النووي، والكروموسومات التي يحويها الـDNA»، وتُعرف الطفرات أيضًا على أنها «حدوث تغيير دائم في تركيب أو تسلسل «النيوكليوتيدات» في الحمض النووي DNA، مما يؤدي إلى تغير في التعبير الجيني، وبالتالي تغير وظائف الخلية وما يتبعها من صفات وظيفية أو جسمية تنتقل آثارها بصفات معينة إلى الأبناء».

وتنقسم الطفرات إلى نوعين  أساسيين هما؛ «طفرات جينية – Genetic mutations» و«طفرات صبغية – Chromosomal mutation»، والطفرات الجينية تعتمد على الحذف والإدخال، بمعنى أنه مع مرور الوقت يتخلى الكائن الحي في جسده عما لم يعد يفيده، ثم يتبنى أجزاء جديدة تكون أكثر إفادة له في الحياة، أما الطفرة الصبغية فغالبًا ما ينتج عنها ما يسمى خلل أو متلازمة مثل متلازمة داون.

والآن؛ كيف يمكن لفيزياء الكم أن يكون لها دور في الطفرات الجينية؟ وهل بالفعل لفيزياء الكم قدرة على التأثير في الحمض النووي للكائنات الحية؟

القواعد «الغريبة» للعالم الكمي والطفرات الجينية

يوضح لنا العلم أن جزيئات الحمض النووي تتكاثر بدقة مذهلة، ولكن هذه العملية ليست محصنة ضد الأخطاء، ويمكن أن تؤدي إلى وقوع طفرات، وفي دراسة حديثة نشرت خلال مايو (أيار) 2022، تحت عنوان «Quantum mechanics could explain why DNA can spontaneously mutate» أو «يمكن لميكانيكا الكم أن تفسر سبب تحور الحمض النووي تلقائيًا»؛ استخدم العلماء «النمذجة الحاسوبية المتطورة» بغرض فهم سبب الطفرات الجينية التي تحدث للكائنات الحية، وأظهر فريق من الفيزيائيين والكيميائيين أن مثل هذه الأخطاء في النسخ، يمكن أن تنشأ بسبب القواعد «الغريبة» للعالم الكمي، على حد وصفهم في الدراسة.

وتلك الدراسة تعتبر من دراسات المجال الجديد المثير لبيولوجيا الكم، وبيولوجيا الكم هي علم جديد يجمع بين فروع العلوم المختلفة التي تحاول ربط نظرية الكمومية في علم الفيزياء و علم الأحياء، لدراسة الظواهر الحيوية التي لا تزال غامضة، مثل الطفرات الجينية التي نتحدث عنها في تقريرنا هذا.

الحمض النووي بشكله المعروف الذي يشبه السلم الملتوي، هو عبارة عن مجموعة من الروابط الهيدروجينية المنتظمة، وتلك الروابط تعتبر في علم الأحياء روابط صارمة حتى تبدأ الطفرة الجينية وتبدأ مكونات من الحمض النووي ترتبط وتتفاعل مع مكونات لا يجوز أن ترتبط بها وفقًا لما عرفه علماء الأحياء طوال دراستهم للحمض النووي؛ وهذا ما يسمى الطفرة الجينية.

السلك الأزرق أم السلك الأحمر؟

الأمر كما ذكرنا، أشبه بالأسلاك المتصلة في الأجهزة الكهربائية، والجهاز حتى يعمل يجب أن يكون السلك الأحمر متصلًا بالسلك الأزرق لا الأخضر، ومن الصعب أن تجد جهازًا يقرر من نفسه أنه سيقوم بطفرة تكنولوجية خاصة به ويعمل بشكل مختلف بعد أن يربط السلك الأحمر بالأخضر؛ ولكن هذا ما يفعله الجسم البشري أحيانًا ويعتبر لغزًا علميًا؛ تلك الدراسة تخبرنا؛ أن فيزياء الكم لها دور في تلك الطفرات الجينية.

في دراستهم، اكتشف الباحثون أن البروتينات تحفر نفقًا بين خيوط الحمض النووي – والتي شبهناها بالأسلاك في المثال السابق- وهذا النفق يظل موجود بشكل مستمر في الحمض النووي وأثناء التحرك ذهابًا وإيابًا بين تلك الخطوط، عندما يتنقسم الحمض النووي إلى خيوط منفصلة؛ يتم التقاط البروتينات في الجانب الخطأ مما يتسبب في حدوث خطأ جيني وهو ما يُطلق عليه «أخطاء النسخ» أو«الطفرات الجينية».

وضحت تلك الدراسة أن الإشارة إلى أهمية تأثير ميكانيكا الكم في الحمض النووي هو أمر طرحه العلم منذ 50 عامًا ولكن تجاهل الوسط العلمي العلماء الذين أشاروا لهذا الأمر وقتها، ولكن الآن وبعد الحصول على تلك المعلومات ونشر هذه الدراسة، سيتغير فهم العلم تمامًا للطفرات الجينية، وعليه سيكون من الممكن التحكم فيها؛ هذا الأمر الذي قد يصل بالعلم إلى علاج العديد من الأمراض التي ظننا أن علاجها صعب إن لم يكن مستحيلًا مثل متلازمة داون.

أبحاث ودراسات

منذ سنة واحدة
مترجم: دراسة جديدة حول الطفرات الجينية تغير فهم العلماء لنظرية التطور!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد