في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) الماضي وصل اليورو إلى أسوأ مستوياته منذ عقدين، وذلك بتجاوزه حاجز 1.04 للدولار الواحد، بعد أن حافظ اليورو على قيمة أعلى من الدولار منذ أواخر عام 2002.

ألقت جائحة كورونا والحرب الأوكرانية، بظلالها على القارة العجوز من جوانب متعددة أهمها الاقتصاد، وخاصة اقتصاد الطاقة، ما جعل اليورو يتراجع. فإن لتراجع اليورو أسبابًا وعوامل مختلفة، وينتج منه دول متضررة ومستفيدة، وهو ما قد يؤثر في بعض الدول العربية.

الشتاء قادم

يمكن تلخيص أزمة اليورو الحالية بثلاثة عوامل أساسية؛ الأول تبعات جائحة كورونا التي أثرت في اقتصادات العالم، وما تزال حاضرة على نسب التضخم ومشكلات سلاسل توريد منذ شهور طويلة، ولكنها تضاعفت بفعل أزمة الطاقة الناتجة من الحرب في أوكرانيا. والحرب هي العامل الثاني، وأخيرًا السياسات الاقتصادية المتعلقة بالعملة، وعلى رأسها أسعار فائدة المركزي الأوروبي مقارنة بأسعار فائدة غيره من البنوك المركزية، ولا سيما الفيدرالي الأمريكي. 

وإذا كانت الأسعار، وأسعار الطاقة خصوصًا، من أهم هذه العوامل للاتحاد الأوروبي المستورد بشكل كبير للطاقة، وتحديدًا الطاقة الروسية، فإن مسار اليورو النهائي وقمة تطوراته في الغالب ستظهر بشكل أفضل في الشتاء القادم.

ولكن ما التطورات التي حصلت مؤخرًا في هذه العوامل الثلاثة؟ بينما لم يتطور أمر بخصوص الجائحة، ويمكننا القول إن المرحلة الحالية هي مرحلة التعامل مع تبعات الجائحة؛ فقد تغير الكثير في الأشهر والأسابيع الماضية بخصوص العاملين الآخرين، وهذه التطورات ما زالت منعكسة في استمرار انخفاض سعر اليورو مقارنة بالدولار؛ رغم صعوده لفترة بسيطة.

ارتفع سعر اليورو أولًا في بداية شهر سبتمبر الماضي بعد قرار المركزي الأوروبي برفع سعر الفائدة الأوروبية بنسبة 0.75% في اليوم الثامن من الشهر المذكور، وهو ارتفاع كبير نسبيًّا، إلا أن سعر الفائدة الأوروبية ما تزال تتراوح بين 0.75% إلى 1.25%، وهي نسب منخفضة مقارنة بأسعار الفائدة الأمريكية المتراوحة بين 3% إلى 3.25%.

يعد سعر الفائدة من أهم عوامل التأثير في العملة في المدى القصير، فهو الذي يحدد مقدار العائد على الاستثمار، وارتفاع الفائدة على الدولار مقارنة باليورو كان من أكثر عوامل انخفاض اليورو الفترة الأخيرة، ولذلك فإن رفعها في بداية سبتمبر ساهم في ارتفاع اليورو مؤقتًا إلى ما يقارب 1.01 للدولار.

تزامن ذلك مع الأنباء الأولى لتقدم الجيش الأوكراني في الساحات، معززًا بذلك موقف اليورو برفعه التوقعات في صالح أوروبا في الحرب، ولكن هذا الارتفاع ظل محدودًا بتخلف الاتحاد الأوروبي عن القدرة على رفع سعر الفائدة للحاق بالفيدرالي الأمريكي، واستهداف المركزي الأوروبي الوصول لسعر فائدة 2% على المدى المتوسط، وهو بعيد عن السعر الحالي لفائدة الفيدرالي، والذي قد يستمر بالارتفاع في المدى المتوسط. 

وكان آخر التطورات انفجار خط «نورد ستريم – Nord Stream» الذي يوصل الغاز إلى دول أوروبية، وهو ما يعني تفاقم أزمة الطاقة، وسوء التوقعات للشتاء القادم؛ خصوصًا مع عدم وجود بديل حقيقي عن الغاز الروسي، وقبلها رفع سعر الفائدة الأمريكية مرة أخرى، حتى وصل إلى نسبة 3.25% المذكورة سابقًا، والذي أدى إلى نهاية الصعود المؤقت لليورو وعودته للهبوط حتى 1.03 للدولار الواحد. 

الأزمات تولد الفرص.. ولكن لمن؟

من له مصلحة في ضعف اليورو؟ كل من يستورد أو له ديون باليورو يستفيد من انخفاض قيمته، وكذلك كل المراهنين ضده من المستثمرين في أسواق العملات، ولكن من يستفيد ويستطيع تحريك الأمور باتجاه انخفاض اليورو؟ 

المرشح الأول لذلك هو روسيا بالطبع؛ فالمعاناة الأوروبية الاقتصادية تعني احتمال إيجاد شروخ في الحلف الغربي ضدها، أو على الأقل إضعاف هذا الحلف وإشغاله بمشكلاته الداخلية. ولأن المعاناة الأوروبية تظهر على شكل ارتفاع أسعار المستوردات فإنها قد تعني تململًا شعبيًّا من المواقف الأوروبية في الحرب الأوكرانية، وقد توصل إلى موقف شعبي داعم للتخلي عن الجانب الأوكراني، مقابل أسعار طاقة أفضل ويورو ذي قوة شرائية أفضل. 

العالم والاقتصاد

منذ 6 شهور
حرب أوكرانيا ليست العامل الوحيد! لهذه الأسباب تهبط قيمة اليورو مقابل الدولار

لا يخفى اتهام الغرب روسيا استخدامها ورقة الغاز سلاحًا وقوة ضغط ضد الأوروبيين والغرب عمومًا، مقابل سلاح العقوبات، بالمقابل تؤكد روسيا دائمًا أنَّ قرارات الغاز والطاقة سببها القرارات الأوروبية والغربية.

ولدى روسيا قدرة التأثير في سعر اليورو والاقتصاد الأوروبي، فمن الواضح أن التقدمات الروسية العسكرية تعني خطرًا أكبر على أوروبا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن روسيا اتخذت أكثر من مرة قرارات بقطع جزئي أو كامل، عن دولة أو مجموعة دول أوروبية ردًّا على العقوبات، أو نتيجة لعدم انصياع هذه الدول لنظام الدفع بالروبل الروسي، أو إجراء عمليات صيانة يتهمها الغرب بأنها حجج لا أكثر، بل تشير بعض أصابع الاتهام الغربية إلى روسيا في تفجير خطها الذي ينقل غازها إلى أوروبا، وهو الاتهام الذي وصفته موسكو بـ«الغباء».

ولكن ماذا عن الموقف الأمريكي؟ لا تستفيد أمريكا مباشرة من انخفاض سعر اليورو، ولكن في المقابل يوجد أوجه اقتصادية قد تصبُّ في فائدتها المباشرة مثل ارتفاع نسبة صادرات الغاز الأمريكية إلى الاتحاد الأوروبي.

وتتحدث التقديرات عن بيع شحنات الغاز الأمريكي بأربعة أضعاف تكلفتها على الشركات، وقد تحقق شحنة غاز واحدة ربحًا صافيًا بـ200 مليون دولار؛ رغم أنها لم تكلف إلا 60 مليون دولار.

سائق يعكس مدى ارتباط اليورو بواردات الغاز  

وإذا ما استطاعت أوروبا تجاوز الشتاء القادم دون تغير في موقفها من الحرب الأوكرانية، فإن الأزمة الاقتصادية ولو تحولت إلى ركود ستعني مزيدًا من الاعتماد الأوروبي على أمريكا وحلفائها، أو على الأقل ابتعادًا أكثر عن روسيا، وهذا يعني مصلحة أمريكية محتملة في ضعف اليورو.

لكن بعض القرارات الأمريكية تؤثر سلبًا في اليورو، مثل قرارات الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة، رغم أن ذلك يعني ارتفاع قيمة الدولار فإنه أيضًا يعني مخاطرة أكبر بحصول الركود في أمريكا والعالم. 

لا يعني ارتفاع الدولار مقابل اليورو وغيره من العملات بالضرورة فائدة للاقتصاد الأمريكي، ولكن يستفيد منه الأمريكيون عند استهلاكهم لمستوردات من الخارج، وعند سفرهم لدول أخرى، بينما تتضرر الشركات المصدرة التي أصبحت منتجاتها أقل تنافسية بسبب ارتفاع ثمنها في الخارج نتيجة لارتفاع سعر الدولار، كما أن هذا الارتفاع قد يترافق مع أزمة ركود، ونهاية ليس الارتفاع كافيًا بحيث يغطي على ارتفاع الأسعار في أزمة التضخم العالمية. 

اليورو وعالمنا العربي.. أي علاقة بينهما؟

إذا ما أخذنا العالم العربي وحدة واحدة من حيث التجارة، تضمنت البيانات المتاحة لعام 2017 أن الصادرات العربية للاتحاد الأوروبي تمثل 12% من إجمالي صادراته، في المقابل تمثل صادرات الاتحاد الأوروبي قرابة 19% من إجمالي واردات الدول العربية. ومن الصعب تحديد نسبة هذه الصادرات والواردات التي يُتاجر بها بين الطرفين باستخدام اليورو. 

ووفقًا للبيانات المتاحة، يظهر أن أقل من نصف واردات الاتحاد الأوروبي كانت بالدولار الأمريكي، بينما لم يستخدم اليورو إلا في 38% من الاستيراد من خارج الاتحاد الأوروبي، وهذا يعني أن أهمية اليورو في التجارة العالمية ليست كبيرة جدًّا، ورغم أن الانخفاض في اليورو كبير بالنسبة للاتحاد وسياساته وإلى ما يؤشر عليه، فإنه ليس كبيرًا جدًّا إذا ما قورن بالتجارة مع الدول العربية عمومًا. 

لنفترض أن هذه النسب نفسها مطبقة على التجارة الخارجية، هذا يعني أن قرابة 45 مليار يورو من صادرات الدول العربية للاتحاد الأوروبي، وعليه فإن الدول العربية خسرت من هذه الصادرات 17% (نسبة التغير في سعر اليورو)، أي ما يقارب 5 مليارات دولار. 

وبالافتراضات نفسها، فإن الدول العربية كانت تستورد ما مقداره 72 مليار يورو، وربحت بسبب انخفاض قيمة هذه المستوردات ما قيمته 12 مليار دولار تقريبًا، والمحصلة النهائية هي أن الدول العربية كسبت (ضمن الافتراضات السابقة) 7 مليارات دولار.

وهذا الرقم لا يمثل إلا نسبة ضئيلة في حجم التجارة العربية، فكل من الصادرات والواردات العربية في عام 2017 كان يقدر بترليون دولار، لذلك فإن هذا التغير لا يمكن أن يشكل فرقًا كبيرًا بالنسبة للعالم العربي ككل. 

ولكن هذا يصنع فارقًا ملحوظًا بالنسبة للدول العربية الأكثر تجارة وارتباطًا بالاقتصاد الأوروبي، مثل الجزائر والمغرب، فالمغرب تصدر ما يقارب 45% من صادراتها إلى إسبانيا وفرنسا، وتستورد منهما ما يقارب 27% فقط، بينما تصدر الجزائر 40% من صادراتها لكل من إيطاليا، وفرنسا، وإسبانيا، بينما تستورد 30% من كل من إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا وإسبانيا.

كما أن لنظام سعر الصرف في كل من البلدين وجه ارتباط باليورو. فمثلًا سعر الصرف في الجزائر مرتبط بكل من الدولار واليورو معًا، وبنسبة أكبر بالدولار، بينما الحال معكوس في المغرب التي تثبت عملتها لليورو أكثر من الدولار، وهذا يعني أن انخفاض قيمة اليورو يعني انخفاض قيمة عملتي البلدين.

وهذا يعني أن الخسارة متركزة أكثر في هذين البلدين، لحساب ربح محتمل أكبر في غيرهما، فنحن لا نعلم نسبة استخدام اليورو في التجارة في باقي الدول، أو إذا كانت تستخدم بنسبة كبيرة أصلًا، فليس هناك ارتباط كبير بالاتحاد الأوروبي لكثير من الدول العربية الأخرى.

لكن ضعف اليورو ثاني أهم عملات العالم ليس أمرًا مجردًا، فالعملات تقاس بعضها ببعض، وهذا يعني أن خسائر اليورو هي مكاسب الدولار، وارتفاع الدولار يعني عبئًا أكبر على الدول العربية عمومًا، وخصوصًا في ديونها المقومة بالدولار (العملة الأكثر استخدامًا في الديون)، وعبئًا أكبر عليها في الاستيراد بسبب ارتفاع سعر الدولار المستخدم أكثر من غيره في التجارة العالمية أيضًا، فخسارة الدول العربية الأكبر هي خسارة غير مباشرة ناتجة من انخفاض اليورو.

ويبقى مستقبل اليورو القريب معلقًا على الشتاء القادم، ومعه تطورات الحرب الأوكرانية، ومواقفها السياسية منها، فقد يأتي الشتاء القادم بتغييرات أكبر وأعمق بكثير على اليورو والعالم كله.

 

المصادر

تحميل المزيد