«نحن نطلب مساعدتك لإعلام حكومتنا بأنّ أرضنا ليست للبيع وأننا سنواصل مقاومة هذا الاعتداء الذي طال أمده على حقوقنا والسلامة البيئية لأرضنا. لذلك فإننا ندعو منظّماتكم للتحدث علانية ضد هذه الانتهاكات ومساعدتنا في منع انقراض شعبنا.

يمكنك الاستمرار في توفير التمويل للمسؤولين عن الاستيلاء على أرضنا باسم الربح، أو يمكنك أن توضح لحكومتنا أنك لن تقف مكتوف الأيدي أما سلب حقنا في العيش بسلام على أرضنا والمحافظة عليها، من أجل إفساح المجال لسياحة الأثرياء وصيد الطرائد».

 كان هذا جزءًا من نص رسالة، وقّع عليها الآلاف من شعب الماساي الذي يضم عدة قبائل والموجودين في شمال تنزانيا، إلى أعضاء في الحكومة البريطانية، والأمريكية، والاتحاد الأوروبي، يناشدونهم المساعدة لوقف خطط طردهم من أراضي أجدادهم. إذ يواجه أكثر من 150 ألف شخص من شعب الماساي التهجير القسري من قبل الحكومة التنزانية، بسبب تحركات الحكومة وشركة سياحة ورحلات سفاري، لاستخدام الأرض في سياحة الصيد التجاري. 

بدأت الاحتجاجات عندما بدأت الشرطة التنزانية، في ترسيم 1500 كيلومتر مربع من الأرض، لإفساح المجال لإنشاء محمية طبيعية ستديرها شركة «Otterlo Business Corporation» التابعة لمجموعة «رويال جروب» التي مقرها دبي والمملوكة لمستثمرين مقرّبين من الأسرة الحاكمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، بل تضم عضوية مجلس إدارتها الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني بالإمارات، كما أنها – شركة «OBC» – المكلفة بتنظيم رحلات الصيد للعائلة الحاكمة وضيوفها، في حين يقول شعب الماساي إن هذه الأرض موطنهم منذ عشرات السنين.

 في الأيام القليلة الفائتة، جرى تداول مقاطع فيديو على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تُظهر هجومًا مميتًا وعشوائيًا، يتعرض له أفراد من القبائل الأفريقية الأصلية، على أيدي الشرطة. إذ أظهرت المقاطع مقاومة أفراد شعب الماساي لعناصر الشرطة بالأسلحة التقليدية من قوس وسهام ورماح؛ ما جعل البعض يشبه الاشتباكات بالحملات الاستعمارية وجرائم الإبادة ضد الشعوب الأصلية في القرون الماضية، فما القصة؟

30 عامًا من الفساد: قصة استحواذ الشركة الإمارتية على أرض شعب الماساي

وفقًا للتقارير، تعود القصة إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1992، حين منحت الحكومة التنزانية امتيازًا لأجزاء من أراض الماساي لشركة «Otterlo Business Corporation» من أجل الحفاظ على الحياة البرية وإدارتها في المنطقة. عُقدت الصفقة في ظل ظروف مثيرة للجدل، وذلك بعدما ثَبُت بعد تورط كبار المسؤولين الحكوميين في هذه الصفقة – أصبحوا يُعرفون لاحقًا باسم «Loliondogate» – مقابل حصولهم على ملايين الدولارات. 

في عام 2012 قررت الحكومة التنزانية إجبار رعاة الماساي، على ترك أراضيهم لإفساح مساحة أوسع للشركة، من أجل تنظيم مسابقات ورحلات صيد الطرائد، وأعلنت الحكومة وقتها عن إنشاء «ممر للحياة البرية» بمساحة 1500 كم مربع بدعوى الحفاظ على الأرض والمنطقة البيئية من عمليات الرعي الجائر، الأمر الذي كان يعني تهجير 30 ألف شخص، علاوة على تضرر رعاة شعب الماساي، الذين يعتمدون على الأعشاب الموسمية، لإطعام ماشيتهم. لكن الإعلان عن خطة الحكومة آنذاك، تسبب في إشعال شرارة الغضب داخل البلاد، ومع الضغط الدولي، من منظمات أممية على رأسها منظمة اليونسكو، توقف العمل في المشروع.

Embed from Getty Images

جدير بالذكر أن طقوس البلوغ الاحتفالية (طقوس العبور لمرحلة الرجولة عند ذكور شعب الماساي) مدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث الإنساني الثقافي، بحكم فرادتها، وبالتالي فإن عمليات التهجير ستسبب في انقراضهم مع تقاليدهم، وبحسب اتفاقية عام 1972 يمنع تهجير الشعوب الأصلية، وعليه أعلن جاكايا كيكويتي، رئيس البلاد آنذاك، إن عمليات الإخلاء القسري لن تتم، لكن المفاوضات مع شعب الماساي، ظلت قائمة.

فاجتمع وزير الموارد الطبيعية والسياحة، خميس كاجاشيكي، ووزيرة الأراضي والاستيطان، آنا تيبايجوكا، آنذاك، مع أفراد من شعب الماساي، وخاطبهم في قاعة مجلس منطقة نجورونجورو في مدينة لوليوندو، موضحًا إنّ الولاية تخطط لتقليص المنطقة الواقعة تحت سيطرة شركة «OBC»، وتهجير شعب الماساي من المنطقة في الوقت نفسه، لتشغيلها «منطقة لإدارة الحياة البرية (WMA)».

لكن زعماء الماساي الذي حضروا الاجتماع رفضوا هذا الاقتراح الذي رأوا فيه التفافا على مطالبهم وتهدأة الأجواء حاليا على أن تعود الشركة لممارسة أنشطتها لاحقا، وطلبوا توقف شركة «OBC» التي تعمل في أراضيهم دون موافقتهم منذ 21 عامًا، وأعلنوا عن رفضهم التام للخطة الحكومية التي تتضمن اقتطاع 1500 فدان من أراضيهم، لأجل ممر للحياة البرية، قائلين إن «المنطقة هي المراعي الوحيدة للماشية، وهي مصدر رزق نحو 50 ألف ماساي في لوليوندو». 

على الرغم من الاحتجاجات المحلية والدولية، استمرت الشركة في التوسّع وتهجير أصحاب الأرض، حتى عام 2017 حين حاولت شركة «OBC» رشوة وزير الموارد الطبيعية المعين حديثًا، هاميسي كيغوانغالا، لينكشف الستار عن سنين طويلة من الفساد والرشاوي والجور على الحياة الإنسانية والطبيعة، كانت طيّ الكتمان.

أمر الوزير كيغوانغالا، «مكتب منع ومكافحة الفساد (PCCB)» باعتقال إسحاق مول، المدير التنفيذي لشركة «OBC»، ووجه له وللشركة اتهامًا بمحاولة رشوته وأسلافه، كما دعا إلى التحقيق مع وزراء الموارد الطبيعية الذين سبقوه في المنصب.

وبالفعل أظهرت التحقيقات أن الجيش تلقّى تبرعات بقيمة 32 ألف دولار في عام 1994، بينما تلقت وزارة الموارد الطبيعية والسياحة، أكثر من مليوني دولار من الشركة الإماراتية، وصرح رئيس البرلمان، السياسي المعارض تندو ليسو – والذي راقب القضية لأكثر من 20 عامًا – أن هذه التبرعات كانت السبب وراء إبقاء الحكومة والحزب الحاكم على العقد مع الشركة طي الكتمان.

رحلات أثرياء الإمارات: صيد الحيوان و«القضاء على الإنسان»!

بالتزامن مع محاولة تنزانيا إلغاء التراخيص، وتعليق رحلات الصيد بعد محاولة رشوة وزير الموارد الطبيعية، بدأت الجماعات المستفيدة من النشاط السياحي ورحلات الصيد في الضغط على الحكومة، بالاحتجاجات والتصعيد، إذ كان ممارسو هواية صيد الطرائد قد حجزوا ودفعوا رسوم رحلات السفاري لعام 2018، وقد يؤدي إلغاء الحجوزات إلى تقويض الدخل القومي من قطاع السياحة، بحسب شركات السياحة.

 جدير بالذكر أنه بالإضافة لرحلات الصيد الخاصة بالأسرة الحاكمة في الإمارات، كانت معظم الحجوزات الأخرى، تأتي من الولايات المتحدة، إذ يدفع الصياد (السائح) ما بين 14 ألف و20 ألف دولار، من أجل رحلة استكشافية تستغرق من 10 إلى 21 يومًا.

Embed from Getty Images

أوردت التقارير والتحقيقات الصحافية أُجريت بعد محاولة رشوة وزير الموادر الطبيعية، أن شركة «OBC» ورحلات الأمراء وضيوفهم، قتلت أكثر من 2796 حيوانًا وطيرًا في موسمي الصيد 2007 و2009، والذي استمر كل موسم منهما أربعة أشهر. وأشارت التقارير الحكومية إلى أنّ الحيوانات التي اصطيدت، شملت قرود البابون، والجاموس، والضباع، والأسود، والفهود، ومنها من الحيوانات المهددة بالانقراض. 

وأفادت التقارير أنه ربما تكون الأسرة الإماراتية الحاكمة وضيوفها، قد قتلوا عدة آلاف من الحيوانات والطيور، خلال العشرين عامًا التي كانت تعمل فيها الشركة في المنطقة. وبسبب نتائج التحقيقات السابق ذكرها، أنهت تنزانيا امتياز الشركة، واستمرت في التحقيقات لكشف تعاملات الشركة مع ووزراء السياحة السابقين، لكن لم يتوقف تهجير شعب الماساي!

في عام 2018 رفع شعب الماساي دعوة في محكمة العدل لشرق أفريقيا ضد الحكومة التنزانية، يطالب فيها بوقف عمليات التهجير القسري، وبالفعل أصدرت المحكمة أمرًا مؤقتًا، يمنع الحكومة من طرد شعب الماساي، أو المساس بالأرض المتنازع عليها، وهو الأمر الذي لم ينفذ. 

ففي مارس (آذار) 2022، جرى تداول رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي، تتضمن أمرًا من الحكومة إلى مسؤولي نجورونجورو (المنطقة التي يقطنها شعب الماساي)، لإعادة تخصيص أكثر من 80 ألف دولار من أموال الإغاثة الخاصة بفيروس كورونا، والتي كانت قد خُصصت مبدئيًا من أجل تطوير المدارس العامة داخل المنطقة، إلى أحد مواقع إعادة التوطين المقررة سلفًا لشعب الماساي جنوب نجورونجورو!

القضاء على الشعوب الأصلية من أجل رحلات سفاري الأمراء!

«قررت حكومتنا إطلاق العنان للقوة الكاملة للجيش لطردنا من أرضنا وأرض أجدادنا، تاركين العديد من الجرحى بطلقات نارية. وقد تحركنا مرغمين للنوم في الأدغال. الحكومة ترفض معالجة المصابين، وكثير من الناس بلا طعام. أن تأخذ أرضنا من أجل رحلات الصيد الفاخر لقادة الإمارات، هذا أمر همجيّ».

بالتزامن مع اقتراب إصدار محكمة العدل لشرق أفريقيا، حكمًا نهائيًا الأسبوع المقبل، عادت القصة للظهور مرة أخرى منذ أيام، حين وصلت العشرات من سيارات الشرطة وما يقدر بنحو 700 ضابط إلى لوليوندو، بالقرب من حديقة سيرينجيتي الوطنية المشهورة عالميًا. لماذا؟ كانت الخطة هي ترسيم مساحة 1500 كيلومتر مربع من أرض الماساي محمية للألعاب؛ ما يعني استكمال تنفيذ مشروع الشركة الإماراتية الذي أُجهض في 2017. 

فر الآلاف من منازلهم للاحتماء بالأدغال، منذ بدأ التصعيد في 10 يونيو (حزيران) 2022، حين أطلقوا النار على قبائل شعب الماساي، وبدأت الشرطة في مطاردة المحتجين وطردهم من منازلهم. كانت أعمال العنف في الأيام القليلة الماضية، هي أحدث حلقة في محاولة طويلة الأمد من قبل السلطات التنزانية، لطرد الماساي من أراضيهم في لوليوندو، من أجل سياحة السفاري وصيد الطرائد. وبحسب ما نقلته وسائل الإعلام المحلية والدولية، عن قادة الماساي فإن شركة «OBC» ستسيطر مرة أخرى على الصيد التجاري في المنطقة.

ربطت مؤسسة «Survival International» المعنية بالقبائل والشعوب الأصلية، ما يحدث الآن مع الماساي، بأنه استمرار للنهج الاستعماري الذي بدأ ضدهم في عام 1959، من قبل المسؤولين الاستعماريين البريطانيين. كما أعربت الأمم المتحدة عن قلقها العميق إزاء تحرك تنزانيا لطرد أكثر من 70 ألف فرد من شعب الماساي، من مساحة قدرها 1500 كم مربع، في قسم لوليوندو بمنطقة نجورونجورو، وشددت على أن إبعاد الشعوب الأصلية عن أراضيها، بما في ذلك شعوب الماساي، حيث كانوا يعيشون منذ أجيال، سيؤثر على بقائهم واستمراريتهم.

قابلت الحكومة التنزانية هذه الاتهامات بالنفي التام، وفسر رئيس الوزراء، قاسم المجاليوا، المقاطع المصورة بأنها «وهمية صنعها هؤلاء القرويون»، إلا أنّ قادة الماساي يؤكدون أنّ الشركة الإماراتية لاتزال تعمل على انتزاع أرض الأجداد، فيما التزمت الشركة الإماراتية الصمت تجاه كل هذه الأحداث والاتهامات.

أرض شعب الماساي «مطمع» قديم للمستعمرين

لطالما شهدت الأراضي في تنزانيا نزاعًا مريرًا منذ الحقبة الاستعمارية، حيث طردت الحكومات المتعاقبة الرعاة ومجتمعات الصيد، ومنعوا جمع الثمار من العديد من المناطق لإنشاء متنزهات وطنية، ومحميات صيد وزراعة واسعة النطاق. وأُجبر شعب الماساي على مغادرة منطقة «سيرينجيتي» لإنشاء الحديقة الوطنية في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، وأجبر شعب «بارابايغ» على مغادرة سهول باسوتو لزراعة القمح في أوائل السبعينات. لكن الحكومة الاستعمارية عادت وعقدت صفقة مع شعب الماساي الذين يعيشون في الجزء الشرقي من الحديقة الوطنية، ومنحتهم المزيد من الأراضي شرقًا في منطقة نجورونجورو المحمية، حيث تقع على طريق الهجرة الرئيس للحياة البرية. 

Embed from Getty Images

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة التنزانية لطالما سمحت تاريخيًا لمجتمعات السكان الأصليين مثل شعب الماساي بالعيش داخل المتنزهات الوطنية، لكن وبحسب تصريحات الحكومة فإن عدد السكان الذين يعيشون في منطقة نجورونجورو قد ارتفع من 8 آلاف نسمة في عام 1959، إلى أكثر من 100 ألف، كما نما عدد الماشية من حوالي 260 ألف في عام 2017 إلى أكثر من مليون رأس ماشية اليوم، الأمر الذي يؤثر على طبيعة المنطقة، وأنه السبب الأساسي لمحاولات تهجيرهم. في المقابل يقول شيوخ الماساي، والمعنيين بالبيئة، إنّ هذه القبائل تعايشت مع الحياة البرية لأجيال، ولم تتضرر البيئة خلالها أبدًا، كما أنه لا يُسمح لهم بزراعة الأرض. 

مبررات الحكومة التنزانية قابلتها تحذيرات فريق من خبراء حقوقيين مستقلين عينتهم الأمم المتحدة، في فبراير (شباط) 2022 بأن خطة التهجير «قد تُعرّض بقاء شعب الماساي المادي والثقافي للخطر» إذ ستجري إزالة حوالي 82 ألف فرد من الماساي على مدى السنوات الخمس المقبلة، في ظل أزمة الجفاف التي يعانون منها، كما ذكر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، كيف أدت فترات الجفاف الطويلة إلى نقص المراعي والمياه للماشية في منطقة ماساي الشمالية، ونفوق أكثر من 60 ألف رأس؛ ما أثر بالتبعية على قوت القبائل الأصلية هناك.

المصادر

تحميل المزيد