كان حدثًا جللًا أصاب الملايين بالأسى والحزن عندما أُعلن عن وفاة أحد أهم العباقرة في العصر الحديث، العالم الشهير ألبرت أينشتاين في عام 1955، إلا أن المفارقة التي أثارت دهشة الجميع كانت قيام الطبيب الشرعي توماس هارفي بسرقة مخ أينشتاين؛ لمعرفة السر وراء هذه العبقرية التي غيرت خريطة العلم للأبد.

وعلى الرغم من أن أينشتاين كان قد أوصى بحرق جسده وذر رماده، فإن عائلته عندما علمت بفعلة هارفي سمحت له بالاحتفاظ به بشرط استخدامه في الأغراض البحثية العلمية فقط. لاحقًا وبمساعدة من طبيبة المختبر مارتا كيلر جرى تقسيم مخ أينشتاين إلى ألف قطعة ووضعها على شرائح زجاجية مجهرية، وإرسالها إلى العديد من المختبرات العلمية لدراستها.

وفي متحف موتر الواقع في معمل جامعة بنسلفانيا بفيلادلفيا تقبع 46 شريحة مجهرية زجاجية تحتوي على أجزاء من مخ العالم الشهير جنبًا إلى جنب مع العديد من المعروضات الجسدية الأخرى لحالات طبية شاذة.

العجيب في الأمر أن مخ أينشتاين الذي أصبح يُعرض في المتاحف بسبب فرط عبقريته جلب له الكثير من المشاكل عندما كان في السابعة من عمره؛ إذ كان أينشتاين طفلًا متعثرًا دراسيًا، ويعاني من فرط الحركة، ونقص الانتباه، بالإضافة إلى عُسر القراءة؛ الأمر الذي يجعلك تتساءل: كيف جمع هذا المخ بين التفوق العقلي وبين صعوبات التعلم؟

صعوبات التعلم vs التفوق العقلي

قد يبدو الخلط بين مفهوم صعوبات التعلم والتفوق العقلي أمرًا غير مستساغ على مستوى غير المتخصصين، خاصة بالنسبة للآباء والأمهات؛ فغير منطقي أن يكون الطفل من العباقرة وهو يعاني من صعوبات التعلم!

يُشير دكتور بطرس حافظ بطرس أستاذ الصحة النفسية بجامعة القاهرة في كتابه «محاضرات في التقويم والتشخيص في التربية الخاصة» إلى أن صعوبات التعلم تظهر في حياة الطفل بمرحلة الطفولة المبكرة – الفترة من سنتين إلى خمس سنوات – على شكل اضطرابات نمائية، في العمليات الأساسية للتعلم، مثل الانتباه، والتركيز، واكتساب اللغة. وبانتقال الطفل إلى مرحلة الالتحاق بالمدرسة تؤثر هذه الصعوبات على قدراته الأكاديمية؛ فتظهر صعوبات التعلم الأكاديمية التي تؤثر على مهارات، مثل: القراءة، والكتابة، والتهجئة، والحساب.

Embed from Getty Images

يُرجع الدكتور سليمان عبد الواحد يوسف في كتابه «المخ وصعوبات التعلم: رؤية في إطار علم النفس العصبي المعرفي» السبب وراء صعوبات التعلم؛ إلى خلل وظيفي في الجهاز العصبي المركزي، يؤثر في قدرة الطفل على معالجة المعلومات. الأمر الذي يتسبب في خلل بالوظائف الإدراكية، والنفسية، والمعرفية، واللغوية، والحركية في مرحلة الطفولة المبكرة، والتي تتطور إلى عدم القدرة على معالجة المعلومات، وتظهر صعوبات التعلم الأكاديمية بعد ذلك.

على جانب آخر تختلف الموهبة بشكل كبير عن صعوبات التعلم؛ إذ تُعرفها «الجمعية الوطنية للأطفال الموهوبين (NAGC)» على أنها قدرة الطفل العالية على الإبداع والإنجاز في المجالات الفكرية، والإبداعية، والفنية، والقيادية؛ الأمر الذي يعمق الفجوة بينها وبين صعوبات التعلم.

إذًا.. كيف يجتمع النقيضان؟

أطلقت جامعة جونز هوبكنز مصطلح «الموهوبين ذوي صعوبات التعلم» للمرة الأولى عام 1981 للاهتمام بهذه الفئة التي تجمع بين الموهبة الاستثنائية والتأخر الدراسي. وعرفهم دكتور فكري لطيف متولي في كتابه «صعوبات التعلم للمبتكرين والموهوبين»، بأنهم الأطفال ذوو الذكاء المتوسط، أو الأعلى من المتوسط، ويعانون من صعوبات التعلم في بعض المجالات، على الرغم من تفوقهم في مجالات أخرى بسبب وجود خلل يؤثر على التكامل بين وظائف نصفي المخ الأيسر والأيمن، فيسيطر أحد النصفين على الآخر؛ ما يتسبب في وقوع خلل في طريقة معالجة المخ للمعلومات.

ويصنف دكتور لطفي فكري الأطفال الموهوبين ذوي صعوبات التعلم إلى أربع فئات:

1- الموهوبون ذوو صعوبات التعلم الطفيفة

عاشت أجاثا كريستي، كاتبة الرواية البوليسية، طفولة مليئة بالأصدقاء الخيالين في ظل رعاية والدتها التي كانت تؤمن بموهبة طفلتها اللغوية، وقدرتها على نسج الحكايات، وتحويل التفاصيل الدقيقة إلى أحداث بوليسية شيقة، إلا أن كريستي كانت تعاني من عُسر الكتابة الذي كان يمنعها من تسجيل ما تحكيه، شجعتها والدتها على تسجيل كل ما يدور في ذهنها؛ فكانت كريستي تملي حكاياتها على أشخاص آخرين للتغلب على مشكلة عُسر الكتابة.

تضم هذه الفئة الطلاب الموهوبين مع صعوبات تعلم دقيقة، كأن يمتلك الطفل مهارات لغوية متطورة، لكنه يعاني من بعض المشكلات في التهجئة، يستطيع هؤلاء الأطفال اجتياز اختبارات التحصيل الدراسي بشكل متوسط، أو أعلى من المتوسط؛ لذلك لا يصنفون ضمن فئة صعوبات التعلم.

2- الموهوبون ذوو التحصيل المنخفض

تضم هذه الفئة مجموعة الأطفال الموهوبين ذوي التحصيل المنخفض، ولا يربط أحد بين تحصيلهم الدراسي المنخفض وبين صعوبات التعلم؛ إذ عادةً ما يُفسر انخفاض التحصيل الدراسي لديهم على أنه بـسبب «انخفاض ثقتهم في أنفسهم واحترامهم لذواتهم، أو بسبب الكسل». 

«كنت أعاني من عُسر القراءة، لكن لم يجر تشخيصي حتى بلغت الستين من عمري، وظللت طوال سنوات الدراسة أعاني من الوصم والتنمر اعتقادًا من أساتذتي أني طفل كسول، ولم يعلم أحد شيئًا عن معاناتي» * المخرج الشهير الحاصل على جائزة الأوسكار، ستيفن سبيلبرج

3- ذوو القدرات العقلية الفائقة المدفونة تحت صعوبات التعلم

يتميز الأطفال المنتمون إلى هذه المجموعة بصعوبة تصنيفهم في إحدى الفئتين؛ إذ تُخفي قدراتهم العقلية الفائقة صعوبات التعلم لديهم، وتحد صعوبات التعلم من تألق وظهور قدراتهم العقلية الفائقة، لذلك يصعب تحديد قدرات هؤلاء الأطفال ذوى المواهب الاستثنائية، كما يصعب تحديد المشكلات الأكاديمية التي يعانون منها.

ألبرت اينشتاين

4- المتأخرون دراسيًا العباقرة 

تضم هذه الفئة أسماء العديد من المشاهير العباقرة في الفنون، والموسيقى، والعلوم، مثل والت ديزني، وأجاثا كريستي، وألبرت أينشتاين. تكمن مشكلة هذه الفئة – والتي تمثل 33% من الأطفال الذين يشخصون بصعوبات التعلم – في أن صعوبات التعلم تخفي مواهبهم الحقيقة، وتجعلهم مستبعدين عن برامج تنمية المواهب، بالإضافة إلى كونهم مصدر قلق بالنسبة لآبائهم ومقدمي الرعاية لهم!

«كانت والدتي قلقة بشأن تأخري في الحديث حتى سن الثالثة، وحتى عندما تحدثت ظلت حصيلتي اللغوية ضعيفة، وقدرتي على التعلم بطيئة، وعانيت من عُسر القراءة» – *ألبرت أينشتاين في سيرته الذاتية

لكن.. كيف تكتشف طفلك الموهوب ذا صعوبات التعلم؟

يرافق الطفل الموهوب منذ الصغر مجموعة من السمات التي تجعله مختلفًا ومميزًا عن الطفل العادي، تتمثل هذه السمات في مجموعة من الاستثارات النفسية الفائقة التي تجعل الطفل يتعامل مع البيئة المحيطة له بردود أفعال غير طبيعية لا يستطيع الكثير من الآباء فهمها وتفسيرها.

قدم عالم النفس البولندي كازيميرز دابروفسكي تفسيرًا يوضح لماذا يتعامل الطفل الموهوب بهذا الشكل من الحساسية عن طريق نظرية التفكك الإيجابي، والتي بحسب موقع «فيرى ويل مايند الطبي» تعني تفاعل الطفل بشكل مكثف على مستوى خمسة مجالات مختلفة هي «فرط الاستثارة الفكرية، وفرط الاستثارة الحركية، وفرط الاستثارة الخيالية، وفرط الاستثارة العاطفية، وفرط الاستثارة الحسية».

ظهرت نظرية دابروفسكي قبل الاتفاق على تعريف محدد للأطفال الموهوبين، أو العباقرة ذوي صعوبات التعلم؛ لأنها ساعدت في تفسير سلوكيات الأطفال الموهوبين في مرحلة الطفولة المبكرة، وربطها بصعوبات التعلم بعد ذلك، خاصة الأطفال الذين تظهر عليهم سمات فرط الاستثارة الفكرية وفرط الاستثارة الخيالية.

– الاستثارة الفكرية: المناهج الدراسية لا تشبع فضول العباقرة المعرفي!

يتميز الأطفال أصحاب الاستثارة الفكرية المفرطة بنشاط عقلي مكثف يجعل الطفل شغوفًا بالمعرفة، والتعلم الحر بعيدًا عن الضوابط الأكاديمية، وبسبب النشاط العقلي المكثف ينفصل الطفل ذهنيًا عن المناهج الدراسية؛ لأنها لا تشبع فضوله المعرفي، ويتعامل مع المواد الدراسية برؤية مختلفة تجعله ينغمس في أفكاره إلى الحد الذي يجعله غير قادر على التركيز فيما يدرس فيتعثر دراسيًا.

«ظل إسحاق نيوتن عالم الفزياء يطرح الكثير من التساؤلات عن السبب وراء سقوط التفاحة من الشجرة التي كان يجلس أسفلها، لماذا سقطت التفاحة بشكل عمودي؟ لماذا لم تنحرف عن مسارها عندما سقطت؟ هل سقطت لأن شيئًا ما جذبها إلى الأسفل؟ إن كانت سقطت لأن شيئًا ما جذبها إلى الأسفل، فلماذا لم يسقط القمر؟ سلسلة لا نهائية من الأسئلة نتج عنها في النهاية قانون الجاذبية»

– الاستثارة الخيالية: أحلام يقظة تُحلق بعيدًا عن قاعات الدراسة

يتمتع هؤلاء الاطفال العباقرة بخيال نشط وخصب يدفعهم إلى رؤية ما وراء المعلومات والأحداث وربطها ببعضها البعض، والخروج بنتائج جديدة تأخذهم بعيدًا عن المحتوى الدراسي؛ فيحول هذا الخيال بينهم وبين تفوقهم الدراسي إذا لم يجر توظيفه في الإطار المناسب.

Embed from Getty Images

أب يساعد طفله في التغلب على صعوبات التعلم

حملت أحلام اليقظة نيوتن بعيدًا عن عالم المدرسة فتعثر دراسيًا، وانخفض مستوى تحصيله الدراسي، فمنعته أمه من الذهاب إلى المدرسة للعمل في مزرعتهم الخاصة، لكن ولعه الشديد بالرياضيات والميكانيكا دفع عمه إلى التدخل وإعادته إلى المدرسة من جديد؛ حتى يتثنى له الالتحاق بالجامعة.

وهذه 5 إستراتيجيات للتعامل مع طفلك الاستثنائي

قدم دكتور فكري لطيف متولي مجموعة من الإستراتيجيات التي تساعد في التعامل مع الأطفال الموهوبين ذوي صعوبات التعلم، ومنها: 

1- المساعدة المتخصصة

هناك مجموعة من الاختبارات المختلفة التي يمكن اللجوء إليها عند ملاحظة بعض السمات التي قد تجعل الطفل مختلفًا عن أقرانه، مثل اختبارات الذكاء، واختبارات القدرة الابتكارية، بالإضافة إلى اختبارات التحصيل الدراسي إذا كان الطفل في سن دخول المدرسة، أو الاختبارات الإدراكية إن كان الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة، ستساعدك هذه الاختبارات على تحديد نقاط التميز ونقاط الضعف عند طفلك.

2- أخبر طفلك بنقاط قوته ونقاط ضعفه

يساعد إخبار الطفل بالسمات التي تميزه، والصعوبات التعليمية التي يعاني منها، في استيعابه لما يمر به من تناقضات، وجعله أكثر تقبلًا لذاته.

3- تطوير الموهبة

يساعد خلق بيئة تربوية محفزة لاستثنائية هؤلاء الأطفال العباقرة المتأخرين دراسيًا في خلق دافع لهم، ورغبة في التعلم، والتغلب على صعوبات التعلم التي تقف عائقًا أمام تطورهم.

وفر له آليات البحث عن المعلومات المختلفة، والبدائل المختلفة لتوصيل أفكاره وتطويرها عن طريق المساعدة من المتخصصين في المجالات المختلفة التي يتميز فيها، مثل الفنون، والعلوم، والرياضة، ولا تكتفي بالمحتوى الدراسي فقط.

4- احترام الفروق الفردية

يكمن احترام الفروق الفردية في تقدير ما يمكن أن يفعله الطفل، وليس التركيز على نقاط ضعفه ومقارنته بأقرانه.

5- الإستراتيجيات التعويضية

مشكلة صعوبات التعلم هي مشكلة دائمة حتى وإن جرى علاجها، إلا أنها تظل قائمة، ولا يمكن تجاوزها بشكل كامل، يساعد توظيف الوسائل التكنولوجيا المختلفة، مثل المدقق الإملائي، والآلة الحاسبة، وبرامج القراءة الصوتية، في الحد من تأثير هذه الصعوبات.

وقد ساعدت هذه الإستراتيجية الكاتبة أجاثا كريستي في التغلب على مشكلة عُسر الكتابة؛ إذ كانت تُسجل قصصها على مسجِّل، ثم يقوم السكرتير الخاص بها بكتابة هذه القصص، فألفت 66 رواية بوليسية، وكتبت العديد من المسرحيات والقصص القصيرة، باعت منها حوالي ملياري نسخة، فأصبحت الكاتبة الأكثر مبيعًا على الإطلاق وفقًا لموسوعة «جينيس».

المصادر

تحميل المزيد