هل وجدت نفسك من قبل تفكر في أمر وترى أن الاحتمالين المتاحين أمامك لهذا الأمر هما إما كذا وإما كذا، ولا ثالث لهما؟ إذا كانت إجابتك هي نعم، فاحذر، أنت هنا واقع في أسر «المعضلة الكاذبة – false dilemma».

من المُحتمل أن تكون قد عانيت سابقًا من المعضلة الكاذبة في حياتك العامة أو الخاصة: «إما أنا أو الفوضى»، «من ليس معي فهو ضدي»، «يجب أن أفقد 10 كيلوجرامات من وزني أو لن يحبني أحد». كل ما سبق أمثلة للمعضلات الكاذبة التي نمر بها يوميًّا. فعندما تفكر في موقف ما وتكون الإجابة: «إما .. أو» دون طرح جميع الاحتمالات الأخرى ذات الصلة، فأنت بذلك ترتكب مغالطة المعضلة الكاذبة.

المعضلة الكاذبة.. الصدق مع رئيسك أو الاحتفاظ بوظيفتك

تُمثل المعضلة الكاذبة خيارًا بين خيارين متناقضين تمامًا، ولا ثالث لهما. وفي الأغلب يكون أحد الاختيارين المطروحين أسوأ بكثير من الآخر، لذلك عليك أن تقبل الاختيار الآخر الأقل سوءًا. لكن بمعاودة النظر، تكتشف أن لا اختيار في الواقع. أنت فقط مُجبر على تبني أحد الخيارين لأن الآخر سيئ للغاية ولا تحب أو توصم به، ولأن المعضلة الكاذبة تُقنعك بأنه ليس أمامك سوى هذين الخيارين.

Embed from Getty Images

لذا، تُعد المعضلة الكاذبة نوعًا من المغالطة المنطقية غير الرسمية التي يجري فيها استخدام حجة خاطئة لإقناع الجمهور بالموافقة. يمكن أن تكون المعضلات الكاذبة متعمدة أو عرضية، لكن هدفهم المؤكد هو جعل حجتهم مقنعة.

مثلًا تستخدم السياسة العديد من المغالطات المنطقية لإقناع الجمهور. ففي الدعاية السياسية مثلًا تُستَخدم النداءات العاطفية، لحسم القرارات، فمثلًا من المعضلات الكاذبة في مجال السياسة: «التصويت لي أو العيش لمدَّة أربع سنوات أخرى من الضرائب المرتفعة» أو «تبرع لحملتي إذا كنت تهتم بالمستقبل» أو «إذا كنت تريد أن تكون بلادنا آمنة، فعلينا زيادة الإنفاق العسكري». المعضلات الكاذبة ليست حكرًا على السياسة، بل يمكن أن تواجهها في مجال عملك، مثل أن تكون قد تعرضت للمعضلة الكاذبة خلال حياتك المهنية مثل: «لا خيارات أمامنا: إما فصل الموظفين وإما التراجع في الأرباح».

تستخدم معظم الإعلانات التجارية أيضًا المعضلات الكاذبة لسبب واحد، هو أنها تعمل. إذا كان الناس يخافون من أن يكونوا غير محبوبين أو غير جذابين أو منبوذين اجتماعيًّا، فكل ما عليك هنا أن تستخدم هذه المخاوف وتنسج معضلتك الكاذبة لتدفع العميل إلى شراء سلعتك أو استخدام خدمتك.

حجة «هل تفضل» هي شكل شائع من المعضلة الكاذبة، تُقدِّم هذه الحجة خيارين، أحدهما غير مرغوب فيه، لكي يحث المستمع على تبني رأي مُعين أو اتخاذ قرار. من أمثلة حجة «هل تفضل»: «هل تفضل متابعة شغفك أم البقاء في وظيفة من التاسعة إلى الخامسة؟» أو «هل تفضل الاحتفاظ بعملك أو أن تكون صادقًا مع رئيسك في العمل؟»، وكل هذه الأسئلة محملة عاطفيًّا، مما يجعلها معيبة بطبيعتها.

«الانقسام الخاطئ»: أكثر المعضلات الكاذبة شيوعًا

الانقسام الخاطئ هو أكثر المعضلات الكاذبة انتشارًا والتي تُشير إلى إسناد صفة ما إلى فئة بأكملها، على افتراض أن كل جزء له خاصية الكل. ويمكن أن يحدث الانقسام الخاطئ في أشياء مادية أو مفاهيم أو مجموعات من الناس. من خلال افتراض أن الجزء يحمل قطعًا سمات الكل، وغالبًا ما نقول حجة خاطئة.

من أمثلة الانقسام الخاطئ: «الولايات المتحدة أغنى دولة في العالم. لذا كل فرد في الولايات المتحدة غني ويعيش حياة جيدة».

المعضلة الكاذبة

مثلًا يُمكنك وصف النجوم بأنها كبيرة وعديدة، صفة «كبيرة» هي سمة يستطيع أن يحتفظ بها كل نجم على حدة، بغض النظر عما إذا كان في مجموعة أم لا. أما السمة «عديدة» فهي جماعية، إنها سمة لمجموعة النجوم بأكملها ولا توجد إلا بسبب المجموعة. لا يمكن أن يكون لأي نجم منفرد صفة «عديدة». هذا هو السبب الرئيسي وراء خطأ العديد من الحجج المماثلة. عندما نجمع الأشياء معًا، يمكن أن ينتج منها غالبًا «كل» له خصائص جديدة غير متوفرة للأجزاء بشكل فردي، وهذا الأمر هو ما يُفسر عبارة «الكل أكثر من مجموع الأجزاء».

بعض المعضلات الكاذبة قد يكون مفيدًا

مما سبق يبدو أن المعضلات الكاذبة قد تستخدم الخداع بشكل ما لدفع المستمع إلى خيار ما أو تبني رأي ما. الخداع هنا قد لا يعني كذبًا أو عدم صحة الخيارين اللذين تتضمنهما المعضلة، فقد يكون الخياران صحيحين وحقيقيين تمامًا.

لكن إبرازهما على أنه لا ثالث لهما، هذا هو غير الحقيقي، وهنا يمكن أن نصف الأمر بالخداع. لكن مع ذلك، فالمعضلات الكاذبة ليست ضارة بشكل عام، ففي بعض الأحيان قد يكون من الضروري تضييق الخيارات إلى اثنين، خاصةً إذا كان الاختيار حقيقي أو مهم، يمكن أن يكون تقديم عدد محدود من الخيارات للمستمعين طريقة فعالة لتحريك القرار.

تتضمن بعض الاستخدامات المفيدة للمعضلات الكاذبة التفاوض مع الأطفال، مثل: «سنعود إلى المنزل فورًا إن لم تتصرف بشكل جيد». كما يمكن الاستعانة بالمعضلات الكاذبة في المواقف التي بها عدد هائل من الخيارات، مثل: «فلنذهب لتناول العشاء في الخارج أو نجلس لنشاهد فيلمًا في المساء على الأريكة».

من الناحية الفنية، تُعدُّ الأمثلة السابقة من أشكال المعضلات الكاذبة، لأنها تتجاهل العديد من الخيارات الأخرى، لكنك ستجد رغم هذا أن هذه الطريقة قد تكون مفيدة في النهاية لكل من المتحدث والمستمع. ففي كثير من الأحيان، يؤدي وجود الكثير من الخيارات إلى عدم القدرة على الاختيار، والذي يمكن أن يعوق التحرك أو فعل أي شيء.

ماذا تفعل إذا تعرضت لمعضلة كاذبة؟

عندما تواجه معضلة كاذبة، ستكون أول خطوة يجب عليك القيام بها هو ألا تهلع من مدى سوء أحد الخيارين، لا تجري مُستنجدًا بالخيار الآخر لأن هذا هو بالضبط ما تهدف إليه المعضلة الكاذبة. بدلًا من ذلك، توقف وفكر فيما إذا كان هذان الخياران هما حقًّا خياراتك الوحيدة أم لا. حدد ما إذا كان رفض أحد الخيارات سيؤدي حتمًا إلى الخيار الثاني.

عليك أن تفكر بعد ذلك، في غرض المتحدث ووجهة نظره. هل يحاول إقناعك بفعل شيء من خلال عرض خيار خاطئ؟ هل اتخاذ هذا القرار في مصلحتك حقًّا أم مصلحته؟ إذا كنت أنت من تقدم لنفسك معضلة كاذبة، فيجب أن تتدرب على تفنيد أفكارك، وبدء ممارسة الحديث الذاتي الإيجابي للتفكير في خيارات بديلة.

هناك عدة طرق للرد على المعضلات الكاذبة من أجل مواجهتها، كما أوضح موقع «effectiviology»، تُركز هذه الطرق على إثبات سبب عدم صحة مثل هذه الحجة منطقيًّا. من هذه الطرق ما يلي:

  • دحض فرضية التفرد بالصحة: يُمكنك خلال هذه الطريقة شرح إمكانية وجود العديد من الخيارات المتاحة والتي يمكن أن تكون صحيحة، وأن الخيارين اللذين تضمنتهما المعضلة الكاذبة ليسا هما فقط الخيارين الصحيحين. مثلًا إذا كانت المعضلة الكاذبة تُشير إلى أن مشاعرك تجاه شخص ما يمكن أن تكون إيجابية أو سلبية، فاشرح أنه من الممكن أن تكون لديك مشاعر مختلطة.
  • دحض فرضية الحصرية: خلال هذه الطريقة أنت تدحض حصرية الخيارين اللذين تتضمنهما المعضلة الكاذبة. للقيام بهذا، سيكون عليك أن تُقدم مثالًا مضادًا يوضح أن هناك خيارات إضافية غير تلك التي جرى تقديمها، فإذا كانت المعضلة الخاطئة تتضمن خيارين فقط، أظهر أن هناك بديلًا ثالثًا ممكنًا أيضًا.
  • دحض صحة أحد خيارات المعضلة: يمكنك أيضًا مواجهة معضلة زائفة من خلال دحض صحة أحد الخيارات التي تحتوي عليها. على سبيل المثال، إذا كان الافتراض الأول في ثنائية المعضلة خاطئًا بطريقة ما، فإن إثبات ذلك يعني إبطال جوهر الحجة.

فلسفة

منذ سنة واحدة
«الخروج عن الشخصية».. «القديس» و«العاصي» في علم النفس
  • دحض المعضلة بمعضلة مضادة: يتضمن هذا تقديم معضلة متعارضة، تستخدم مقدمات مماثلة للمعضلة الأصلية، ولكنها تصل إلى نتيجة مختلفة. هناك مثال كلاسيكي يظهر خلاله هذا النهج في قصة حاولت فيها أم من أثينا إقناع ابنها بعدم الدخول في السياسة، من خلال تقديم المعضلة التالية له: «إذا قلت الحقيقة، سيكرهك الرجال؛ وإذا قلت الكذب فستبغضك الآلهة. ولكن يجب عليك إما أن تقول أحدهما وأما الآخر؛ لذلك ستكون مكروهًا في الحالتين». دحض الابن هذه المعضلة من خلال تقديم معضلة مضادة، تأخذ المقدمات نفسها وتصل إلى نتيجة مختلفة وأكثر إيجابية، فقال: «إذا قلت الحقيقة، ستحبني الآلهة. وإذا قلت الكذب، سيحبني الرجال. يجب أن أقول أحدهما أو الآخر. لذلك سأكون محبوبًا».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد