حتى تتحول أية دولة إلى إمبراطورية عظمى تفرض نفسها على كُتّاب التاريخ، يجب أن تنتقل من الهامش إلى المركز، في الجغرافيا والسياسة والحرب، لذا لم تكن محاولات الدولة الفاطمية انتزاعَ مصر على مدار أكثر من 60 عامًا مجرد طمعٍ في خزائنها العامرة، بل كان موقع مصر الوسيط بين شرقي العالم الإسلامي وغربه، وقربها من المقدسات الإسلامية في الحجاز وفلسطين، جسرًا محتملًا للدعوة الفاطمية ودولتها إلى قلب عالم الإسلام، ففرضت به سلطانها على الحجاز والقدس، ونافست به خصومها العباسيين وحلفاءهم على حكم الشام، بل اختطفت بغداد عاصمة العباسيين لعاميْن، فيما عُرف بثورة البساسيري عام (449:450هـ) – (1059:1060م).

وحكمت الدولة الفاطمية مصرَ أكثر من 200 سنة، رغمَ كون الفاطميين أقلية غريبة الأصل، وبعيدة المُعتَقَد عن معظم المصريين، ونجحوا في ذلك بقوة ملوكهم الأوائل في مصر، لاسيَّما المعز وابنه العزيز، وبالتودد إلى المصريين بالوعود الإصلاحية، وتحسين سياساتهم الضريبية والاقتصادية، وحالة التعاطف العامة بين المصريين مع مظلومية آل البيت وذريتهم.

وهو الوَتر العاطفي الحساس الذي أجاد الفاطميون العزف عليه ببراعة، كما اكتفى قادة الدولة الفاطمية بنشر دعوتهم الإسماعيلية دون إكراهٍ في الغالب، احترامًا لتمسُّك غالبية المصريين بمذهبهم السني الشافعي.

وإلى جانب ذلك استفاد الفاطميون بما جُبِل عليه المصريون من سهولة الانصياع لمن يفرض سلطانه، وخشيتهم من ضريبة التدخل المباشر في السياسة، وقد عبَّر المستشرق ستانلي لين بول في صفحة 223 من كتابه «تاريخ مصر في العصور الوسطى» عن سرعة ترسُّخ الحكم الفاطمي في مصر قائلًا:

«قبِلَ سكان مصر النظامَ الجديد بلا مبالاتهم المألوفة»

أبرز مراحل تاريخ مصر الفاطمية

امتلكت مصر الفاطمية تاريخًا ثريًا، به محطات فاصلة بعضها متعلق بصعود الفاطميين، والأخرى بهبوط تلك الدولة الفريدة في تاريخ مصر والإسلام.

المعز.. ذهبُه وسيفُه

في الجزء الأول من كتابه «بدائع الزهور» يروي ابن إياس قصة ذاعت في كتب التاريخ عن المعز الفاطمي، وهي تعبِّر عن حقيقة المُلك في كل زمانٍ ومكان؛ إذ دخل أشراف مصر بزعامة ابن طباطبا العلوي على المعز، فطلبوا منه إظهار ما يُثبِت نسبَه إلى السيدة فاطمة الزهراء.

وحسم المعز النقاش سريعًا، فأخرج سيفه من غمده، ووضعه أمامهم وقال: «هذا نسبي»، ثم أحضر صُرَرًا مكدَّسة الأموال، ونثرها على الحضور وقال «هذا حسبي»، وبالفعل رسَّخ المعز أركان دولتَه بالسيف والمال أمام التحديات التي صادفته.

Embed from Getty Images

شارع المعز لدين الله الفاطمي

فلم تكد الجيوش الفاطمية تصل مصر عام 358هـ-969م، وتهزم الإخشيديين، وتشرع في وضع أساس العاصمة الفاطمية الجديدة لمصر، والتي ستُعرَف بالقاهرة، حتى جوبهَت بخطر القرامطة – شركاء الفاطميين في المذهب الإسماعيلي، وخصوم السياسة والمطامع – المتمددين في الشام وفلسطين، والطامعين في انتزاع مصر قبل استقرار الحكم الفاطمي بها.

توجه القائد الفاطمي جعفر بن فلاح إلى الشام بجيشٍ كبير، فنجح في السيطرة على فلسطين، ثم استولى على دمشق بعد مقاومةٍ شديدة من أهلها غير الراضين بالحكم الفاطمي، لكن وصل حشدٌ كبير للقرامطة من شرقي الجزيرة العربية والعراق، وانضم إليهم فلول الإخشيديين في الشام، ونجحوا في هزيمة ابن فلاح وقتله عام 360هـ-971م، واستولوا على دمشق.

يذكر د. سهيل طقوش في كتابه «تاريخ الفاطميين» أن القرامطة استعانوا بخصوم الفاطميين في المشرق، فراسلوا الخليفة العباسي السني في بغداد، لكنه آثر الحياد، بينما دعم سلاطينُ بغداد البويهيون – أصحاب السلطة الفعلية فيها – القرامطة بالمال، وكذلك ساعدهم الحمدانيون حكام حلب وجوارها، رغم كونِ البويهيين والحمدانيين من الشيعة الاثنى عشرية المخالفين في المذهب، فيما حاول القرامطة تملق العباسيين عبر إعادة الخطبة للخليفة العباسي في دمشق، ففازوا بدعم السكان ذوي الأغلبية السنية، واجتمع لديهم قوة كبيرة، وتوجَّهوا إلى مصر.

وشرع القائد الفاطمي جوهر الصقلي في تحصين الدفاعات لمواجهة القرامطة وحلفائهم، الذين توغلوا في مصر، فاستولوْا على «الفرما» – شرق بورسعيد الحالية – ثم وصلوا إلى تخوم العاصمة المصرية بقيادة الحسن الأعصم القرمطي عام 361 هـ-972م، حيث دار قتالٌ عنيف، حقق فيه جوهر الصقلي انتصارًا صعبًا بعد امتداد المعارك إلى أبواب القاهرة.

«فخاطبهم بخطاب طويل، وأخبرهم أنه لم يسِرْ لازديادٍ في ملكٍ ولا رجال، ولا سار إلا رغبة في الجهاد ونصرة للمسلمين» *تقي الدين المقريزي متحدثًا عن وصول المعز الفاطمي إلى مدينة الإسكندرية منتصف عام 362هـ، وخطبته لجماهيرها

في العام التالي 362هـ-973م، وبعد أن مهَّد جوهر الصقلي الأمور، قرّر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الانتقال إلى مصر، وأحضرَ معه توابيت آبائه المهدي والقائم والمنصور، وفي هذا دلالةٌ رمزية كبرى، وانشغل المعز لفترةٍ بضبط الأمور السياسية والإدارية والمالية في مصر، وأظهر العدل، والقوة، والزهد، لكسب الناس في صفه، وكان يمنع جنوده المغاربة من الاعتداء على المصريين.

عام 363هـ-974م شنَّ القرامطة بقيادة الحسن الأعصم هجومًا جديدًا على مصر، بالتحالف مع ابن الجراح الطائي، أحد كبار أمراء العرب بالشام، ورفضوا التفاوض مع المعز، واستهانوا برسالته إليهم مّذكّرًا بوحدة الدعوة والمذهب، وفضله وأجداده، فردوا عليه قائلين:

«وَصَلَ كِتَابُكَ الَّذِي قَلَّ تَحْصِيلُهُ وَكَثُرَ تَفْضِيلُهُ، وَنَحْنُ سَائِرُونَ إِلَيْكَ عَلَى أَثَرِهِ، وَالسَّلَامُ»

وصل الغزاة بجموعهم الكبيرة إلى مشارف القاهرة، ورفض المعز خوض مواجهة فاصلة متعجِّلة غير مضمونة، ولجأ للحيلة أولًا، ففاوض ابن الجراح سرًا على الانهزام أمام جيش المعز مقابل 100 ألف دينار؛ فقبل، فاهتزت صفوف القرامطة، وتجرأ عليهم قوات المعز، وهزموهم وطاردوهم إلى الشام، وأمر المعز بقتل 1500 من أسرى القرامطة، ومن الطرائف أن الـ100 ألف دينار التي باع بها ابن الجراح القرامطة، كانت في معظمها مغشوشة، حيث أمر المعز بوضع الذهب الخالص بالأعلى، والمطليّ بالذهب في الأسفل.

واستغل المعز الانتصار، وضمَّ دمشق، لكن أهلها ثاروا ضد الدولة الفاطمية، وكثرت الفوضى، حتى نجح في العام التالي الأمير أفتكين التركي الموالي للعباسيين في إخراج الفاطميين وأخذِ دمشق، وفي عام 365هـ-976م دُعيَ للمعز بالخلافة على منابر مكة والمدينة، وحاول استعادة دمشق بجيشٍ كبير قاده جوهر الصقلي، لكن أهلها استماتوا في الدفاع عنها، واستنجدوا بالقرامطة، فانسحب الصقلي خوفًا من أن يقع بين المطرقة والسندان، وفي نفس العام توفي المعز.

العزيز.. الذروة والرفاهية

«وكان الفاطميون حكام مصر قد حكموا فلسطين حكمًا سمحًا رحيمًا؛ استمتعت فيه الطوائف المسيحية بحرية واسعة في ممارسة شعائر دينها» *ول ديورانت في كتابه: «قصة الحضارة»

وُلد العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي عام 344 هـ-955م، وخلفَ أباه المعز في حكم مصر عام 365 هـ-975م، وكان من أقوى الحكام الفاطميين، ومن أقلهم سفكًا للدماء، ومن أمثلة ذلك عفوه عام 367هـ-977م عن الأمير أفتكين التركي بعد هزيمته على يد جيش العزيز، وكذلك راسل القرامطة من أجل السلام مقابل مبلغ كبير من المال يدفعه سنويًا.

واشتهر العزيز بالتسامح مع أهل الذمة، فقدَّم بعض المسيحيين واليهود في المناصب الكبرى، مثل الوزير عيسى بن نسطورس، وسجَّل التاريخ مراسلاتٍ حادة بينه وبين أمراء الأندلس الأمويين، وكانت الخصومة بين الطرفيْن كبيرة نظرًا للاختلاف الجذري في المذهب.

«وكان العزيز ملكًا شجاعًا مقدامًا، حسن الأخلاق، كثير الصّفح حليمًا، لا يؤثر سفك الدماء، وكانت لديه فضيلة؛ وكان فيه عدل وإحسان للرعيّة. وهو أحسن الخلفاء الفاطميّين حالًا بالنسبة لأبيه المعز ولابنه الحاكم» *ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة»

تمدَّد النفوذ الفاطمي في عهد العزيز، فشمل معظم أجزاء الشام مثل حلب وحمص، ودُعي له بالخلافة لفترةٍ على منابر الموصل شمالي العراق، وحاربت جيوشه الروم البيزنطيين أكثر من مرة، وتبادل الطرفان الانتصارَ والهزيمة، وكان يقيم الولائم الكبرى لإطعام الناس، خاصة في عيد الفطر، ونُقل عنه أنه يحب أن يرى عامة الناس أغنياءَ يمتلكون من الأرض، والخيل، والدواب ما يكفيهم.

وتوفي العزيز بالله عام 386هـ-995م في مدينة بلبيس بمحافظة الدقهلية، وهو في طريقه للشام بجيشٍ كبير لمواجهة الروم البيزنطيين، وتولى العرش بعده ابنه الصبي الحاكم بأمر الله، أكبر زوبعة في تاريخ مصر الفاطمية.

الحاكم.. الأشهر والأغرب

دامت دولة الحاكم بأمر الله، والذي كان عمره 12 عامًا عند خلافته، ما يقارب ربع قرن، اكتظَّت بالعواصف العاتية، التي سبَّبتها قراراته المثيرة للجدل، وتقلباته الحادة، وقد كان في بداية حكمه تحت وصاية الخادم برجوان، فقتله بعد سنواتٍ وانفرد بالسلطة.

أثار الحاكم بأمر الله وما يزال الكثيرَ من الجدل التاريخي، وتباينت الآراء حوله بين رميه بالجنون، والاضطراب، والكفر، وبين من يراه كان عبقريًا حاول تغيير التاريخ والسباحة ضد التيار فغرق، وكان المؤرخ المصري جمال الغيطاني من الفريق الثاني، فدافع كثيرًا عن الحاكم في الفصل الذي خصصه للحديث عن مسجد الحاكم بأمر الله في كتاب «ملامح القاهرة في ألف عام».

أشاد الغيطاني بإلغاء الحاكم للمواكب وبهرجتها، وتقشفه في الملبس، ومحاولاته الدءوبة للاختلاط بالعامة والاستماع إلى شكواهم بنفسه، ومتابعة أعمال القضاة، ومنع الإسراف في الولائم، ويبرر الغيطاني معظم القرارات الغريبة التي أقدمَ عليها الحاكم، من قبيل تحريم بعض أنواع الطعام مثل الملوخية التي كان يراها ضارةً بالصحة، وتجريم زراعة الكروم ليسيطر على انتشار معاقرة الخمر، وكذلك إضاءة الشوارع ليلًا للحفاظ على الأمن، وليس لكونه مختلًّا يريد تحويل الليل نهارًا.

في المقابل يذكر المقريزي في «اتعاظ الحُنفا» في أحداث عام 408هـ-1118م، وهي السنة رقم 22 من حكم الحاكم، وقوع عدة فتن بالقاهرة نتيجة ظهور الداعية محمد بن إسماعيل الدرزي – تنتسب إليه طائفة الدروز – ودعوته إلى ألوهية الحاكم بأمر الله، فأثار غضب الجماهير، فطاردوه وبعض أتباعه، وقتلوهم، وأمر الحاكم بإعدام الرجل التركي الذي قتل الداعية الدرزي.

كما تمتلئ كتب التاريخ بالحديث عن تناقضاته، وقراراته الصادمة، مثل التضييق الشديد على أهل الذمة، وإجبارهم على التظاهر باعتناق الإسلام، وهدم معظم الكنائس وعلى رأسها كنيسة القيامة في بيت المقدس، ثم التراجع عن تلك الإجراءات.

كما أمر بتعميم سب كبار الصحابة مثل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والنهي لفترة عن بيع السمك، وحبس النساء في البيوت لأكثر من سبع سنواتٍ لا يخرجن إلا للضرورة القصوى، ومنع صناعة الأحذية النسائية ليضمن تنفيذ قراره بحبسهن.

تاريخ وفلسفة

منذ 4 سنوات
الحاكم بأمر الله.. غريب الأطوار الذي نجا من سخرية الشعوب فأطاحته مؤامرات القصور

وكثيرًا ما انتقمَ المصريون من سطوة الحاكم بالسخرية منه، وإطلاق النكات البذيئة عليه، وفي إحدى المرات صنعوا تمثالًا لامرأة تحمل ورقة، فظنها الحاكم في إحدى جولاته في مصر – العاصمة الشعبية وتشمل الفسطاط، والعسكر، والقطائع – صاحبة شكوى، فصُدم مرتيْن، الأولى لكونها تمثالًا، والثانية لأن الورقة مليئة بالإهانات لشخصه، فثارت ثورته، وأمر عبيده بمهاجمة مصر واستباحة أهلها انتقامًا منهم، وظلت الحرب بين السكان وعبيد الحاكم أربعة أيام، احترق فيها أكثر البيوت والأسواق، وسُبيَت الكثير من النساء.

فغضب الجنود الأتراك والمغاربة في جيش الحاكم وكانت علاقتهم بالمصريين قوية، فانضموا إلى المدافعين عن المدينة، ومالت الكفة ضد عبيد الحاكم، فأظهر التنديد بما فعله عبيده، وتبرَّأ منهم، ودعا الجنود إلى تأديبهم، ودفع من ماله لتحرير السبايا، وتعويض الخسائر.

«وكانت خلافته متضادّة بين شجاعة وإقدام، وجبن وإحجام، ومحبّة للعلم وانتقام من العلماء، وميل الى الصلاح وقتل الصلحاء. وكان الغالب عليه السخاء؛ وربّما بخل بما لم يبخل به أحد قطّ» *المؤرخ أبو المُظفَّر متحدثًا عن خلافة الحاكم الفاطمي

لم تكن نهاية الحاكم بأمر الله بأقل غرابة، وإثارة للجدل، من أيامه وأفعاله؛ فقد اختفى فجأة أثناء إحدى جولاته الليلية عام 411هـ-1021م، والرواية الأرجح أنها مؤامرةٍ من أخته التي ضاقت ذرعًا باضطراباته، وخافت على حياتها عندما هدَّدها، ورماها بالزنا، فتواطأت ضده مع الأمير الحسين بن دواس الكتامي، وكان يخشى على حياته من الحاكم هو الآخر، فأرسل من كمن له في جولته الليلية وقتله.

وكانت المفارقة أن أخت الخليفة ما لبثت بعد حين أن دبَّرت مؤامرة وتخلَّصت من الأمير، وممن اطلعوا على المؤامرة الأولى، ثم ماتت بعد قليل، وأسنِدت الخلافة الفاطمية بتدبير أخت الحاكم إلى ابنه الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمي، ولم تشهد أعوام خلافته الخمسة عشر أحداثًا كبرى، وتعتقد الطائفة الدرزية بعودة الحاكم آخر الزمان.

مملوك أرمني يُنقذ مصر ويستخلصُها لنفسه

«قامت البلاد سبعَ سنين يطلع النيل فيها وينزل، ولا يوجد من يزرع، لموت النَّاس واختلاف الولاة والرعيَّة، فاستولى الخراب على كلِّ البلاد، ومات أهلها، وانقطعت السُّبل برًّا وبحرًا» *ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة» يصف الشدَّة المستنصرية التي عصفت بمصر.

كان عهد المستنصر الفاطمي حفيد الحاكم هو الأطول بين الفاطميين، وفي تاريخ مصر الإسلامية، إذ دام 60 عامًا، وتولى المُستنصر الخلافةَ عام 427هـ-1036م وكان طفلًا في الثامنة، وكانت أمه السيدة رصد تحكم من وراء ستار، لكن ظلَّت الأمور مستقرة، والخزينة جيدة طوال فترة وزارة الجرجرائي، المتوُفى عام 436هـ-1045م.

زاد نفوذ أم الخليفة رصد، وعيَّنت وزيرًا مواليًا لها يهودي الأصل، واستبدَّت ورجالها بالأمور، ولم تحسن التصرف، وتكرَّرت الصراعات بين الجنود المغاربة والأتراك، فاستنزفت الدولة كثيرًا، كما اهتزّت الدولة خارجيًا بعد فشل مغامرة العميل الفاطمي الأمير التركي البساسيري في ضم بغداد للفاطميين، فقد استنجد العباسيون بسلطان السلاجقة الأتراك السني طغرل بك عام 447هـ-1056م، فانتزع بغداد من البساسيري، وخسر الفاطميون أموالًا طائلة، وبرز السلاجقة خصمًا عتيدًا للفاطميين، ما لبث أن انتزع منهم معظم مناطق الشام في عقودٍ لاحقة.

Embed from Getty Images

شارع المعز لدين الله الفاطمي

ومهدَّ الاضطراب السياسي لوقوع ما عُرف بالشدة المستنصرية التي استمرَّت سبعة أعوام بدأت عام 456هـ-1064م عندما تزامنت الفوضى السياسية مع نقص فيضان النيل لأعوامٍ متتالية، فهجر الفلاحون الأرض، ووقعت المجاعات، وهلك مئات الآلاف من المصريين.

فيما انغمست النُّخب في صداماتها الصفرية، فدارت عام 459هـ-1067م حرب أهلية طاحنة بين الجنود السود التابعين لأم الخليفة رصد، والتي أنفقت عليهم مليون دينار، والأتراك التابعين للأمير ناصر الدولة الحمداني، فانتصر الأتراك، واستبدَّ الحمداني بالدولة وفرض ضرائب باهظة.

واضطر المستنصر عام 461هـ-1069م إلى محاربة الحمداني بنفسه ومعه الآلاف من الجنود وعامة الناس، وطرده من القاهرة، فاحتلَّ الحمداني الإسكندرية في العام التالي، وقطع الإمدادات عن القاهرة، فاشتد بها الغلاء والمجاعة، واستنزفت خزائن المستنصر بشكلٍ شبه تام.

وتفاوض خصوم الحمداني معه على رفع الحصار مقابل أموالٍ طائلة، فخفت المجاعة نسبيًا عام 463هـ-1070م مع زيادة منسوب النيل، لكن عجِزَ الأمراء عن الإيفاء بالمال للحمداني، فنشط دون رادع عام 464هـ-1071م، وصادرَ أموال أم الخليفة، وأراد قطع الخطبة للمستنصر وإقامتها للعباسيين، فقتله الأمراء الأتراك الموالون للمستنصر عام 465هـ-1072م.

واستبدَّ الأمراء بالأمر دون المستنصر، وتنازعوا، فخيِّم شبح المجاعة والفوضى على مصر مجددًا، فلجأ المستنصر إلى حلٍّ مزلزل سيغير تاريخ الدولة، إذ استدعى الأمير الأرمني بدر الجمالي من الشام ليكون وزيرًا بمصر، فلبّى النداء فورًا عام 466هـ-1073م، وفي ذلك يقول المقريزي:

«فسار بحرًا في 100 مركب، وقد حُذِّر من ركوبه وخُوِّفَ من سوء العاقبة، فلم يصغ لذلك؛ وكأن الله سبحانه قد صنع له ومكَّن له في الأرض، وقضى بأن يُصلحَ على يديه ما قد فسد من إقليم مصر»

وفي تطبيقٍ حرفيّ للمقولة الشعبية المصرية «اتمسكن لحد ما اتمكّن» أظهر الجمالي التواضعَ والتودد لأمراء مصر، بينما تسلَّل خاصة جنوده من الأرمن والشاميين إلى القاهرة متنكرين، فلما بلغوا ما يقارب الألف، دعا أمراءَ مصر إلى وليمةٍ كبرى على شرفهم استمرت طوال الليل.

واستيقظت القاهرة في اليوم التالي وقد ذبح جنود الجمالي جُلَّ أمرائها المتصارعين، وفي الأيام التالية تتبَّعَ الجمالي من بقي من الأمراء، خاصة الأتراك، فأباد معظمهم، وارتفعت شعبيته ونفوذه إلى عنان السماء، وفي العام التالي467هـ شنَّ الجمالي حملةً أمنية وعسكرية ضارية في أنحاءٍ مختلفة من مصر، لاسيَّما دمياط والإسكندرية، وقتل الآلاف من المتمردين، وخصوم الدولة، وقطاع الطرق.

وفرض الجمالي سياسة ضريبية عادلة، فعاد الفلاحون إلى الزراعة بنشاط، وتحسن الإنتاج كثيرًا وازدهر الاقتصاد، لكن في المقابل استغلّ السلاجقة الاضطرابات في مصر، وسيطروا على أكثر الشام، فضموا دمشق وعكا عام 468هـ.

عصر الوزراء.. بزوغ نجم بدر الدين الجمالي

بصعود نجم بدر الدين الجمالي سياسيًا بالدولة الفاطمية، انتقلَ مركزُ الثِّقْل السياسي فيها من عرش الخلافة إلى كُرسيّ الوزارة، وظلَّ الجمالي صاحب الصلاحيات الأهم في مصر على مدار 20 عامًا، ولما توفي عام 487هـ-1094م، ورث مكانِه ابنُه الأفضل شاهنشاه، والذي كان سنيّ المذهب، لكن طموحَه السياسيٍّ الكبير مع ما اتَّصف به من الحزم والمكر ضمن له 28 عامًا في سدة الوزارة، رغم العواصف التي بدأت بأخطر فتنة أهلية في تاريخ الدولة الفاطمية.

فبعد وفاة الجمالي بقليل لحق به الخليفة المستنصر الفاطمي، وكان الوزير الأفضل يخشى من قوة شخصية نزار أكبر أبناء المستنصر، وكان في خصومةٍ شخصية معه، ففرض الأفضل في منصب الخلافة أصغر أبناء المستنصر، أحمد المُلقّب بالمستعلي، وكان زوج أخت الأفضل، ولا يملك ثقلًا سياسيًا لمنافسة الوزير الطموح، التي لم يتورَّع عن قتل المعترضين على خلافة المستعلي، فضرب عنق كبير الدعاة الإسماعيليين في مصر، وعددٍ من القضاة ورجال الدولة.

Embed from Getty Images

الجامع الأزهر أبرز الآثار الفاطمية

ولم يستسلم نزار وثار بالإسكندرية، معلنًا نفسه خليفة، وبايعه أهلها، وبعض قبائلها، وعدد من قادة الجيش، وخصوم الأفضل، وزحف بقواته إلى القاهرة، وهزم جيش الأفضل قرب الإسكندرية، واستولى على أجزاءٍ من الوجه البحري، لكن في العام التالي 488هـ-1095م رشا الأفضل العديد من أنصار نزار، فخانوه، وزحف بجيشٍ كبير، فحاصر الإسكندرية وقصفها بالمجانيق شهورًا حتى استسلم نزار، فقتله الأفضل في القاهرة بعد أسابيع قليلة.

تسببت تلك الواقعة في انقسام الشيعة الإسماعيلية إلى مُستعلية ونزارية، والأخيرين كان أبرزهم الحسن الصباح، مؤسس طائفة «الحشاشين» الشهيرة، الذي كفَّر من قبلوا إمامة المستعلي زاعمًا أن المستنصر أوصاه بمبايعة نزار إمامًا من بعده، ويعتنق بضعة ملايين من البشر المذهب الإسماعيلي النزاري اليوم، وينتشرون في آسيا وأوروبا وأمريكا، وزعيمهم الأغاخان من أغنى أغنياء العالم، وعام 515هـ اغتيل الوزير الأفضل بتدبير من الخليفة الآمر بأحكام الله الذي خلف المُستعلى بعد وفاته، وأراد أن يتخلص من سطوة وزيره القوي.

الحافظ.. عصر الحروب الأهلية وانقلاباتِ العسكر

اعتلى الخليفةُ الحافظ عرشَ مصر الفاطمية في عام 524هـ-1130م بعد نجاح «الحشاشين» في اغتيال ابن عمه الخليفة السابق الآمر بأحكام الله بن المستعلي، وكان عصرُ الحافظ، والذي بلغ ما يقارب 20 عامًا، مليئًا بالاضطرابات والاغتيالات، وسرى خلاله المزيد من الوهن في جسد الدولة الفاطمية.

في بداية عصر الحافظ اقتتلَ أمراء مصر على منصب الوزارة، حتى انتزعه أبو علي بن الأفضل بن الجمالي، وكان شيعيًّا اثني عشريًّا متعصبًا، يخالف التشيع الإسماعيلي مذهب الدولة الرسمي، وأخضع الحافظ لإقامةٍ جبرية في قصره، واستولى على الخزينة، واستبد بالأمر، فدبَّر الحافظ عام 526هـ-1132م مؤامرة ناجحةً لاغتياله نفذها أحد مماليك الحرس الخاص. ثم تولَّى الوزارة الأمير أبو الفتح يانس، والذي حاول أيضًا الانفراد بالسلطة، فقتله أحد خدمه بتسميم المياه في حمَّامه، بتدبيرٍ من الحافظ.

جعل الحافظُ ابنَه الأكبر سليمان وزيرًا، فمات سليمان فجأة بعد أسابيع قليلة، وأراد أخوه حسن تولي الوزارة، فرفض أبوه لسوء علاقته به، فقرَّر الولد التمرد ضد أبيه، وأجبره على أن يُسنِد إليه الوزارة، وكذلك ولاية العهد من بعده، لكنه أساء إدارة الأمور، وقتل الكثيرين على الشبهة، حتى فتك بـ40 أميرًا منافسًا في يوم واحد، فهجاه أحد الشعراء قائلًا:

لَقَدْ جَمَعْتَ بِلَا عِلْمٍ وَلَا أَدَبٍ … تِيهَ الْمُلُوكِ وَأَخْلَاقَ الْمَجَانِينِ

واندلعت ثورة كبرى في القاهرة، وحاصر الآلاف من الجنود والأمراء الوزير حسن في قصر أبيه، وهددوا بإحراق القصر بمن فيه إن لم يُسلم الحافظ إليهم حسن، أو يتخلص منه، واختار الحافظ مُلكَه، وأمر طبيبَه ابن قرفة أن يقتل حسن بالسم بشرط ألا يتألم، ومن الطرائف الدموية أن الحافظ بعد فترةٍ قليلة أمر بقتل ابن قرفة انتقامًا لقتله ابنه بأوامره، ورقَّى طبيبًا يهوديًا اسمه أبو منصور كان قد رفض بشدة قتل حسن بالسم، وتظاهر بالجهل.

ولاستعادة زمام المبادرة دعا الحافظُ الأميرَ المسيحي بهرام الأرمني أن يحشد قواته ويقمع المتمردين، فجمع بهرام الآلاف من الأرمن وسِواهم، واقتحم القاهرة وقتل الآلاف من خصوم الحافظ، فكافأه الحافظ بمنصب الوزارة، ومنحه لقب تاج الخلافة، وسيف الإسلام.

لكن عادت الأمور للاضطراب بعد شهورٍ معدودة، إذ ضاق الكثير من المصريين بهجرة الآلاف من الأرمن قومِ بهرام إلى مصر، وإنشائهم الكنائس في القاهرة وغيرها، وتولِّيهم مفاصل الدولة، فأثار خصومُه الناسَ ضدَّه طائفيًا، وكان أبرزهم الأمير المسلم رضوان بن ولخشي، الذي اقتحم بقواته القاهرة، وفرَّ بهرام إلى الصعيد، واستُهدِفَ الأرمن بطول مصر وعرضها، وعيَِّن الحافظ رضوانَ وزيرًا بحكم الأمر الواقع، ومنح بهرام الأمان، وأصدر مرسومًا بالتضييق على المسيحيين واليهود في الملابس وركوب دوابهم أمام المساجد.

ثم أراد رضوان الاستئثار بالسلطة دون الحافظ، فدبَّر الأخير ضده ثورة في القاهرة، وعزله، فهرب إلى الشام، ثم حاول استعادة وزارته بالقوة عام 534 هـ-1139م، لكنهُ هُزم وسُجن ثمانية أعوام، ثم فرّّ من محبسه عام 542هـ-1147م، وثار بالقاهرة ضد الحافظ، وتحصَّن بالجامع الأقمر في قلب شارع المعز، لكن قتلهُ بعض أنصار الحافظ، فانتهت قصته.

وظل الحافظ بلا وزير إلى نهاية عهده؛ إذ فرَّق صلاحيات الوزير بين عدد من الأشخاص فلا يطمع أحدهم بالانفراد بالسلطة، وقمع في السنة قبل الأخيرة 543هـ-1148م من حكمه ثورةً قام بها أحد أبناء نزار بن المستنصر وقتله، وبينما كان مريضًا في فراش موته، كانت القاهرة تشهد فتنة كبيرة بين بعض طوائف الجند المتنفذين.

ما بعد الحافظ.. الانهيار

تولى ابن الحافظ الخلافة من بعده وتلقَّب بالظافر بأمر الله، وشهدت السنة الأولى من حكمه حربًا أهلية كبيرة نتيجة طمع أمير الإسكندرية ابن السلار في منصب الوزارة، فجمع جيشًا كبيرًا وانتصر بعد عدة معارك على ابن مصال وزير الخليفة الجديدة، وقتله، وانتزع منصب الوزارة بحكم الأمر الواقع.

وكان ابن السلار يخشى أن يغتاله الخليفة، فقام بضربة استباقية، وتخلص من العشرات من فتيانه الخاصين، وهم من العبيد وأهل الخدمة شديدي الولاء للخليفة، واستُخدموا في العديد من أعمال الاغتيال لصالح الخلفاء، وأشهرها اغتيال الوزير الأفضل بن الجمالي.

وفي هذا السياق أغار الصليبيون عام 545هـ-1150م على بورسعيد فردَّ عليهم ابن السلار بغارة كبيرة على يافا في العام التالي، وأخذ في تحصين عسقلان، بوابة مصر الأقرب إلى مملكة بيت المقدس الصليبية.

لكن في عام 548هـ-1153م اغتيل ابن السلار بمؤامرة دبرها الظافر مع ابن أخي الوزير المغدور واسمه عباس، والذي طمع في الوزارة مكان عمه، فدخل ابنه نصر بن عباس – وكان جريئًا حدَّ التهور على ابن السلار مستغلًا قرابته له، وقتله داخل بيته أثناء قيلولته.

وقد تزامنت تلك المؤامرة مع حصارٍ شديد لعسقلان على يد الصليبيين، فلما وصلت أخبار مقتل الوزير، وتأخر خروج الإمدادات التي كان يجهزها لفك حصار عسقلان، ضعفت عزيمة الحامية، وسقطت المدينة الحصينة، وكان سقوطها زلزالًا هزَّ العالم الإسلامي، وانتشر الخوف من قرب استيلاء الصليبيين على مصر أكبر الأقاليم الإسلامية الغنية بالأموال والرجال.

وفي العام التالي 549هـ-1154م وقعت حادثة مؤسفة غير متوقعة، فقد قتل نصر بن عباس الخليفةَ الظافر، رغم أنهما كانا صديقيْن مقرَّبيْن، وذلك بعد انتشار شائعات بثَّها خصوم نصر، وعلى رأسهم المؤرخ الشهير أسامة بن منقذ والذي كان مقربًا من عباس، أبي نصر، والتي تفيد بوجود علاقة شاذة بين نصر وبين الخليفة الشاب – 22 عامًا – فقتله نصر لينفي عن نفسه التهمة الشنيعة.

ثم ادعى الوزير عباس أن من قتل الخليفة الظافر هو إخوته، فدخل عليهم القصر وقتلهم الثلاثة في قاعة العرش، وانتزع ابن الظافر من حجر جدته، وجعله خليفة وهو ابن خمس سنين، ووضعه على العرش ولقبه بالفائز، بينما ما تزال جثث أعمامه على الأرض، فأصيب الطفل بصدمة نفسية لازمته باقي حياته.

وصُدمت الأسرة الفاطمية وقادة الجند من وحشية عباس وابنه ضد بيت الخلافة، ودبَّرت عمة الخليفة الطفل وأخت الظافر المقتول مؤامرة مُحكمة ضد الوزير عباس، فأرسلت إلى الأمير طلائع بن رُزيْك في الصعيد، وكان مشهورًا بالشجاعة والنخوة تستنجد به ضد عباس، وأرفقت مع الرسالة خُصلاتٍ من شعرها وشعر نساء البيت الفاطمي.

ثارت حمية الأمير طلائع، وحشد ما استطاع من القوات، وزحف إلى القاهرة، وكلما اقترب منها انضمَّ له المزيد من الناس والجند والقبائل العربية، وتفرَّقت الجموع عن عباس، وتجرَّأ عليه سكان مصر والقاهرة وقذفوه من الشبابيك بالأواني، حينئذٍ فرَّ عباس وابنه وصديقه ابن منقذ من القاهرة، واستولى عليها طلائع، وتقلَّد منصب الوزارة عام 549هـ-1154م.

«وكان وافر العقل رضي النفس، بصيرًا بالتجارب عالمًا بأيام الناس، بصيرًا بالعلوم الأدبية، محببًا إلى الناس لإظهاره الفضل والدين وإنكاره الظلم والفساد. إلا أنه كان من غلاة الإمامية مخالفًا لما عليه مذهب الخليفة وأهل الدولة» *المؤرخ تقي الدين المقريزي متحدثُا عن الصالح طلائع بن رزيْك.

ولم تنسَ عمة الخليفة ثأرَها، فأرسلت إلى الصليبيين في عسقلان أن يعترضوا طريق فرار عباس إلى الشام مقابل مبلغٍ مالي كبير، فكمنوا له، وقتلوه، وأسروا ابنه نصر، قاتل ابن السلار والخليفة الظافر، وأرسلوه في قفص حديدي إلى القاهرة، فتجمع الناس ليقذفوه بالحجارة ويبصُقون عليه، ثم قُتل وصُلب.

واستبدَّ ابن رُزيْك بأمور الدولة، وتخلص قتلًَا وسجنًا من معظم الأمراء النافذين ليضمن استقرار أموره في سدة الوزارة، وكان يحصل على مبلغ طائل مقابل أن يتولّى الولاة والأمراء كبار مناصب الدولة، ولا يسمح لأحدٍ أن يستمر في منصبه أكثر من ستة أشهر إلا إذا كان من أهل الولاء، وإلى جانب ذلك كان شيعيًا اثني عشريًا متعصبًا ضد الشيعة الإسماعيلية، المذهب الرسمي للدولة الفاطمية؛ مما أحنق عليه الدعاة الفاطميين والكثير من كبار رجال الدولة.

وفي عام 550هـ-1155م أرسل ابن رُزيْك الأسطول المصري للإغارة على مدينة صور الساحلية بالشام والخاضعة للصليبيين، وكرَّر الإغارة على الصليبيين برًا وبحرًا عامي 552 و553هـ، ونشطت المراسلات بينه وبين ملك الشام نور الدين محمود بن زنكي لتنسيق الهجمات ضد الصليبيين من الاتجاهيْن، لكنه ما لبث عام 554هـ أن عقد هدنةً أحادية مع الصليبيين، وتعهد بدفع 33 ألف دينارٍ لهم مقابل السلام.

وما ظفروا لمّا قتلت بطائل … فعشت شهيدًا ثم متّ شهيدًا

بيتٌ من الشعر تمثَّله الصالح طلائع وهو يحتضر.

وفي عام 555هـ-1160م تُوفي الخليفة الطفل المغلوب على أمره، واختار الصالح طلائع مكانَه فتىً فاطميًا من أحفاد الحافظ الفاطمي، وهو العاضد الفاطمي آخر الخلفاء الفاطميين، وزوَّجه الصالح طلائع ابنتَه بالإكراه طمعًا في أن تتصاهر الوزارة والخلافة في نسلهما.

وفي العام التالي 556هـ-1161م وقع حادثٌ مزلزل، إذ قُتِل آخر رجال مصر الفاطمية الأقوياء، وهو الصالح طلائع بن رزيْك بمؤامرةٍ دبرتها عمة الخليفة العاضد مع بعض الأمراء من خصوم الصالح؛ إذ كمن له بعض العبيد الأقوياء، وأصابوه إصابات جسيمة مات من أثرِها.

وتولى الوزارة بعده ابنه رُزيْك والذي أصيب في الكمين الذي قُتل فيه والده، لكنه نجا بأعجوبة، فكان أول ما فعله قتل عمة العاضد التي دبَّرت المؤامرة، وقتل العشرات من الأمراء والعبيد الذين شاركوا في قتل أبيه، لكن استمرَّت وزارته عاميْن فحسب.

إذ تمرَّد عليه الأمير شاور السعدي أمير الصعيد معترضًا على عزله من منصبه، فغزا القاهرة بجيشٍ كبير، وانضم إليه الأمير ضرغام من قادة جيش رزيك، فنجح التمرد، وقُتل رُزيْك، وأصبح شاور وزيرًا، لكنه ما لبث أن تصادم بالأمير ضرغام الذي تمرَّد ضده، وقتل ابنه، وكان صراعهما على الوزارة هو بداية النهاية الفعلية للدولة الفاطمية، إذ استنصر ضرغام بالصليبيين ردًا على استنجاد شاور بملك الشام نور الدين محمود، وبدأ الصراع الذي استمرّ سنواتٍ خمس بين الزنكيين والصليبيين على مصر.

الفاطميون والصليبيون.. الثمن الباهظ لقصر النظر الإستراتيجي

لم يُخفِ الفاطميون سعادتهم باجتياح الفرسان الصليبيين للشام أواخر القرن الحادي عشر الميلادي (الخامس الهجري) ومطلع الذي يليه، موقعين الهزيمة تلو الأخرى بخصومهم الأتراك السلاجقة، الذين انتزعوا الحواضر الشامية من الفاطميين على مدار عقودٍ سابقة.

استغل وزير مصر القوي الأفضل بن بدر الدين الجمالي، فرصة الغزو الصليبيي لشماليْ الشام، وفرض حصارًا شديدًا على بيت المقدس، وانتزعها من أميريْها التُركيَّيْن، ثم أحكم قبضته على معظم مناطق فلسطين، لكنه لم يهنأ بهذا الانتصار طويلًا.

فقد رفض الصليبيون عقد اتفاق سلام معه، يعترف فيه بسيادتهم على شمال الشام، وحرية حج المسيحيين للقدس، مقابل ترك فلسطين له، ثم دهم الصليبيون فلسطين، واستولوا على معظمها دون مقاومة تُذكر، وحاصروا القدس صيف 492هـ-1099م، واقتحموها بعد أسابيع مرتكبين مذابح مروعة بحق الحامية الفاطمية العسكر الفاطمية والمدنيين مسلمين ويهود.

«ولم يكن رجل القاهرة القوي، الوزيرُ المُتنَفِّذ الأفضل بن بدر الجمالي، يخفي سروره حين قدم إليه موفدو الإمبراطور البيزنطي يخبرونه بحشود الفرسان الإفرنج، وأنهم سيشرعون في مهاجمة آسيا الصغرى. ونقل إلى الإمبراطور تمنياته بالنجاح. وطلب أن يكون بوصفِه صديقًا على علمٍ بأخبار الحملة» *أمين معلوف، من كتاب «الحروب الصليبية كما رآها العرب»

وفي السنوات التالية حاول الأفضل بعد فوات الأوان تدارك الأمر، وأرسل العديد من الحملات العسكرية من مصر لاستعادة فلسطين والقدس، لكن باء معظمها بالفشل، وثبَّت الصليبيون حُكمهم في فلسطين ومعظم الساحل الشامي.

وفقدت مصر الفاطمية الشام وفلسطين إلى الأبد، باستثناء مدينة عسقلان صمام أمان مصر الأخير من جهة الشرق، والتي صمدت تحت الراية الفاطمية بضعة عقود قبل أن تسقط لاحقًا، وأصبح الطريق مفتوحًا أمام الصليبيين لاجتياح مصر ثلاث مرات عقب استقواء أمراء مصر: ضرغام ثم شاور، على التوالي بالصليبيين لتثبيت حكومتيْهما في عصر ملك بيت المقدس الصليبي الطموح أمالريك بين عامي 559هـ-1164م، و564هـ- 1169م.

تاريخ

منذ سنتين
الفاطميون والحملة الصليبية الأولى.. عدو عدوي ليس دائمًا صديقي!

هذا الاستقواء الذي سينتهي بنتيجةٍ أخرى تغير مسار تاريخ مصر الإسلامية إلى الأبد؛ إذ ستتوحد مصر والشام لأول مرة منذ أمدٍ، ولكن تحت راية دولتيْ الزنكيين والأيوبيين، واللتيْن كانتا محطَّ آمال الشرق الإسلامي لجهادهما الطويل ضد الممالك الصليبيية، وستُطلق رصاصة الرحمة التاريخية على جسد الدولة الفاطمية الميتة إكلينيكيًا آنذاك.

مشروع الجهاد والإصلاح الشامي ونهاية الفاطميين

مع بداية النصف الثاني من القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) كانت الدولة الزنكية المتمددة في الشام وشمال العراق تكتسب الزخم الأكبر في قلوب وعقول جماهير الشرق الإسلامي، لرفعها لواء الجهاد ضد الصليبيين لتحرير الشام منهم، ونجاح مؤسسها عماد الدين زنكي في تحقيق بعض الانتصارات الكبرى على الغزاة، مثل القضاء على أول إمارة صليبية في الشرق، وهي إمارة الرها – جنوبي تركيا الحالية – عام 539هـ-1144م.

وبلغت الدولة الزنكية طور ذروتها في عصر الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي (541:569هـ) – (1146:1174م)، والذي واصل تنفيذ الكثير من الإصلاحات السياسية وإقامة العدل بين رعيته، فضلًا عن نزاهته المالية.

وفي المقابل كانت الدولة الفاطمية تمر بطورٍ خطير من التدهور، والانكفاء للداخل، نظرًا لانشغال أمرائها ووزرائها بالصراعات على السلطة، ولجوئهم إلى الاستقواء بالخارج سواءً الإسلامي أو الصليبي، كما حدث في الصدام الشهير بين الوزيريْن شاور وضرغام، والذي أدى إلى حرب السنوات الخمس بين عاميْ 559هـ-1164م و564هـ-1169م.

بعد تولي صلاح الدين الوزارة عام 564هـ-1169م، ومحاولته الهيمنة عبر رجاله المقربين على مختلف مفاصل الدولة، في مقابل التضييق التدريجي على مراكز القوى الباقية من العهد الفاطمي، دبَّر مؤتمن الخلافة، كبير عبيد السودان، والذي كان مشرفًا على قصر الخليفة العاضد الفاطمي، مؤامرة ضخمة للانقلاب على صلاح الدين مستعينًا بالصليبيين، واكتشف صلاح الدين المؤامرة، وأمر رجاله بقتل المؤتمن بمجرد خروجه من قصر الخلافة.

اندلعت ثورة عارمة من طرف الجنود السودانيين بعدما وصلتهم أنباء مقتل زعيمهم، وأشعلوا الفوضى في القاهرة، وكادوا يهزمون بكثرتهم الكاثرة جيش صلاح الدين، لكنه قمعهم بمنتهى الشدة والقسوة، وأمر بإحراق أحيائهم السكنية، وأعمل فيهم القتل، والأسر، والنفي، حتى قضى عليهم قضاءً مبرمًا.

وعلمَ صلاح الدين أن مؤتمنَ الخلافة المقتول كان يمولُ مؤامراته من الكنوز والأموال المكدَّسة في خزائن قصر الخلافة، الذي كان بمثابة منطقة محظورة، ومع غياب ثقته في ولاء الخليفة الفاطمي العاضد أوكل صلاح الدين لمساعده ووزيره الشهير بهاء الدين قراقوش أولى مهامه الكبرى، وهي أن يتولى إدارة ومراقبة قصر الخليفة الفاطمي، وإحصاء ما في خزائنه من الكنوز والأموال.

ونفَّذ قراقوش مهمته على أكمل وجه بقبضةٍ حديديةٍ، حتى أثار حفيظة الفاطميين ومن بقي من حلفائهم، لكن لم يعُد بإمكان هؤلاء بعد أن انتُزع منهم النفوذ السياسي، والوفرة المالية، أن يمثلوا تهديدًا جديًا للنظام الجديد في مصر.

وما لبث صلاح الدين بعد استقرار مُلكه أن أعاد الخطبة في مصر للعباسيين بعد انقطاعٍ لأكثر من قرنيْن من الزمن، وأوقف الخطبة نهائيًا للخليفة العاضد الفاطمي الذي كان يصارع سكرات الموت في ذلك الوقت، وهكذا انتهت الدولة الفاطمية رسميًا بعد أن ماتت إكلينيكيًا في عقودها الأخيرة، وانطوت صفحتها في كتب التاريخ، وإن لم تزل بعض آثارها ماثلة إلى اليوم – بعد تسعة قرون – على صفحة وجه مصر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد