يبدو أمرًا مزعجًا أن نكتشف أن ما نعرفه في السابق، ونعده من الثوابت، ليس له أساس من الصحة، ولكن مع الأبحاث المستمرة صار هذا طبيعيًّا في كل أفرع المعرفة؛ والتي تشمل التاريخ؛ المروي منه والمكتوب، وهناك شخصيات تاريخية ملهمة، شكك المؤرخون في وجودها، وقدموا ما يفيد بأنهم ربما لم يكونوا يومًا في الحياة، وربما كانوا موجودين لكن الغموض والأدلة التي تدعم وجودهم لم تكتشف بعد. 

فيثاغورس.. من صنع النظرية؟

كان فيثاغورس (570- 495 ق. م) فيلسوفًا وعالمًا يونانيًّا، ومؤسس الحركة الفيثاغورية، وكانت تعاليمه السياسية والدينية معروفة جيدًا في اليونان القديمة؛ وأثرت في أكبر فلاسفة اليونان مثل؛ أفلاطون، وأرسطو، وكان له العديد من الاكتشافات الرياضية والعلمية؛ واشتهر بنظريته الرياضية الشهيرة، والمعروفة باسم «نظرية فيثاغورس» إلى الآن.

المؤرخون بحثوا مليًّا عن حياة فيثاغورس، لكنهم لم يعرفوا شيئًا عن حياته تقريبًا، وكل ما نقل عنه كان بعد وفاته المزعومة، لذا رجح بعض المؤرخين أنه لم يكن موجودًا، وذكر أستاذ الفلسفة البريطاني؛ سايمون كريتشلي في كتابه «The Book of Dead Philosopher» أنه للأسف يعتقد الآن عالميًّا أن فيثاغورس لم يكن موجودًا، مضيفًا: «يبدو أن هناك مجموعة من الأشخاص في جنوب إيطاليا، يطلق عليهم اسم فيثاغوريين، اخترعوا مؤسسًا لمعتقداتهم، وبالتالي عاشوا وماتوا بطريقة تتفق مع تلك المعتقدات».

لا يمكن الجزم بوجود فيثاغورس، أو حتى الجزم بعدم وجوده، أما فيما يتعلق بنظريته الرياضية الأشهر، فهناك من ينسبها إلى المصريين القدماء، وقيل إن الملك توت عنخ أمون استخدمها في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وهناك أدلة أخرى تدعم أن النظرية استخدمت في الحضارة البابلية القديمة، وبالأخص أن هناك حجرًا يعود إلى تلك الحقبة، حُفر عليه أجزاء من النظرية، وهو ما يدعم أيضًا أن النظرية استخدمت في الحضارات القديمة، قبل وجود فيثاغورس.

روبن هود.. هل عاش «بطل الفقراء» حقًّا؟

تعد شخصية روبن هود جزءًا من الثقافة الشعبية الإنجليزية، والتي تتشابه مع القصص الشعبية الأخرى، في البطل الذي يسرق من الأغنياء ويعطي الفقراء، أحيانًا يكون للقصص الشعبية جذور يمكن الاستناد إليها، ويُقال إن مغامراته حدثت في الأغلب في عهد الملك ريتشارد قلب الأسد، وما تزال القصة تتداول إلى الآن، لكن المؤرخين حاولوا تتبع الشخصية، وكان لهم رأي آخر.

Embed from Getty Images

لشخصية روبن هود عدة إصدارات؛ وكانت أول إشارة أدبية معروفة إليه عام 1377، وتحتوي مخطوطات سلون في المتحف البريطاني على حياة روبن، التي تنص على أنه ولد حوالي عام 1160، لكن آخرين يقولون إنه كان قد شارك في تمرد توماس لانكستر في عام 1322، ويذكر بعض المؤرخين أن مآثره تحدث في عهد إدوارد الثاني، لكن إصدارات أخرى تقول إنه كان في عهد ريتشارد الأول الملقب بـ«قلب الأسد».

حاول الباحثون تحديد وقت الحياة الحقيقي لروبن هود لعدة قرون، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك؛ لأن التواريخ متضاربة، ولا يوجد دليل قوي يدعم تاريخًا مقابل الآخر، ووفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية «BBC»، فإن أسطورة روبن هود غامضة للغاية، وتأتي أول إشارة أدبية إلى روبن هود من إشارة عابرة، كتبت في وقت ما، حوالي عام 1377، ويعود تاريخ الحكايات الرئيسية إلى القرن الخامس عشر، في حين أن المؤرخ الأسكتلندي جون ميجور، كتب في عام 1521، وقال إن روبن هود كان نشطًا في تسعينات القرن الثاني عشر، لذا يمكن الجزم بوجوده أو العكس. 

سون تزو.. عسكري محنك أم منتج لخيال خصب؟

سون تزو؛ جنرال صيني، وقائد عسكري استراتيجي، واشتهر بكونه مؤلف كتاب «فن الحرب»، وهو عمل عن الاستراتيجية العسكرية، مثل بدائل للمعركة، الحيل العسكرية، واستخدام الجواسيس، وبدائل الحرب، وغير ذلك، وعلى مدى أجيال يحاول العلماء والمؤرخون معرفة من كان سون تزو، إن وجد؛ وتقول الأسطورة إنه كان قائدًا عسكريًّا صينيًّا في عصر يُعرف باسم «فترة الربيع والخريف»، كان هذا وقت الاضطراب الكبير في الصين، حيث تنافست العديد من الدول التابعة على السلطة، والسيطرة على المناطق غير المأهولة بالسكان في البلاد.

المعلومات القليلة جدًّا عن الرجل هي التي دفعت المؤرخين إلى البحث، حتى إن المؤرخين لا يعرفون كيف كتب «فن الحرب»، وما إذا كان لسون تزو، إن وجد، علاقة بكتابته أم لا، وكل المعلومات التي لدينا هو أن نسخًا من الكتاب، والتي كتبت على مجموعات من شرائح الخيزران المُخيطة، انتهى بها الأمر إلى أيدي السياسيين والقادة العسكريين، في جميع أنحاء الصين، ومن هناك وجدت نسخ مترجمة من أعمال سون تزو؛ في طريقها إلى كوريا واليابان.

ليست مهد الفلسفة والتنوير فقط.. «الوجه المظلم» للحضارة اليونانية

هوميروس.. من كتب الملاحم الأشهر في التاريخ؟

هوميروس هو الشاعر الملحمي الأسطوري مؤلف «الإلياذة» و«الأوديسة»، وكلاهما من أبرز الأعمال الأدبية وأشهرها في الأدب اليوناني القديم، ويعتقد الكثير من الباحثين أن القصائد كانت تنتقل في الأصل شفهيًّا، وكان تأثير ملحمتي هوميروس في الحضارة الغربية كبيرًا، وألهم العديد من كتاب الأعمال الفنية الأكثر شهرة في الأدب، والموسيقى، والفن، والسينما.

Embed from Getty Images

رأى بعض المؤرخين أنه من الخطأ التفكير في هوميروس كشخص، يقول آدم نيكولسن مؤلف كتاب «Why Homer Matters» إن هوميروس: «تقليد؛ وثقافة بأكملها» ويرى نيكولسن أن تناقل أعمال هوميروس شفهيًّا، أدى إلى تغيرها باستمرار في أفواه مختلف الناس الذين نقلوها، وأخبروها مرة أخرى، ودونت في النهاية، في القرن الثامن قبل الميلاد، أما هوميروس نفسه فيرى نيكولسن أنه ليس لديه سيرة ذاتية، وأن لا أحد يعرف من كتب «الإلياذة» و«الأوديسة»، ولم يرفق أي اسم بها، ولا يوجد تصميم مكتوب أو رسومات؛ تشير إلى صاحبها.

استند المؤرخون في شكوكهم حول عدم وجود هوميروس، إلى أنه لا يوجد شيء معروف عنه، رغم أنه أبرز شاعر يوناني قديم، وغير معروف بالضبط متى وُلد، أو المكان الذي مات فيه، أو حتى مكان إقامته، ويقول المؤرخون إنه إذا كان موجودًا فيجب أن يكون على قيد الحياة حوالي 850 عامًا قبل الميلاد، وإذا كان ذلك صحيحًا، سيكون ذلك بعد 400 عام تقريبًا من الأحداث الموضحة في قصصه، كما أن الملحمتين ليس لهما أصل مكتوب، مما جعل بعض المؤرخين يعتقدون أن هوميروس نفسه ربما لم يكن يعرف شيئًا عن الكتابة، حين فكر في القصة، في حالة إن كان شخصًا حقيقيًّا.

كونفوشيوس.. الفيلسوف المتنازع على وجوده

الفيلسوف الصيني كونفوشيوس واحد من المؤثرين في تشكيل تاريخ البشرية، وأثرت تعاليمه وفلسفته على عدد كبير من الناس في جميع أنحاء العالم، وما تزال مؤثرة إلى اليوم، وتعرف تعاليمه باسم «كونفوشية»، والتي غالبًا ما توصف بأنها نظام فلسفي اجتماعية وأخلاقي، وليست ديانة، وتتكون التعاليم من مجموعة من المبادئ التي تشترك مع التقاليد والمعتقدات الصينية.

نظرًا إلى أن كونفوشيوس لم يكتب تعاليمه، بل تناقلت شفهيًّا، وقيل إن تلاميذه هم من كتبوها، فهناك من العلماء من شكك في وجوده، وواحدة من النظريات المثيرة للجدل تقول لم يكن هناك شيء يدعى الكونفوشية، حتى دخل المبشرون اليسوعيون الصين في أواخر القرن السادس عشر، وبمجرد وصولهم إلى هناك، وجدوا تقاليد روحية وأخلاقية لـ«رو»، وباستخدام نموذج اللاهوت المسيحي، والتي تتمحور حول شخص يسوع المسيح، أعاد اليسوعيون صياغة تعاليم «رو»، دينًا كاملًا يرتكز على شخصية مؤسسه المفترض، كونفوشيوس.

يرفض أغلب المؤرخين الصينيين نظرية أن كونفوشيوس ربما لم يكن موجودًا، لكنه ترك القليل من الأدلة الملموسة على وجوده، وأن مادة السيرة الذاتية التقليدية المرتبطة به هي أسطورية إلى حد كبير، كما أن النصف الثاني من تعاليم كونفوشيوس بدت مختلفة من الناحية الأسلوبية والموضوعية عن النصف الأول، وربما يعكس هذا التأثيرات الأخرى غير تأثير كونفوشيوس نفسه، لكنهم مع ذلك لا يجادلون مطلقًا في احتمالية عدم وجوده، لتبقى الحقيقة حول ذلك غائبة.

«ليس كل ما يلمع ذهبًا».. الجانب المظلم من شخصيات قدّسها التاريخ

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد