يبدو أن درجة الاختلاف بين البشر كبيرة جدًا لدرجة أننا كل فترة نكتشف ميزة أو سمة جسدية ما يمكن استخدامها لتحديد هوية الأشخاص بدقة؛ بدءًا من بصمة الأذن ثم بصمة الأصابع ومرورًا ببصمة قزحية العين، يبدو أن السلطات الحكومية حول العالم ستضيف نظامًا جديدًا لتحديد الهوية، من خلال طريقة المشي هذه المرة.

يأتي هذا من كون مشية كل إنسان هي فريدة من نوعها مثل بصمة الإصبع، لكنها تتميز بصعوبة إخفائها عن الأعين كما يخفي البعض وجوههم.

تخيل أن يكون هناك سارق مصارف يستعد بكل ما يلزم لسرقة أحد البنوك مخفيًا وجهه وأصابعه وكل ما يلزم لتحديد هويته، ثم يفاجأ بالشرطة تقبض عليه خلال ساعات قليلة لأنها حددت شخصيته من طريقة مشيه التي سجلتها كاميرات المراقبة.

نعطي مثالًا آخر هنا، يقول البعض إن التغيير المميز لطريقة مشي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحركة جر قدميه التي يقوم بها، تعود إلى التدريبات على الأسلحة في الاستخبارات السوفيتية (كي جي بي) التي شجعت هؤلاء العملاء على تثبيط تأرجح أحد الأذرع لإبقائها أقرب إلى مكان حفظ السلاح الذي يحمله.

علوم

منذ شهرين
تحويل الهواء إلى ماء أصبح ممكنًا! تعرف إلى التقنية الجديدة

طريقة المشي.. الخاصية المميزة

بالنظر إلى أن المشي هو وظيفة يومية لأنواع الكائنات الحية ذات القدمين، فمن المذهل أننا نجد العديد من الطرق المختلفة للقيام بذلك وليس طريقة واحدة ثابتة للمشي. ربما هذا هو السبب في أن مشيتنا رائعة ومتنوعة للغاية رغم أنها ظاهريًا بسيطة.

يتطلب الأمر عشرات العضلات التي تعمل معًا في جميع أنحاء الجسم لوضع قدم أمام الأخرى، وهذه الأنماط الدقيقة من الانثناءات العضلية مميزة للغاية، لدرجة أن العلماء الذين يدرسون حركة المشي يعتقدون بشكل متزايد أنها فريدة بالنسبة لك مثل بصمة إصبعك.

كان موضوع تحليل حركة المشي موجودًا منذ سنوات، لكنه أصبح سائدًا الآن. يكفي أن تعرف أن الصين تستخدمه بالفعل لتتبع مواطنيها، وتريد شركات النقل استخدامه لتحديد حاملي التذاكر. ويقول الأطباء إن تحليل خطواتك قد يوفر إشارة مبكرة إلى وجود واكتشاف المشاكل الصحية.

السؤال هنا: هل هذه التكنولوجيا مبنية على أساس متين؟ وهل تقدم خطوة في الاتجاه الصحيح أم أنها مجرد غزو مقلق آخر لخصوصيتنا يمكن أن تستغله السلطات الحكومية؟

الاهتمام بتحليل حركة المشي منذ القدم

كان الفيلسوف اليوناني القديم أرسطو من أوائل من انتبهوا إلى موضوع تميز حركة المشي من شخص لآخر، لكن أكثر أحد الأشخاص هوسًا بهذا الأمر ظهر في القرن التاسع عشر وهو الروائي الفرنسي أونوريه دي بلزاك.

كان دي بلزاك يملأ كتبه بأوصاف كثيرة عن كيفية انتقال شخصياته من نقطة لأخرى، وغالبًا ما يربط أسلوبهم في المشي بشخصياتهم ووضعهم الاجتماعي ومهنهم. وأنتج بلزاك أيضًا أحد الاختبارات الجادة الأولى حول طريقة المشي ودلالتها.

بعد ذلك نما تحليل طريقة المشي في مسعى أكاديمي لإنتاج تطبيقات عملية من خلاله. من بين أول من اكتشف العلاقة بين حركة المشي وتحديد الهوية هم المحققون الجنائيون، الذين استخدموا خبراء جنائيون مختصون في المشي لتحديد المشتبه به من الطريقة التي يسير بها في لقطات كاميرات المراقبة.

في الآونة الأخيرة، سمحت التطورات التكنولوجية الكبيرة ودخول الحواسيب بتحليل حركة المشي بشكل أعمق وأكثر تفصيلًا، خصوصًا عبر استخدام التصوير الدقيق لقياس التفاصيل التي لا تستطيع العين إدراكها. يقوم بعض علماء حركة المشي بتسجيل ومقارنة قياسات ميكانيكية حيوية معينة، مثل مدى دوران الكاحل، أو مدى اتساع الزاوية بين الساق العلوية والسفلية عند ثني الركبة.

تحليل المشي.. والتعرف على هوية الشخص

يبحث تحليل المشي المحوسب في المجموع الإجمالي لهذه الاختلافات، وما توصل له هو أن كل شخص لديه نمط مشية فريد. هذا بالطبع يعني أنه يمكن التعرف عليهم، هذا ما يؤكده الآن خبراء طريقة المشي حول العالم.

كان أحد أكبر الإنجازات في الأيام الأولى للتعرف على طريقة المشي بشكل أكاديمي هو إدراك أنه يمكنك التعرف على شخص ما من خلال صورته الظلية فقط، وهو ما يعرف باسم «تصوير طاقة حركة المشي». يتضمن ذلك أخذ سلسلة من اللقطات للملف الشخصي للشخص أثناء سيره، عادةً من الجانب، ودمجها في صورة واحدة، لنحصل على صور كل منها فريد ومميزة لصاحبها.

لكن ما مدى موثوقية هذه الصورة؟ يقول باحثو حركات المشي إن النظام تمكن من التعرف بشكل صحيح على 90% من المتطوعين من خلال مشيتهم. ومع تحسن التكنولوجيا، يختبر العلماء هذه التقنية على مجموعات أكبر وأكبر.

تمكن الباحثون مع بداية استخدام هذه التقنية من تحديد 10 أشخاص تقريبًا. لكن الآن، يتعرف هؤلاء على قرابة 90% من قواعد البيانات الهائلة لعشرات الآلاف من الأشخاص.

هذه التقنية بدأت في العمل بشكل جيد حتى مع الصور ضعيفة الجودة. في عام 2017، أظهر علماء الكمبيوتر في البرتغال أنهم يستطيعون التعرف بشكل موثوق على الأشخاص الذين يمشون تحت كاميرا موجهة لأسفل من خلال ظلالهم فقط. ربما يعني هذا أن الطائرات بدون طيار يمكنها إجراء تحليل مشي خفي في الأيام المشمسة على الأقل دون أن نشعر.

لهذه التقنية بعض المميزات مثل استخدامها في المطار للتحديد السريع للأشخاص، أو أي مكان يحتاج إلى تسريع عملية التعرف على الهوية دون التسبب في الازدحام.

تقول شركة «ماستركارد» مثلًا، إنها تعمل مع شركات النقل على كيفية استخدام تحليل طريقة المشي للتحقق من الركاب وهم يقتربون من حاجز التذاكر. ويريد مسؤولو الطاقة النووية في إندونيسيا تعزيز الأمن عن طريق إضافة فحوصات بالفيديو حول كيفية سير الناس. أضف إلى هذا إمكانية استخدامها في التعرف على بعض المشاكل الصحية مثل الشلل الرعاش وغيرها.

الخوف من انتهاكات السرية والخصوصية

أصبحت تقنية التعرف على الوجوه مستخدمة على نطاق واسع لتحديد الأشخاص في العديد من البلدان بدون علمهم، وهو الأمر الذي تسبب في انتقادات كبيرة بسبب انتهاك الخصوصية من قبل الشرطة والسلطات.

ويمكن أن يكون تحليل طريقة المشي أداة أكثر قوة من تقنية التعرف على الوجوه، لأنه يمكن أن يعمل مع صور ذات دقة أقل ويصعب تجنبه مقارنة بأنظمة التعرف على الوجوه، وهو ما يعني سهولة أكبر في انتهاكات الخصوصية. هذه الأيام يرفع الأشخاص الكثير من مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي حيث لا يمكن ملاحظة الوجوه بدقة، ولكن حركة المشي تكون واضحة.

عمومًا، فإن تقنية تحليل المشي لن تستخدم على نطاق واسع مثل التعرف على الوجوه في القريب. ويرجع ذلك أساسًا إلى أنها تتطلب سلسلة من الصور المتسلسلة التي تغطي مراحل المشي، حيث تتحرك كل ساق وترتفع. تتطلب معالجة هذه الصور ثقلًا جادًا في الحوسبة ولا تحتوي معظم أنظمة تحليل طريقة المشي على ما يكفي من هذا للعمل في الوقت الفعلي. وهذا هو سبب محدودية استخدام هذه الأنظمة من خلال الشرطة.

حقوق إنسان

منذ سنة واحدة
مترجم: هذه التقنية استخدمتها الصين لتعقب 2.6 مليون مسلم من الإيغور

لكن المكان الوحيد الذي تستخدم في تقنيات تحليل المشي كثيرًا هو الصين. في أواخر عام 2018، ظهرت تقارير تفيد بأن سلطات الدولة وسعت نطاق المراقبة الحيوية لسكانها لتشمل هذا النوع من التحليل. وأوضح آنذاك الرئيس التنفيذي لشركة Watrix، التي طورت هذا النظام الصيني، إنه يمكنها تحديد الأشخاص على بعد 50 مترًا بدقة 94%.

يشك خبراء آخرون في هذا المجال في أن تقنية Watrix قوية كما تدعي. ولكن يتفق معظمهم على أنها مسألة وقت فقط قبل أن يصبح هذه التقنية متاحة في كل مكان. هذا قد يستلزم السيطرة عليها عبر تشريعات جديدة. بدأت الحكومة الإسكتلندية بالفعل في هذا الطريق من خلال تقديم مشروع قانون من شأنه أن يمهد الطريق لقواعد الممارسة لتكنولوجيا تحديد الهوية بالقياسات الحيوية مثل المشي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد