لا تفتأ أزمة تخمد في العلاقة ما بين الجارين الجزائر والمغرب حتى تظهر أخرى، مع ما يواكب ذلك من تبادل للاتهامات بين الطرفين، رسميًّا وإعلاميًّا وحتى شعبيًّا على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يزيد في حدة التوتر بين البلدين، وكذا اتساع الهوة بينهما!

حقوق الإنسان تشعل المواجهة

ساحة المواجهة بين البلدين ابتدأت دبلوماسيًّا بأروقة مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بمدينة جنيف السويسرية، قبل أن تنتقل إلى إعلام البلدين اللذين التقطا تصريحات سفيري بلديهما لدى الأمم المتحدة بجنيف، وليتجدد مرة أخرى تبادل الاتهامات بين البلدين والشعبين حول تدخل هذا البلد أو ذاك في الشأن الداخلي للبلد الآخر.

البداية كانت من تصريح مندوب الجزائر لدى الأمم المتحدة في جنيف، إدريس الجزائري، أمام مجلس حقوق الإنسان، والذي خصصه بالكامل لانتقاد المغرب في مجال حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، واتهم فيه المملكة المغربية صراحة بـ”المس بشكل يومي بحقوق الإنسان” في الأقاليم الجنوبية الصحراوية، التي تطالب جبهة البوليساريو المؤيدة من طرف الجزائر استقلالها عن المغرب.

ومعلوم أن الجزائر والبوليساريو لا تتركان مناسبة دولية أو إقليمية إلا وهاجمتا فيها المغرب على ما تعتبرانه “انتهاكات” السلطات المغربية لحقوق الإنسان في الأقاليم الصحراوية المتنازع عليها، والتي تطالب البوليساريو بدعم واضح من الجزائر باستقلالها عن المغرب، وهو ما يرفضه الأخير ويعتبرها أقاليم مغربية يقدم بشأنها – أمام الأمم المتحدة – مقترح “الحكم الذاتي” وبقائها تحت السيادة المغربية كحل للمشكلة، وهو ما ترفضه البوليساريو ومعها الجزائر التي تؤوي الأولى على أراضيها (بمنطقة تندوف في الجنوب الغربي) وكذلك الآلاف من الصحراويين، وتقدم لهم الدعم لإقامة ما يسمى “الجمهورية الصحراوية”.

رد مغربي قاسٍ

الرد المغربي كان “قويًّا وحادًّا”، عندما وصف سفير المغرب لدى الأمم المتحدة في جنيف، عمر هلال، بأن “ادعاءات” الجزائر بكونها تقوم بدور “الملاحظ”، في قضية الصحراء، هو “أكذوبة القرن”، قبل أن يدين الدبلوماسي المغربي – الذي كان يتحدث في إطار حق الرد على مداخلة الدبلوماسي الجزائري – خلال جلسة نقاش عام بمجلس حقوق الإنسان، هذا الموقف الجزائري.

الرد المغربي، بلسان ممثله بجنيف، استمر في سرد ما يعتبره أدلة على “تناقض” الموقف الجزائري إزاء قضية الصحراء التي اتهمها بدعم البوليساريو، وتساءل الدبلوماسي، في هذا السياق، “من يؤطر الحملة الدبلوماسية للبوليساريو، ويعبئ ويمول المنظمات غير الحكومية بجنيف، غير الدبلوماسيين الجزائريين، كما يمكن للجميع أن يلحظ ذلك في أروقة الأمم المتحدة”، مضيفًا أنه “فيما يتعلق بالوضع في الصحراء المغربية، وسواء شاء السفير الجزائري أم أبى، فإن مدنها تعيش بسلام وسكانها يباشرون بكل أريحية أنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية”.

وفيما اعتبره متتبعون “مفاجأة غير متوقعة” لنظيره الجزائري، استشهد الدبلوماسي المغربي بما يقع حاليًا من صراعات طائفية بولاية غرداية بالجزائر، ليبرز ما ادعاه ذاك “التناقض” الجزائري، فيما يتعلق بحقوق الإنسان، وأكد في هذا الإطار، “أن الوضع (في الصحراء) يختلف تمامًا في مدينة غرداية بالجزائر التي تشبه أكثر ساحة الوغى بمنازلها المحروقة ومحلاتها المنهوبة، وسكانها المطاردين ومكوناتها السياسية – الدينية الموظفة لغايات سيئة”.

بل إن رد الدبلوماسي المغربي اتخذ طابعًا أكثر حدة عندما توجه بالخطاب إلى زميله الجزائري مذكرًا إياه بتصريح لأحد سكان هذه المدينة (غرداية) كان قد أدلى به لقناة تلفزيونية أوروبية، وأكد فيه أن “الوضع في غرداية أسوأ من الوضع في حلب (السورية)”، وآخذًا على الجزائر عدم فتحها المجال للمراقبين الدوليين الحقوقيين لتقصي أوضاع حقوق الإنسان في الجزائر بعكس المغرب فصحراؤه مفتوحة أمام الزوار الأجانب والحكومات والبرلمانات والمنظمات غير الحكومية والصحفيين، بل وحتى من يسمون بـ”انفصاليي الداخل” الموالين للبوليساريو الذين يغادرون البلاد للدعاية ضد المغرب، ويعودون إليه دون أن تعترضهم السلطات المغربية أو توقفهم، بحسب الدبلوماسي المغربي.

وتستمر المواجهة..

إعلام الجزائر والمغرب تحركا، كالعادة، لتسليط الضوء على المواجهة الدبلوماسية التي تجري في جنيف، وبينما أعاد الإعلام المغربي نشر تصريحات الدبلوماسي، عمر هلال، مرفوقة بعناوين بارزة، من قبيل “ممثل المغرب يخرس سفير الجزائر بجنيف”، و”عمر هلال يحرج نظيره الجزائري بمقارنة الأوضاع في المغرب والجزائر”، سارع الإعلام الجزائري إلى توجيه الاتهام إلى ما يسميه “المخزن” (في إشارة إلى النظام الملكي المغربي)، بـ”التطاول” على الجزائر و”تشويه سمعتها وصورتها دوليًّا”.

ويبدو أن لا حل يلوح في الأفق بخصوص الأزمة الدبلوماسية والسياسية المتواصلة بين الجارين الشقيقين المغرب والجزائر، ما دام أن الأخيرة متشبثة بموقفها المؤيد لجبهة البوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء عن المغرب، وهو ما يجعل هذا الأخير يعتبر أن النزاع “المفتعل”، بخصوص “أقاليمه الصحراوية”، ليس مع جبهة البوليساريو، ولكنه مع النظام الجزائري، الذي له أطماع في الصحراء ولا سيما رغبته في تحقيق هدف إستراتيجي وهو الوصول إلى المحيط الأطلسي، من خلال دعم إنشاء “كيان ضعيف” يكون مواليًا وتابعًا له.

عرض التعليقات
تحميل المزيد