عملية الولادة الطبيعية بقدر ما هي تجربة رائعة، فهي أيضًا تجربة مؤلمة، لدرجة أن بعض النساء يفضلن الولادة القيصرية؛ تجنبًا لهذه الآلام. لكن للعمليات القيصرية آثارها السلبية في جسد المرأة، كما أنها – أحيانًا وبسبب التخدير الكلي – لا تمنح الأم فرصة أن تشهد لحظة خروج طفلها إلى الحياة، تلك اللحظة التي يؤكد علم النفس أنها تؤثر إيجابيًّا في علاقة الأم بطفلها ومشاعرها تجاهه.

ولكن إذا قررت الأم اللجوء للولادة الطبيعية، فهي على موعد مع آلام جسدية قد لا تحتمل، ولذلك في رحلة سعي الطب الحديث لتطوير تقنياته، أصبحت هناك طرق حديثة تساعد الأم على الولادة الطبيعية ولكن بآلام أقل وطأة، في هذا التقرير نستعرض لكم بعض طرق الولادة بدون ألم، ومدى فعاليتها في التحكم في آلام الولادة.

1. الولادة تحت الماء للتخلص من تشنجات وآلام المخاض

الولادة تحت الماء واحدة من طرق الولادة الطبيعية الحديثة التي انتشرت بقوة في العالم الغربي، وبدأت تتحسس طريقها بحذر في الوطن العربي خاصة مصر. وتلك الطريقة هدفها الأول والأساسي هو تخفيف الألم عن الأم في أثناء الولادة الطبيعية، بواسطة المياه الدافئة التي تجلس فيها المرأة الحامل قبل بدء عملية الولادة. وتلك المياه تخلِّص الأم من تشنج العضلات، وتساعد جسدها على الاسترخاء خلال المخاض، ففي هذه اللحظة يختبر جسد المرأة أقصى درجات التوتر ما يجعلها أكثر عرضه للألم، وهنا يأتي دور المياه الدافئة التي يجب أن تتراوح درجة حرارتها بين 35 و37 درجة؛ لتخلصها من نسبة كبيرة من الألم المصاحب للولادة الطبيعية.

بعد أن تساعد المياه الدافئة جسد الأم على الاسترخاء، تمنحه الفرصة لإفراز هرمون الولادة اﻷوكسيتوسين، الذي يعمل على تنظيم الانقباضات في الرحم، ويساعد المخ على إفراز الإندروفين؛ ما يساهم بدوره في تخفيف الألم الخاص بالمخاض، وبهذه الطريقة تمنح المياه الأم طريقة طبيعية وآمنة للسيطرة على آلام الولادة.

يوضح طبيب النساء والتوليد المصري، نعمان أبو الوفا، أن الولادة تحت الماء طريقة جيدة وفعالة، وقد تساعد بالفعل  في تقليل آلام الولادة بشكل ملحوظ، ولكنها أيضًا تتضمن محاذير ومخاطر يجب على المرأة مراعاتها والتركيز عليها.

فمثلًا إذا كانت المرأة مصابة بأي مرض جلدي فمن الأفضل أن تتجنب تلك الطريقة في الولادة؛ لأنها قد تنقل العدوى لطفلها بسهولة، كما أن تلك الطريقة لا تصلح للأم التي يتخذ طفلها وضعًا غير صحيح في رحمها، ولا تصلح أيضًا لولادة التوائم، ولا يُفضل – بحسب أبو الوفا – للمرأة التي خاضت تجارب الولادة القيصرية من قبل، أن تخوض تجربة الولادة تحت الماء.

قد يخطر على بال من يتعرف إلى هذه الطريقة للمرة الأولى عبر هذه السطور، سؤال عن كيفية تنفس الطفل الذي سيولد في الماء، خاصة وأن الآباء تعودوا أن يشعروا بالأمان عند سماع صرخات طفلهم نتيجة دخول الهواء إلى رئتيه للمرة الأولى، ولكن ما أكده الأطباء أن ولادة الطفل في الماء لا تؤثر في صحة الجنين في المستقبل، لأنه في كلا الحالتين يتنفس الطفل في اللحظات الأولى من ولادته عبر الحبل السري، إلى جانب أن خروج الطفل للماء يكون عبارة عن بيئة مشابهة لما كان يعيش فيه لشهور طويلة.

ولكن جدير بالذكر – كما يشرح أبو الوفا – أنه يجب ألا تقرر الأم اللجوء إلى هذه الطريقة في الأيام القليلة قبل الولادة، فهذا أمر يجب أن تأخذ القرار فيه مع بداية حملها؛ لضرورة المتابعة مع طبيبها المباشر للتجهيز لتلك الطريقة؛ لأن هناك الكثير من التمارين والأوضاع التي يجب أن تتدرب عليها الأم الحامل قبل خوض تجربة الولادة تحت الماء.

2. الولادة بالتنويم المغناطيسي قد تحمي من اكتئاب ما بعد الولادة

تلك الوسيلة الجديدة والمنتشرة في العالم الغربي للولادة الطبيعية، تعد الأسهل والأقل تكلفة بين وسائل الولادة الحديثة التي تساعد على تخفيف ألم الولادة الطبيعية، ويعتمد التنويم المغناطيسي الذي يجب أن تمارسه الأم الحامل قبل ثلاثة شهور على الأقل قبل الولادة؛ على تقنيات التنويم المغناطيسي الذاتي، والتدريب على الاسترخاء، والاستعداد نفسيًّا وجسديًّا لتجربة الولادة الطبيعية، بمساعدة المشرفين على التدريبات لتقليل شعور المرأة بالخوف أو القلق من أوجاع الولادة الطبيعية.

تتم تلك التدريبات باستخدام الموسيقى، والتخيل، والتفكير الإيجابي، وتعلم السيطرة على المشاعر أثناء المخاض؛ لأن التوتر من أهم العوامل التي تزيد الألم في تلك اللحظة وتجعل انقباضات الرحم أكثر إيلامًا، وأثبتت العديد من الدراسات الحديثة أن تلك الطريقة تعد أكثر فعالية من الطرق الأخرى الكيميائية المستخدمة لتخفيف آلام المخاض، كما أن لها القدرة على السيطرة على فترة الولادة الطبيعية نظرًا إلى استرخاء جسد الأم وقدرتها على التحكم فيه، بالإضافة إلى تقليل فرص الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، وهي تحمي الطفل أيضًا من التعرض للعديد من مشكلات الولادة، كما أنها الطريقة الأرخص ماديًّا للأم.

Embed from Getty Images

ما يميز تلك الطريقة عن غيرها من الطرق التي تساعد على تخفيف الألم في الولادة، هي أهمية مشاركة الزوج في مرحلة الولادة بالتنويم المغناطيسي، فهو المساعد الأول للأم الحامل في هذه الطريقة، وعليه حضور جميع التدريبات معها، كما أن له دورًا رئيسيًّا في أثناء عملية الولادة لتذكيرها بكل التفاصيل التي تدربا عليها معًا في الشهور الماضية، والإشراف على تنفسها وطريقة تفكيرها في الأمر، والتي يجب أن تظل إيجابية لآخر لحظة.

يؤكد أبو الوفا أن تلك الطريقة قد تكون فعالة جدًّا للمرأة الحامل وتساعد على تخفيف آلامها أثناء المخاض، ولكن تلك الطريقة – من وجهة نظره – ليست  منتشرة بين النساء في الوطن العربي، وهذا لأن فكرة التنويم المغناطيسي، أو التأمل، أو التحكم في التفكير الإيجابي والسلبي ليست من المفاهيم المنتشرة بين المجتمعات العربية مثل المجتمعات الغربية، ولذلك فإن معظم النساء اللاتي يلجأن إليه لمتابعة الحمل، يفضلن التدخل الكيميائي، وهنا يأتي دور الطريقة التالية، وهي حقنة الإبيديورال.

3. الإبيديورال.. التدخل الكيميائي من أجل ولادة بدون ألم

الإبيديورال أو كما يطلق عليها بين نسبة كبيرة من النساء في العالم العربي؛ إبرة الظهر، تعد واحدة من أكثر طرق الولادة بدون ألم، انتشارًا عالميًّا، والتي تستخدم للتخفيف من آلام الولادة الطبيعية، وهذا عن طريق حقن قسطرة موصلة بأسفل ظهر الأم الحامل يمكن للأطباء من خلالها حقن الأم بالدواء المخدر في النصف الأسفل من جسدها حيث تقع البطن والرحم، وتتميز تلك الطريقة بأنها لا تجعل الأم تغيب عن الوعي، فتوفر لها ألمًا أقل، وفرصة رؤية طفلها وهو يخرج من رحمها.

تلك الطريقة لا تحتاج لتجهيزات كثيرة قبل الولادة، فهي تحتاج ما يقرب من 20 دقيقة ليبدأ مفعولها، وهو ما يجعلها الطريقة الأكثر انتشارًا الآن، فهي الطريقة الأسهل والأسرع، ويؤكد أبو الوفا أن تلك الطريقة ليست مؤلمة في التنفيذ، لأن العديد من النساء تسأله عن مدى الألم الذي يحدث عند حقن ظهورهن بالإبرة، موضحًا أنه عادة ما يوضع مخدر موضعي على أسفل الظهر خلال عملية الحقن حتى لا تكون مؤلمة للأم.

ولكن أيضًا يحذر أبو الوفاء المرأة المقبلة على تلك التجربة، من أنها قد تتعرض لانخفاض في ضغط الدم، ما قد يؤدي إلى إبطاء ضربات قلب الجنين، ولذلك يجب أن يجري الحقن والولادة تحت إشراف الطبيب الذي تتابع معه حالتها منذ بداية الحمل، لأنه سيكون الأكثر دراية بحالتها الصحية العامة، كما يمكن أن تسبب الحقنة بعضًا من آلام الرأس، ولكنها لا تقارن بالآلام الخاصة بالمخاض، والتي تحميها منها الإبرة.

صحة

منذ 5 شهور
كل ما تريدين معرفته عن الحمل والولادة في زمن «كورونا»

أضاف أبو الوفا خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أن التدخل الكيميائي لتخفيف الألم أثناء الولادة، لم يتوقف عند الولادة الطبيعية فقط، فحتى الأم التي تختار الولادة القيصرية، وتتجنب ألم المخاض، تعاني من آلام أخرى بعد العملية القيصرية بفعل الجرح، وهنا – يوضح الطبيب – يأتي دور تقنية التاب بلوك، وهي عبارة عن حقنة مخدرة للأعصاب الموجودة في منطقة جرح الولادة القيصرية، والتي تمنح الأم فترة خالية من الألم قد تصل إلى 24 ساعة أو أكثر، وهي الفترة التي يعرف عنها أنها الأكثر إيلامًا بعد إجراء العملية القيصرية.

في النهاية ننصح كل امرأة حامل اقترب ميعاد ولادتها، أن تدرس تلك الخيارات جيدًا مع الطبيب الذي يشرف على حالتها، لأن الطريقة التي قد تعجبها ربما لا تكون مناسبة لحالتها الصحية، ولذلك يجب عليكِ ألا تختاري الوسيلة التي تلدين بها وحدك، بل هو قرار تتخذينه مع طبيبك المتابع للحمل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد