يقولون إن القرن العشرين كان «عصر البلاستيك»، وذلك للتطور الكبير الذي شهده العالم آنذاك في تطوير البلاستيك بأنواع عديدة جعلت له استخدامات لا تعد ولا تحصى في كل مناحي الحياة، لكن يبدو أن القرن الحادي والعشرين قد يصبح «عصر الجرافين»، تلك المادة الكربونية المكتشفة منذ عدة سنوات، والتي تعد بإحداث ثورة في كل شيء من الحوسبة إلى إطارات السيارات والخلايا الشمسية وأجهزة كشف الدخان.

فما هذه المادة وما قصتها؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن أن تغير حياتنا في المستقبل القريب؟

ما هو الجرافين؟

ربما يعرف البعض منا تلك المفارقة المميزة حول عنصر الكربون، والتي تتعلق بكون الكربون يأتي في شكلين أساسيين، مختلفين بشكل مذهل، وهما الجرافيت، تلك المادة الناعمة السوداء مثل التي توجد في أقلامنا الرصاص، أو الفحم، والشكل الثاني في الماس، تلك البلورات الثمينة فائقة الصلابة واللمعان والتي تعد واحدة من أبرز أنواع المجوهرات.

فرغم هذا الاختلاف الكبير ظاهريًّا، فإن كلًّا منهما مصنوع من ذرات كربون لا أكثر، ويأتي هذا الاختلاف في طريقة ترتيب ذرات الكربون داخل المادتين بطرق مختلفة، وهذا ما نطلق عليه في الكيمياء اسم ظاهرة «التآصل»، وكان مثال الماس والجرافيت هما المثال الأبرز الذي درسه البعض منا في المدرسة.

لكن في السنوات القليلة الماضية، اكتشف العلماء العديد من تآصلات الكربون الأخرى ذات الخصائص الأكثر إثارة للاهتمام، فعلى سبيل المثال، «الفوليرينات» التي اكتشفت عام 1985، وهي عبارة عن أقفاص مجوفة من ذرات الكربون وله تطبيقات مهمة في التصوير بالرنين المغناطيسي وأبحاث السرطان، وكذلك «الأنابيب النانوية» التي اكتشفت عام 1991؛ وهي عبارة عن صفائح مسطحة من ذرات الكربون ملتفة على هيئة أنابيب مجوفة رقيقة لها الكثير من التطبيقات الصناعية.

وأخيرًا، الجرافين، الذي اكتشف عام 2004 وحصل مكتشفوه على جائزة نوبل، والذي يتميز – بعكس أغلب المعادن الأخرى – بأن له بنية أو تركيبة ثنائية الأبعاد وليست ثلاثية الأبعاد، ويمكننا القول إن الجرافين هو طبقة واحدة فقط من الجرافيت، أي إنه جرافيت لكن ثنائي الأبعاد وليس ثلاثي الأبعاد، أي بمثابة شريحة واحدة رقيقة من طبقة واحدة من ذرات الكربون.

تتكون كل طبقة من الجرافين من حلقات سداسية من الكربون، مما يعطي مظهرًا يشبه قرص خلايا العسل كما في الصورة السابقة. ونظرًا إلى أن الطبقة الواحدة يبلغ ارتفاعها ذرة واحدة فقط من الكربون، فستحتاج إلى كومة من نحو 3 ملايين من هذه الطبقات لجعل سمك الجرافين يصل إلى 1 مم فقط.

الجرافين يسحب البساط من تحت أقدام البلاستيك

يتحدث الباحثون والعلماء الآن عن الجرافين بالطريقة نفسها التي كانوا يتحدثون بها في القرن العشرين عن البلاستيك، فكما أنه بعد اكتشاف البلاستيك، بدأ العلماء ينتجون منه أنواعًا مختلفة نسبيًّا في التركيب والشكل والمتانة وغيرها، يعمل الآن العلماء على العديد من الأنواع المختلفة من الجرافين.

وكما أن لكل نوع من البلاستيك استخدامات معينة، فإن الأنواع المختلفة من الجرافين التي يعمل عليها العلماء ستكون هناك اختلافات نسبية بينها تجعلها مصممة للقيام بأشياء مختلفة، وهذا الأمر يخلق العديد من جوانب التطبيقات المختلفة لهذه المادة الجديدة وسريعة التطور. في يوم من الأيام، قد يكون من الشائع أن نتحدث عن الجرافين بالطريقة التي نتحدث بها الآن عن البلاستيك.

خصائص الجرافين

قبل الدخول في تطبيقات الجرافين والثورة المتوقعة له في المستقبل القريب، علينا أن نعرف أن تميز الجرافين وسط المواد المتعددة التي يكتشفها العلماء يأتي من خصائصه المميزة أو لنقل الطريقة التي يتصرف بها هذا المعدن.

الجرافين مادة قوية جدًّا وصلبة لكنها في الوقت ذاته رقيقة بشكل مذهل، وشفافة تمامًا تقريبًا، وخفيفة للغاية، ورغم أن الكربون مادة غير معدنية، فإن الجرافين يتصرف مثل المعادن؛ إذ يتميز بتوصيليته العالية للكهرباء والحرارة، وموضوع التوصيلية الكهربية للجرافين مثير للاهتمام، فهو يحمل الكهرباء بشكل أفضل حتى من الموصلات مثل النحاس، وكذلك أفضل من الموصلات الفائقة. هذا يعني أن مقاومة الجرافين لحركة الكهرباء أقل، وبالتالي يكون الفقد في الطاقة الكهربائية أقل بكثير مما يحدث في كابلات الكهرباء الحالية.

على عكس الجرافيت الموجود في القلم الرصاص مثلًا، فإنه يعتقد أن الجرافين هو أقوى مادة اكتشفت حتى الآن؛ إذ إنه أقوى بحوالي 200 مرة من الفولاذ، لكن المذهل أن هذه الصلابة تترافق مع مرونة كبيرة أيضًا، فمرونته تشبه المطاط، لذا يمكنك شده لدرجة تصل من 20% إلى 25% من طوله الأصلي دون أن ينكسر.

تبلغ خفة الجرافين درجة أنه يمكن تغطية ملعب كرة قدم بورقة منه يقل وزنها عن جرام واحد فقط. والجرافين كذلك فائق الشفافية لدرجة أن يسمح بعبور حوالي 97-98% من الضوء، مقارنة بحوالي 80-90% في ألواح زجاج النوافذ.

تطبيقات متعددة

نظرًا إلى الخصائص المتعددة للجرافين، يعمل العلماء الآن على تطوير أنواع مختلفة منه بحيث يمكننا الاستفادة من كل واحدة من هذه الخصائص بصورة أكبر في تطبيقات معينة، مثل ابتكار نوع من الجرافين يحقق أكبر استفادة من شفافيته العالية، أو توصيله العالي للكهرباء، وهكذا، وهذه بعض التطبيقات المنتظرة:

1- بديل أصغر حجمًا وأكثر قوة لترانزستورات في أجهزة الكمبيوتر، عبر استبدال الجرافين بالسيليكون.

2- تصنيع طائرات أسرع وأخف وزنًا عبر استبدال الجرافين بالأجزاء المعدنية الثقيلة.

3- إنتاج ألواح شمسية ذات تكلفة أقل وكفاءة أعلى.

4- استبدال كابلات أكثر كفاءة وأقل هدرًا للكهرباء بكابلات نقل الطاقة العادية.

5- استبدال بطاريات أكثر كفاءة وأخف وزنًا وبعمر افتراضي أطول بكثير، كما أنها أكثر سلامة، بالبطاريات العادية (بطاريات الليثيوم) في الهواتف والحواسيب المحمولة.

6- تعمل شركات مثل «سامسونج» و«نوكيا» و«IBM» بالفعل على تطوير بدائل تعتمد على الجرافين لأشياء مثل الشاشات والذاكرة، وكان باحثون في IBM، قد ذكروا أنهم قاموا ببناء أكثر شرائح كمبيوتر الجرافين تقدمًا في العالم، والتي يمكن أن تؤدي أفضل 10 آلاف مرة من الرقائق السابقة.

7- مزج الجرافين مع البلاستيك لإنتاج مواد أرق وأخف وزنًا لإنتاج سيارة أقوى وأخف، ومواد بناء غير تقليدية، بل حتى مركبات فضائية تحتاج لوقود أقل.

8- جعل إضاءة مصابيح «LED» أكثر كفاءة وأطول عمرًا.

9- الطلاءات والدهانات المضادة للتآكل.

10- أجهزة الاستشعار الدقيقة

11- إمكانية توصيل الأدوية للخلايا السرطانية دون الإضرار بباقي خلايا الجسم.

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
البلاديوم يتربّع على عرش المعادن الثمينة.. فهل يزيح الذهب؟

الأهم من هذا كله، هو احتمال أن نتمكن من تطوير أنواع جديدة من التقنيات الجديدة، والتي لا يمكن تصورها حاليًا، والتي تستفيد من خصائص الجرافين المذهلة، ففي القرن العشرين، لم تحل المواد البلاستيكية محل المواد القديمة مثل المعدن والخشب فقط، بل غيرت ثقافتنا تمامًا إلى ثقافة تفوقت فيها سهولة الاستخدام والراحة على المتانة. ربما سنتمكن من تصنيع الملابس فائقة الخفة مصنوعة من الجرافين، وربما يمكننا بناء منازل للطوارئ قوية لكنها خفيفة وسهلة النقل لدرجة طيها وحملها في حقيبة الظهر إلى الأماكن المنشودة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد