على مدار أكثر من قرنٍ من الزمان، منذ بدأ التمدد الصهيوني في أرض فلسطين حتى ابتلع معظم أرضَها، شهد تاريخ هذه البلاد وشعبها حلقات متتابعة من الملاحم والمآسي.

تلك الأخيرة لم يكن المسؤول عنها حصرًا العدو الصهيوني وحلفاءه، إنما كان للعرب نصيب كبير من وقوع تلك المآسي، ليس بالأثر غير المباشر من خلال التخلي عن القضية، والتقصير في دعمها فحسب، وإنما بالقتال، وبالاستهداف المباشر للفلسطينيين ومناضليهم ومقدراتهم.

في هذه الجولة، سنسلط الأضواء على فصلٍ طويل من الألم الفلسطيني، فقد فيه الآلاف من الفلسطينيين من المسلَّحين والعُزَّل أرواحَهم، وانتكس مسار ثورتهم ونضالهم عقودًا من جرَّائها.

كان بطل هذا الفصل هو الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، وحربه – أو للدقة حروبه – ضد القائد الفلسطيني الأشهر والأكثر إثارة للجدل، ياسر عرفات، الذي قاد منظمة التحرير الفلسطينية خلال ذلك الفصل العصيب من تاريخها.

من عبد الناصر إلى حافظ الأسد.. المارد الفلسطيني داخل القمقم العربي

في العقود السابقة، كانت المشكلة الرئيسة للمناضلين الفلسطينيين مع الأنظمة العربية الكبرى، لا سيما تلك التي كانت تتشدَّق دائمًا بكونها داعمة للحق الفلسطيني، هو محاولة تلك الأنظمة دائمًا، كبح أية جهود وفاعلية فلسطينية خارج الأطر المرسومة، وتحويل القضية الفلسطينية بشكل ما إلى ورقة سياسية مهمة في قبضة تلك الأنظمة، ومحطات حياة ياسر عرفات شاهدة على ذلك.

عام

منذ 4 سنوات
في رسالة من عام 1955 نشرتها «فورين أفيرز».. عبد الناصر يتحدث عن الثورة وآماله لمصر

في عام 1957، وبعد موافقة نظام عبد الناصر على الترتيبات السياسية بعد انتهاء العدوان الثلاثي، ومنها نشر قوات الطوارئ الدولية على الحدود المصرية الفلسطينينة، فهم الشاب ياسر عرفات – وغيره من المقاتلين الفلسطينيين والداعمين للكفاح المسلح، والمتمركزين في مصر – أنه أصبح غير مرغوب في وجوده بالقاهرة التي عاش فيها سنوات طويلة، وتخرج من جامعتها.

لا سيَّما وأنَّ عرفات يصر على تنسيق فعاليات سياسية كونه رئيس رابطة الخريجين الفلسطينيين، وكان قبلها رئيس رابطة طلاب فلسطين بمصر، واعترض على تفكيك المقاومة الشعبية الفلسطينية في قطاع غزة بعد انسحاب إسرائيل منه، وعودته للإدارة المصرية بانتهاء العدوان الثلاثي.

لم يقبلْ ياسر عرفات ورفاقه أن يمنع نظام عبد الناصر القيامَ بأية جهود سياسية أو عسكرية فلسطينية مستقلة ضد إسرائيل انطلاقًا من مصر. وخشية أن يستهدفهم النظام المصري إن أصروا على المعارضة، سافر عرفات إلى الكويت، حيث عمل مهندسًا لسنوات، فيما يمكن اعتبارَه فترة هدنةٍ ثورية، واهتمام بالحياة الشخصية. وفعل مثله أكثرية رفاقه من المقاومين الذي كانوا في مصر.

لكن بعد بضع سنوات، سيجتمع هؤلاء الرفاق في الكويت، ويشرعون في سريةٍ تامة في  تكوين نواة أول حركة فلسطينية كبرى، هي حركة فتح. وأسهم حدثان بارزان في تخفيف القيد العربي على العمل الفلسطيني المستقل، وصولًا إلى ظهور حركة فتح للنور.

الأول هو انهيار الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961، مما أشعر الكثيرين بقصور العمل العربي المشترك، وأن على الفلسطينيين التحرر من الثقل العربي، وصناعة فعلهم الخاص الذي يفرض نفسه على الفعل العربي.

أما الحدث الثاني، فهو انتصار الثورة الجزائرية على الاستعمار الفرنسي عام 1962، بعد 132 عامًا من الاحتلال الاستئصالي والاستعماري. مما أحيا الآمال في نفوس عرفات وغيره من المقاومين الفلسطينيين بإمكانية إشعال حرب تحرير شعبية فلسطينية بدعمٍ من العرب وأحرار العالم، تنتهي بزوال الاحتلال الصهيوني.

تسارعت الأمور وصولًا إلى إعلان الانطلاقة الأولى لحركة فتح مطلع عام 1965، وكان الدعم في البداية يأتي من الجزائر، ثم من سوريا على استحياء.

Embed from Getty Images

ياسر عرفات مع ولي عهد الأردن الحسن بن طلال عام 1970.

أما عبد الناصر – ومعظم القادة العرب – فحاولوا قطع الطريق سياسيًّا على فتح بإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية لتكون واجهة سياسية حصرية للقضية الفلسطينية، ودائرة في الفلك العربي؛ إذ كانت النزعة الاستقلالية لفتح محلَّ توجسٍ ظاهرٍ وخفي عربيًّا.

لكن نكسة عام 1967 فرضت واقعًا جديدًا؛ فمع الهزيمة الموجعة التي تلقَّاها النظامان العربيان الكبيران في سوريا ومصر، برزت أهمية الكفاح المسلح الفلسطيني في الصراع ضد إسرائيل، وانتزع الفلسطينيون بقيادة عرفات المزيد من الاستقلالية والشرعية لتمثيل العمل الفلسطيني المقاوم، وتدفق السلاح العربي لا سيَّما من الجزائر وسوريا، وتكاثفت هجمات فتح وأخواتها ضد الكيان الصهيوني انطلاقًا من الأردن بالأساس، ومن لبنان وسوريا أحيانًا.

بعد محاولة الاجتياح الإسرائيلي الفاشلة لمواقع فتح في الأردن في مارس (آذار) 1968، والتي عُرفت بموقعة الكرامة، وكبدت فيها المقاومةُ الفلسطينية ومدفعية الجيش الأردني، الجيشَ الإسرائيلي خسائر فادحة؛ ارتفعت أسهم فتح وعرفات إلى عنان السماء، وقارنت الجماهير العربية بين فشل الجيوش النظامية في مواجهة العدو، ونجاح العمل المقاوم في إلحاق الهزيمة به. وفي ذلك الوقت، تصاعدت عمليات المقاومة ضد إسرائيل انطلاقًا من الأردن.

تعزز نفوذ عرفات وفتح في الأردن، حتى أصبح هذا صداعًا مؤرقًا للملك حسين، فتطورت الأمور سلبًا وصولًا إلى الأحداث المأساوية المعروفة بـ«أيلول الأسود» عام 1970، التي خاض فيها الجيش الأردني حربًا مفتوحة ضد فتح وحلفائها، وكان من نتائجها جلاء المقاومة الفلسطينية إلى لبنان وسوريا.

خرج آلاف المقاتلين الفلسطينيين من الأردن إلى لبنان في أعقاب تلك الأحداث التي سقط خلالها الآلاف من القتلى والمصابين، في حرب مفتوحة استمرَّت أيامًا بين الجيش الأردني والفصائل الفلسطينية، وأدَّت إلى تدمير الوجود الفلسطيني المسلح القوي في الأردن.

الأسد يدعم الفلسطينيين في لبنان

بعد نجاح استيلائه على السلطة في سوريا عام 1970 بعد انقلابه على رفيق الانقلابات البعثية صلاح جديد، دعم حافظ الأسد فتحًا والعديد من الفصائل الفلسطينية اليسارية الموالية له، سياسيًّا وعسكريًّا.

كان الأسد يضرب بذلك الحجر عصفورين، ليُعزَّز شرعيته الداخلية في سوريا المضطربة، التي يبنيها على قضية التحرير ومواجهة إسرائيل في الجولان وفلسطين، وليتمكن شيئًا فشيئًا من أن يستحوذ على ورقة القضية الفلسطينية، لتصبحَ ورقةً رابحة في الساحات المختلفة.

بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، التي تحول النصر السوري في بدايتها إلى هزيمة كبيرة، اضطر السوريون لخوضِ حرب استنزافٍ ضد إسرائيل استمرت لأشهر، حتى منتصف عام 1974 لتحسين موقفهم التفاوضي، الأمر الذي جعل امتلاك الورقة الفلسطينية بالنسبة لحافظ الأسد أكثر أهمية عن ذي قبل، فهي وحدَها التي يمكن أن تُكسبه أهمية بارزة على الساحتيْن الإقليمية والدولية بعد أن أفقده الفشل في تحقيق الانتصار عام 1973 الكثير.

وهكذا شهدت لبنان المجاورة لسوريا، التي كانت في منتصف السبعينيات تعج بالمقاومين الفلسطينيين وعلى رأسهم ياسر عرفات وأنصاره، فصولًا ملحمية من النضال السياسي والعسكري بين سوريا والفلسطينيين، وبالتحديد بين الرجليْن القوييْن: حافظ الأسد وياسر عرفات.

كان لبنان منذ استقلاله في الأربعينيات يعاني من صُدوع عديدة، كان أبرزها الانقسام البارز بين معسكريْن كبيريْن، أولهما اليمين المسيحي الماروني، المهيمن على الجانب الأكبر من مقدرات لبنان وثرواته، والمدعوم غربيًّا وإسرائيليًّا، والداعي للانعزال عن القضية الفلسطينية، وتقديم المصلحة اللبنانية الخاصة فوق أي اعتبار آخر.

أما المعسكر الثاني، فكان فسيفساء متنوعة من القوى اليسارية والوطنية اللبنانية من مختلف الطوائف الإسلامية السنية والشيعية، وكذلك الدروز، وهذا المعسكر يدعم الثورة الفلسطينية، ويؤيد منظمة التحرير الفلسطينية، وجهودها الفدائية ضد إسرائيل انطلاقًا من الأراضي اللبنانية. وكان من أبرز رموز هذا المعسكر الزعيم الدرزي الاشتراكي كمال جنبلاط.

تصاعد التوتر بين المعسكرين في سبعينيات القرن العشرين بشكل غير مسبوق، لا سيما مع تكاثف الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان. واندلعت في عام 1973، اشتباكات عنيفة بين منظمة التحرير الفلسطينية والجيش اللبناني، توقفت بعد وساطةٍ عربية، وفي العام التالي، تصاعدت المناوشات والاشتباكات بين المقاتلين الفلسطينيين، ومسلَّحي حزب الكتائب المسيحي.

في يوم 13 أبريل (نيسان) 1975، كانت الشرارة  الحقيقية للحرب الأهلية الواسعة في لبنان، عندما وقعت مذبحة حافلة عين الرمانة، التي قتل فيها مسلحو الكتائب أكثر من 20 مدنيًّا فلسطينيًّا، انتقامًا من مجهول قتل اثنيْنِ من منتسبي الكتائب. وهكذا اندلعت المواجهات المفتوحة بين المعسكريْن.

ارتكبت الميليشيات المسيحية، وفي مقدمتها حزبا الكتائب ونمور الأحرار، العديد من المذابح ضد الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين، كان أبرزها مذبحة الميناء التي راح ضحيتها 200 من العمال المسلمين قُتلوا بسبب هويتهم، ومذبحة الكرنتينا التي كانت منطقة فقيرة يسكنها المئات من الفلسطينيين واللبنانيين، وكانت ملاصقة لمعاقل المسيحيين.

ردَّ الطرف الآخر باستباحة منطقة الدامور المسيحية الواقعة بين بيروت والجنوب، وكان هذا بضوءٍ أخضر من حافظ الأسد – بحسب الجزء الرابع من وثائقي الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة – الذي أراد تأديب المسيحيين لارتكابهم إحدى المجازر بينما كان وفدهم يتفاوض في دمشق، فعدها إهانة شخصية له.

الأسد يتآمر ضد الفلسطينيين في تل الزعتر

خلال الشهور الأولى من عام 1976، حقق الفلسطينيون بقيادة ياسر عرفات وحلفاؤهم انتصارات متتالية ضد المسيحيين، حتى أصبح خط التماس في بيروت على بعد 150 مترًا من مقر حزب الكتائب.

ضغط عرفات على جنبلاط لاستهداف المناطق المسيحية في جبل لبنان معقل الدروز، وبدا أن الحسم العسكري الفلسطيني اليساري غير بعيد، وهذا ما رفضه حافظ الأسد سياسيًّا وعسكريًّا – بحسب الجزء الخامس من وثائقي الحرب الأهليَّة اللبنانيَّة – وبرَّر هذا بأن انتصار الفلسطينيين سيدفع المسيحيين لطلب النجدة الإسرائيلية، وكانت إسرائيل تزود الميليشيات المسيحية بالسلاح بالفعل.

على الصعيد السياسي، ضغط الأسد لينتخب البرلمان اللبناني رئيسًا مسيحيًّا جديدًا، هو إلياس سركيس، دون أن يستقيل الحالي سليمان فرنجية، خصم اليسار والفلسطينيين، الذين رفضوا كل تلك المحاولات السورية للالتفاف على انتصاراتهم على الأرض.

Embed from Getty Images

أما عسكريًّا، فقد ضيَّق الأسد على واردات السلاح إلى عرفات وحلفائه، وأعطى الضوء الأخضر للمسيحيين لتشديد حصار مخيم تل الزعتر الفلسطيني، وحصل الأسد على ضوءٍ أخضر أمريكي وإسرائيلي للتدخل العسكري المباشر في لبنان لضبط اختلال ميزان حربها الأهلية، على ألا تتخطى قواته 10 كم جنوبي طريق بيروت- دمشق، وألا ينقل طيرانه ووحدات دفاعه الجوي إلى لبنان، وإلا ستتدخل إسرائيل عسكريًّا ضده.

وهكذا؛ ابتداءً من مطلع يونيو (حُزيْران) 1976، بدأ التدخل العسكري السوري في لبنان ضد الفلسطينيين وحلفائهم، وأمر عرفات وجنبلاط المقاتلين التابعين لهم بمقاومة الغزو السوري.

اندلعت في بيروت معارك طاحنة بين قوات منظمة التحرير التابعة لعرفات، وفصيل الصاعقة الفلسطينية الموالي لسوريا، انتهت بانتصار عرفات؛ مما دفع الأسد لتصعيد عملياته العسكرية ضد حلف عرفات.

شهدت مدينة صيدا، كبرى مدن الجنوب اللبناني، موقعة شهيرة آنذاك بين الجيش السوري والمقاتلين الفلسطينيين، أسفرت عن انتصار فلسطيني موجع، تدمير وأسر 13 دبابة سورية، وانسحاب السوريين من صيدا، وكان من أغرب ما تخلل تلك المعركة استقرار برج دبابة سورية منفجرة فوق أسطح أحد البنايات، فاتخذه الفلسطينيون وحلفاؤهم رمزًا للمواجهة ضد الغزاة السوريين.

كانت الخاصرة الضعيفة لعرفات والفلسطينيين، هي مخيم تل الزعتر، الملاصق للمعاقل المسيحية في بيروت الشرقية، والذي كان يسكنه الآلاف من اللاجئين، وكان من أهم الخزانات البشرية للمقاتلين الفلسطينيين، إلى جانب موقعه الحيوي الخطير.

على مدار أكثر من 50 يومًا، وتحت إشراف سوري مباشر، وبالتعاون اللوجستي والمعلوماتي مع إسرائيل، أحكمت الميليشيات المسيحية حصارًا غير إنساني على المخيم، حتى أكل سكانه الشجر والميتة، ولم يفرق القصف المدفعي والصاروخي الذي ازداد توحشًا بين مدني ومقاتل، لا سيما مع رفض عرفات للشروط السورية مقابل رفع الحصار، والتي كان يراها توقيعًا على وثيقة استسلام غير مشروطة، لو قبلها لن يستطيع تسويقها لدى غالبية الفلسطينيين وقياداتهم.

عجزت القوات الفلسطينية اليسارية المشتركة على مدار أسابيع عن فك الحصار عن تل الزعتر عسكريًّا، رغم محاولات عديدة وصلت إلى حد حصار بعض المناطق المدنية المسيحية لمقايضتها بفك حصار المخيم. كذلك فشل الوصول إلى حلول سياسية تحفظ ماء الوجه مع سوريا.

كانت القوات المدافعة عن المخيم المحاصر تضم تشكيلات غير متجانسة من القوات الموالية لعرفات، وتلك الموالية لسوريا من قوات الصاعقة الفلسطينية، وفصيلين صغيرين من الجيش السوري.

وصل الأمر إلى حد وقوع بعض الاقتتال الداخلي وعمليات الاغتيال بين هؤلاء الخصوم؛ مما أضعف الموقف الدفاعي للمخيم كثيرًا. واتهم عرفات ومن معه المقاتلين الموالين لسوريا بالتخلى عن المخيم بشكلٍ أو بآخر، وتمهيد سقوطه تنفيذًا لأجندة حافظ الأسد في كبح جماح اليسار والفلسطينيين بالقوة العسكرية.

Embed from Getty Images

في يوم 12 أغسطس (آب) 1976، سقط المخيم بعد أن نفدت ذخائر المقاومين داخله، وفرَّ المسلحون الموالون لسوريا وفي مقدمتهم بلال الحسن قائد قوات الصاعقة الفلسطينية، ارتكبت الميليشيات المسيحية مذابح مروعة بحق سكان المخيم رجالًا ونساء وأطفالًا وعجائز، وتراوحت تقديرات الشهداء بين ألف و4 آلاف.

بعد أشهر من سقوط تل الزعتر، وانحسار المد الفلسطيني اليساري نتيجة التدخل السوري، تلقى هذا المعسكر ضربة قاصمة جديدة عام 1977، باغتيال الزعيم الدرزي كمال جنبلاط، الحليف اللبناني الأوفى لعرفات وللفلسطينيين، والذي أشارت أصابع الاتهام في اغتياله إلى السوريين، لا سيما وقد وجه انتقاداتٍ لاذعة للنظام السوري ولحافظ الأسد، واتهم الأخير بإقامة حلف علوي مسيحي ضد المسلمين، وبتفتيت لبنان لتسهيل هيمنته عليه.

ظنَّ حافظ الأسد أن الورقتيْن اللبنانية والفلسطينية أصبحتا في يده، ليُفاجأ بانقلاب كبير  – بحسب الجزء السادس من وثائقي الحرب الأهلية اللبنانية – في المنطقة مع زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات لإسرائيل عام 1977 وما تلاها من توقيع اتفافية السلام المصرية الإسرائيلية، فشعر أن البساط سُحب من تحت قدميه، لا سيما مع إيغال القيادات اليمينية المسيحية اللبنانية، وعلى رأسها بشير الجميل، في التقارب من إسرائيل، فعد هذا نكرانًا للجميل منهم، وقد أنقذهم من بين فكيْ اليسار والفلسطينيين عام 1976.

ويذكر وثائقي الحرب الأهلية اللبنانية، في الجزء السابع، أنه نتيجة ما سبق، بدأ الأسد يعكس سياسته، فاتجه لوصل ما انقطع مع عرفات واليسار، وساءت العلاقات بينه وبين المسيحيين، ليصل الأمر لفرض الجيش السوري ما يشبه الحصار على بيروت الشرقية – معقل المسيحيين – لأكثر من 100 يوم عام 1978، تخللها قصف عنيف متكرر لمناطقها. كما دعم السوريون الفلسطينيين في صداماتهم المتكررة مع المسيحيين في الجنوب اللبناني.

لكن رغم هذا التقارب الأسدي-العرفاتي الجزئي ضد العدو المشترك، سواء كان الميليشيات المسيحية، أو إسرائيل أثناء اجتياحها للبنان عام 1978 في عملية الليطاني، ثم الاجتياح الواسع عام 1982؛ فقد ظلَّت العلاقة فاترة، يتخللها الكثير من التوجُّس، والذي تحول مجددًا إلى العداوة الصريحة بعد حين، نتيجة إصرار عرفات واستماتته في سبيل انتزاع استقلال القرار الفلسطيني من سوريا الأسد.

تحت القصف السوري والإسرائيلي.. عرفات يخرج من لبنان للأبد

أدَّى الاجتياح الإسرائيلي الساحق للبنان عام 1982 إلى إضعاف سوريا كثيرًا، لا سيما مع الهزائم المؤلمة التي أوقعها الإسرائيليون بالجيش السوري في لبنان، وفي مقدمتها معركة البقاع الجوية يوم 9 يونيو (حزيران) 1982، التي دُمَّر خلالها الدفاع الجوي السوري في لبنان، وخسر الطيران السوري 80 مقاتلة دفعة واحدة في المعركة الجوية في ذلك اليوم.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
من الإسماعيلية إلى كابول.. كيف تصنع «الصواريخ المضادة للطائرات» التاريخ؟

لكن حافظ الأسد لم يستسلم، فأربَكَ خصومَه باغتيال الرئيس اللبناني الذي انتخب تحت حماية الدبابات الإسرائيلية، بشير الجميل، منتصف سبتمبر (أيلول) عام 1982؛ إذ نفذ التفجير الذي أطاح مقر الكتائب وبداخله الجميل والناشط القومي حبيب الشرتوني، عضو الحزب القومي السوري الموالي لسوريا.

بدأ حافظ الأسد يستعيد قواه بعدما تبنَّى الرئيس السوفيتي الجديد أندروبوف إعادة تسليح سوريا، كما بدأ نظام الثورة الإسلامية في إيران في التدخل بشكلٍ أوسع في لبنان ضد إسرائيل، فتلاقت مصالحه مع الأسد، وبدأ نفوذ الأخير في لبنان يتعافى تدريجيًّا.

لم يتأثر الأسد كثيرًا بتوقيع اتفاقية مايو (أيار) 1983 للسلام بين لبنان وإسرائيل، لا سيما وقد تصاعدت المقاومة ضد الغزو الإسرائيلي، خاصة من قبل مقاتلين شيعة مدعومين من إيران بالأساس، ومن الأسد أيضًا، والذين أصبحوا نواة تأسيس «حزب الله» فيما بعد.

نفذ هؤلاء المقاتلون عمليات بالغة الضخامة ضد إسرائيل وحلفائها، مثل تفجير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور أواخر 1982، وتفجير السفارة الأمريكية في بيروت في أبريل (نيسان) 1983.

كذلك بدأ الأسد في تقوية حلفائه في لبنان، مثل الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، الذي تجاوز الشكوك التي حامت حول سوريا في اغتيال أبيه، وتحلى بالبراجماتية الكافية لتعزيز تحالفه مع الأسد، وكذلك حركة أمل الشيعية، التي أصبحت مخلب الأسد الأهم في الطائفة الشيعية، خاصة بعد ظهور منافس قوي في ساحة النفوذ السورية، وهو النظام الإيراني. ودعم الأسد أيضًا جناحًا منشقًّا عن عرفات في حركة فتح، وهو قوات فتح الانتفاضة.

في ذلك المشهد الملتبس داخل لبنان، المفكك بين النفوذ السوري والمسيحي والإسرائيلي؛ كانت مدينة طرابلس في الشمال اللبناني مسرح مواجهة كبرى جديدة بين عرفات والأسد؛ إذ كان الأخير مُصِرًّا على حرمان عرفات من أي نفوذٍ أو موطِئ قدمٍ في لبنان بعد خروجه منها مع الآلاف من المقاتلين الفلسطينيين أواخر أغسطس (آب) 1982، في أعقاب الحصار الإسرائيلي لبيروت.

تلقَّى عرفات ضربةً قوية باغتيال أحد أبرز معاونيه، وهو سعد صايل، في البقاع اللبناني، وأشارت بعض أصابع الاتهام في اغتياله إلى النظام السوري.

Embed from Getty Images

صورة تجمع الأسد مع عرفات في سوريا عام 1988

لم يُثنِ ذلك عرفات عن محاولة لملمة الشارع الفلسطيني المتشرذم في لبنان، والتخلص من خصومه الموالين لسوريا داخل منظمة التحرير، مما أوصل الأمور بينه وبين حافظ الأسد إلى نقطة اللا عودة، خاصةً بعد الاستقبال السيئ الذي تلقَّاه عرفات في زيارته الاستثنائية لدمشق عام 1983.

ويذكر الجزء الحادي عشر من وثائقي الحرب الأهلية اللبنانية، أن الصدام الفلسطيني السوري انفجر مع ظهور ياسر عرفات في مدينة طرابلس اللبنانية في ذلك العام، والتي بدا وكأن عرفات يريد أن يتخذها معقلًا له في لبنان، مستفيدًا من التعاطف الواسع من الأغلبية السنية من سكانها مع الفلسطينيين، وعداوتهم للنظام السوري العلوي الطائفي.

وبحسب الوثائقي ذاته، هاجم الجيش السوري وحلفاؤه قوات ياسر عرفات وأنصاره في طرابلس، واستمرَّت المعارك الدامية لأسابيع، وكان من المفارقات أن قوات عرفات في بعض الأيام كانت تتعرض لقصفٍ سوري وإسرائيليٍّ في اليوم نفسه، فالخصمان – سوريا وإسرائيل – اجتمعا على معاداة عرفات، ولكلٍّ أسبابُه.

لم تتوقف المعارك والقصف العنيف على طرابلس، إلا بعد اتفاقٍ أفضى إلى خروج عرفات ومقاتليه من بيروت، ولكن هذه المرة لم يعُد عرفات إلى لبنان مرةً أخرى.

في السنوات التالية، عزَّز الأسد سيطرته في الشمال اللبناني وفي طرابلس شيئًا فشيئًا، وتخلص بالقصف وبالاغتيال من بعض القوى الإسلامية السنية المسلحة في طرابلس، والتي تحالفت مع ياسر عرفات ضده في حرب طرابلس عام 1983.

حرب المخيمات.. آخر معارك الأسد ضد عرفات

بحلول عام 1985، كان المشهد السياسي والميداني في لبنان قد اختلف كثيرًا. فقد عاد الرئيس السوري حافظ الأسد للسيطرة على الكثير من تفاصيل المشهد اللبناني، لا سيما بعد الانتفاضة العسكرية الناجحة التي شنَّها حلفاؤه (حركة أمل الشيعية، والحزب التقدمي الاشتراكي، وغيرهم) في فبراير (شباط) 1984 ضد الجيش اللبناني في بيروت الغربية، التي عزَّزت النفوذ السوري في لبنان، وتسببت بعد عامٍ في إسقاط مشروع معاهدة السلام اللبنانية الإسرائيلية المعروف باتفاقية أيار 1983، وفي إعادة النفوذ السوري ليكون رقمًا صعبًا في المعادلات اللبنانية القائمة آنذاك.

في ذلك الحين، كان حافظ الأسد المنتشي باستعادة توازنه على الساحة اللبنانية، ينظر بارتيابٍ شديد إلى نفوذ ياسر عرفات الذي عاد للتمدد في المخيمات الفلسطينية في لبنان، وأراد بضربةٍ واحدة أن يقضي على هذا النفوذ للأبد، وأن يستولي على كافة المخيمات الفلسطينية في لبنان، ومقدراتها.

شنَّت حركة أمل الشيعية الموالية للأسد، بمساندة بعض الفصائل الفلسطينية المناوئة لعرفات، حربًا ضروسًا ضد المخيمات الفلسطينية كافةً في لبنان، لا سيما برج البراجنة، والرشيدية.

راح ضحية هذه الحرب الآلاف من الفلسطينيين، لا سيما من المدنيين، ورغم الفارق الكبير في تسليح الجانبيْن، صمد المقاتلون الفلسطينيون صمودًا كبيرًا، ولم تنجح حركة أمل في السيطرة على المخيمات الفلسطينية الرئيسة، التي ما تزال صور عرفات ورسوماته على جدرانها إلى اليوم، بعد أكثر من 15 عامًا من وفاة عرفات وخصمه الأسد.

الربيع العربي

منذ سنة واحدة
منذ قرون وحتّى اتفاق الطائف.. مختصر تاريخ الطائفية التي ثار اللبنانيون عليها الآن

ومما أعان الفلسطينيين على الصمود في تلك الحرب الطويلة المُفجعة شعورهم بأن سقوط أي مخيم قد يعني مذبحةً كبرى مثل تل الزعتر أو صبرا وشاتيلا، وما كان يتسرَّبُ إليهم من طرفٍ خفيٍّ من بعض الدعم العسكري واللوجستي، من حلفائهم اللبنانيين السابقين، كالحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط، الذي رغم كونه آنذاك محسوبًا على الحلف السوري، فإنَّه رفض الخوض في دماء الفلسطينيين، وأخذ مسافة من حركة أمل، المتورِّط الرئيس في تلك الحرب.

تلقى الفلسطينيون أيضًا بعض الدعم من الطرف الشيعي الناشئ آنذاك، وهو حزب الله، المحسوب على إيران، والذي كان في ذلك الوقت خصمًا لحركة أمل، إلى حد اندلاع حربٍ أهلية مصغرة بينهما في الضاحية الجنوبية لبيروت عام 1987.

انتهت حرب المخيمات دون انتصارٍ كامل لأي طرف، وكان مما عجَّل بانتهائها أيضًا اندلاع الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الأولى عام 1987، التي أدت إلى حرجٍ مضاعف على خصوم عرفات للاستمرار في إسالة الدم الفلسطيني، بينما تسيلُه قوات الاحتلال الإسرائيلية في غزة والقدس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد