تنتشر على وسائل السوشيال ميديا وحسابات وصفحات المشاهير، صور لهن وهن يحملن حقيبة يد جلدية بقفل وقواعد من الألماس، أو تحديدًا تلك الحقيبة المعروفة بـ«هيرميس بيركين» أغلى حقائب اليد في العالم، والتي يتراوح سعرها بين 9 آلاف دولار أمريكي إلى نصف مليون دولار أمريكي، والتي باتت دليلًا على الرفاهية الفائقة لمقتنيها!

ربما تحلمين بأن تقتني واحدة منها، ويحلم شريكك بمنحها لكِ دليلًا على مدى تفوقه الاجتماعي وإغداقه الهدايا القيِّمة عليكِ، لكن هل يمكنك تخيل أن حقيبة اليد تلك قد تكون وسيلة لجني الأموال؟ بل إن الاستثمار في شراء واحدة يفوق الاستثمار في سبائك الذهب؟

لكن قبل أن تفكرا في هذه المعطيات الاستثمارية، يؤسفنا إخباركما بأنكما لن تتمكنا من طلب تلك الحقيبة من موقع دار أزياء «هيرميس (Hermès)» عبر الإنترنت، أو التوجه لمركز بيع معتمد، بمبلغ 500 ألف دولار لإغرائهم، لأنكما – في أفضل الأحوال – ستحتاجان إلى توصية من مشترٍ سابق، لدخول قائمة انتظار قد تطول لسنوات، وفي النهاية لن يكون لكما حق اختيار اللون والتصميم وفقًا لذوق من ستحملها، أما إذا كنتما مستعدَين لشراء الحقيبة بضعف سعرها، يمكنكما استئجار شخص آخر لإنهاء تلك الإجراءات!

Embed from Getty Images

«بيركين»: رُب صدفة بآلاف الدولارات

دخلت شركة «هيرميس» الفرنسية مجال الأعمال التجارية منذ عام 1837، وعملت في صناعة الأحزمة وسروج العربات التي تجرها الخيول، وسرعان ما انتقلت إلى حقائب اليد والمجوهرات والأوشحة الحريرية، حتى توسعت في خمسينيات القرن الماضي وصنعت الأحذية والعطور وأدوات المائدة، لكنها ظلت محافظة على صناعة السروج. 

بدأت قصة الحقيبة الاستثنائية لشركة «هيرميس» في أوائل الثمانينيات، عندما جلست الممثلة والمغنية الإنجليزية جين بيركين، (التي تحمل الحقيبة اسمها)، بجوار جان لويس دوماس، الرئيس التنفيذي لشركة «هيرميس»، في رحلة جوية من باريس إلى لندن.

في ذلك الوقت كانت بيركين تشتهر بحملها حقيبة يد من الخوص أينما ذهبت، لتناسب كافة استخداماتها، من حمل البقالة إلى حفاضات الأطفال، لكن الحقيبة لم تكن مناسبة لتلك الرحلة؛ فما إن حاولت بيركين وضع حقيبتها التي تشبه السلة في المقصورة العلوية، حتى انقلبت وسقطت كل محتوياتها في كل مكان. 

اشتكت بيركين لزميلتها في الرحلة من أن العثور على حقيبة مثالية بات أمرًا مستحيلًا، إلى أن قاطعها دوماس، وقدم نفسه، وقضى الاثنان الرحلة في رسم تصميمات حقائب يد مناسبة للاستخدام اليومي، وذات مظهر جمالي في الوقت نفسه.

مر عام على هذه الرحلة، ثم قدم دوماس لبيركين حقيبة أنيقة وواسعة، ومصممة من الجلد، وبجيوب متعددة ومغلقة لمنع تساقط محتوياتها، ما جعلها مثالية للاستخدام اليومي، بالإضافة إلى جودتها العالية، التي تجعلها صالحة للاستخدام مدى الحياة، فهي لا تبلى، ومن المحتمل أن تورث للأحفاد.

منذ ذلك الوقت، ينتج مصممو «هيرميس» حقائب يد مصنوعة يدويًّا بالكامل، مستخدمين موادًا عالية الجودة، مثل جلد العجل وجلد التمساح، وحتى جلد النعام، تحت اسم «هيرميس بيركين».

«هيرميس بيركين» ورحلة البحث عن تمساح مثالي

تحتاج صناعة حقيبة واحدة من «هيرميس بيركين» مجموعة من الحرفيين المدربين على مدار 10 سنوات، للعمل على كل أجزائها يدويًّا، ويمكن أن يستغرق صنعها أكثر من 18 ساعة من العمل الفردي الشاق، الرقم الذي يتضاعف عند العمل على قطعة استثنائية مثل تلك المزودة بالألماس، أو الحاجة لجلد تمساح نادر، والذي يمثل الحصول عليه؛ أصعب مراحل التصنيع.

يحتاج جلد التمساح سنوات عديدة حتى يكتمل نموه، وتشترط «هيرميس» أن يكون الجلد سليمًا، وغير مشوهٍ، وأن تكون مزرعة التماسيح قد لبت المعايير القانونية والأخلاقية الصارمة في تربية التماسيح ونزع جلدها قبل أن تتمكن من بيعها دوليًّا، وبعد استيفاء الشروط لا تشتري «هيرميس» إلا أفضل وأغلى أنواع الجلود المعروضة عليها، لتبدأ عملية دباغة وتلوين الجلد التي تتم بشق الأنفس.

Embed from Getty Images

تتخذ تلك العملية المملة سنوات، لكن المخلصات للحقيبة لا يوقفهن الزمن، فتتبادل مجلات الأزياء أنباءً حول امتلاك فيكتوريا بيكهام أكثر من 100 حقيبة، تقدر قيمتها بأكثر من مليوني دولار أمريكي، وتعد سيدة الأعمال السنغافورية، جيمي تشوا، صاحبة أكبر تشكيلة من حقائب «هيرميس بيركين»، بأكثر من 200 حقيبة!

كذلك التقطت الصحف صورًا لسيدة أمريكا الأولى السابقة، ميلانيا ترامب وهي تحمل إحدى حقائب مجموعة «هيرميس بيركين»، والتي تبلغ قيمتها 75 ألف دولار، فيما أعلنت المغنية الأمريكية كاردي بي امتلاكها لأكثر من 24 حقيبة «هيرميس بيركين»، بعد اتهامها بشراء حقائب مقلدة!

وأهدى المغني الأمريكي كاني ويست زوجته كيم كارديشيان واحدة في عيد ميلادها، وتنضم لقائمة مالكات الحقائب الفاخرة الأصلية، كلٌّ من: جينيفر لوبيز، وليدي جاجا.

ورغم كثرة النجمات اللاتي حملن الحقيبة أمام عدسات المصورين، فإن خبراء الموضة أثبتوا أنهن فقط قمن بتأجيرها للظهور بها في المناسبات المهمة!

حقيبة يد تحطم أرقام عوائد الاستثمار القياسية!

بعد الرحلة المضنية التي جعلت من حقائب «هيرميس بيركين» واحدة من أكثر الحقائب تميزًا وشهرة اليوم، فإنها في الواقع لم تكن بتلك الشعبية عند إنتاجها لأول مرة في التسعينيات، لكن عام 2015 شهد ارتفاعًا قياسيًّا في أسعار حقائب «هيرميس بيركين»، عندما بيعت حقيبة وردية من جلد تمساح نادر، مرصعة بقطع من الذهب والألماس، في مزاد مقابل 223 ألف دولار، محطمة بذلك الرقم القياسي العالمي لحقائب اليد، وذلك بعد تداول البعض أقوالًا حول قيمة الحقيبة الاستثمارية.

أشارت مجلة «فورشن» في تحليلها لتلك الصفقة الاستثنائية إلى عامل الندرة، نظرًا إلى بطء عملية التصنيع والمهمة الأصعب لشراء أفضل الجلود، ما يضيف للحقيبة خصوصية ترفع من أسعارها، لا سيما تلك المستخدمة من قبل، بالإضافة إلى ميل الشركة لاستخدام أندر الألوان والمشغولات الذهبية والأحجار النفيسة، وتمسكها بصناعة حقيبة واحدة أو حقيبتين فقط يدويًّا كل عام.

نشرت منصة «باج هانتر (Baghunter)» الرائدة لشراء وبيع وتبادل حقائب اليد الفاخرة والنادرة، في يناير (كانون الثاني) 2016، مقارنة بين ثلاثة أنواع مختلفة من الاستثمارات، وهي حقائب «هيرميس بيركن»، والذهب، ومؤشر ستاندرد آند بورز (500S&P)، وهو مؤشر سوق الأوراق المالية الذي يتتبع أسهم 500 شركة أمريكية ذات رؤوس أموال ضخمة تبلغ قيمتها السوقية أكثر من 5 مليارات دولار أمريكي، خلال فترة 35 عامًا، بين عامي 1980 و2015.

وكانت النتيجة لصالح متوسط عوائد حقائب «هيرميس بيركين» بنسبة 14.2%، بالإضافة إلى أن قيمتها المالية لم تتذبذب أبدًا، بل تزيد باطراد واستمرار.

وأظهرت جميع المؤشرات احتمالية ثبات الارتفاع في المستقبل، واعتبارها السوق الأكثر أمانًا والأقل تقلبًا من بين الأسواق الثلاثة، مع إمكانية بيع الحقائب المستخدمة بانتظام في سوق ثانوية بأضعاف سعرها الأصلي، ليحظى المستثمر بعائد مربح، بغض النظر عن الوقت الذي يقرر فيه البيع، عكس أسواق الاستثمار الأخرى التي تخضع لتقلبات إيجابية وسلبية قد تكون خطرة.

Embed from Getty Images

بالفعل، حطمت حقيبة «هيرميس بيركين» الأرقام القياسية مرة ثانية، في عام 2017، حين اشترى ديفيد بيكهام لزوجته حقيبة بيركين الماسية، المصنوعة عام 2008، من جلد تمساح «ألبينو» الأبيض، مقابل 379 ألف دولار أمريكي، والتي بيعت بما يزيد قليلًا على 300 ألف دولار في عام 2016.

وسُميت هذه النسخة بالحقيبة الماسية لاحتوائها على 200 ماسة، وأجزاء من الذهب الأبيض، مزينة بأجزاء من الجمشت والكريستال الصخري، ولون جلدها العاجي المدرج لتمساح «ألبينو» النادر، الذي شبهه البعض بتدرجات ألوان جبال الهيمالايا.

على جانب آخر، أثبتت حقائب «هيرميس بيركين» قدرتها على الصمود خلال جائحة فيروس كورونا المستجد، وكانت ضمن الأسواق القليلة المستفيدة وسط ارتفاع الإصابات حول العالم، فأشار بيان للشركة، نقلته صحيفة «بلومبيرج»، إلى ارتفاع أسهم «هيرميس» إلى مستوى قياسي، وقفز الإيرادات إلى 44% في الربع الأول من العام الجاري.

وجدير بالذكر أن ذلك حدث في آسيا، السوق الأشد تضررًا من آثار الجائحة، بعدما اعتمدت الشركة على شهية المستهلكين في آسيا، وحرَّكت الدفة بعيدًا عن أوروبا التي عادت إلى إجراءات الإغلاق الكلي في بداية العام، وبالفعل قفزت مبيعات الشركة بنسبة 74% في طوكيو، وضربت حقيبة «هيرميس بيركين» مستعملة، رقمًا قياسيًّا جديدًا في يونيو (حزيران) الماضي بسعر 626 ألف دولار أمريكي، في محاولة من المستثمرين لتعويض خسائرهم في سوق العقارات الفاخرة.

اقتصاد الناس

منذ 5 شهور
صيحة العلاج بالأحجار البلورية.. تجارة بمليارات الدولارات يدفع ثمنها الأطفال الفقراء!

المصادر

تحميل المزيد