جميعنا قد سمع عن الجراد ولو لمرة في حياته؛ إذ كان الأهالي يصفوننا به أطفالًا، خصوصًا فيما يخص تناول الطعام أو الحلوى، ولكن لِم الجراد بالتحديد؟ وليس أي حشرة غيره؟

الإجابة تكمن في سلوك الجراد نفسه، فالجراد هو حشرة من رتبة مستقيمات الأجنحة – حسب التصنيف العلمي – إذن فهو حشرة يمكنها أن تطير – إذا جاز التعبير – ويمتلك أيضًا أرجلًا خلفية قوية تمكنه من القفز، وهو من آكلات النبات، ويوجد في العالم حوالي 20 مليون نوع من الجراد.

حتى الآن لم نأت على سلوكه الذي أهّله لأن يكون وصفًا لأولئك الأطفال ملتهمي الطعام، الذين كنَّاهم في الصغر؛ فالجراد يأكل الأخضر واليابس، بكل بساطة وحقيقية ورعب. فهو يستطيع أن يأكل في السرب الواحد ما يعادل  100 ألف طن من النباتات الخضراء يوميًّا، وهو ما يكفي لإطعام حوالي 4 مليون شخص لمدة عام كامل.

وحتى نتخيل الأمر بشكل أكثر قربًا، علينا أن نعرف أن أسراب الجراد قد تسافر بطول 150 كيلومترًا، وقد تتخطى أعدادها 40 مليون جرادة، وتلتهم في اليوم الواحد نباتات يمكنها إطعام 34 مليون شخص، حسبما أوضحت أحدث بيانات الأمم المتحدة.

فأي حشرة هي تلك التي تأتي على كل المحاصيل في ثوانٍ معدودة، وتهاجر في جماعات كثيفة تتخطى الملايين، وتفقس البيوض كذلك بكثافة مذهلة؛ تؤهلها لاحتلال الكوكب في أيام قليلة، إن استطاعوا ابتكار لغة ما توحدهم جميعًا كجراد ليسيطروا على العالم!

لهذه الحشرة المرعبة تاريخ طويل مع البشر، دعونا نبدأ بسرد بضع فصول منه خلال رحلتنا التالية نحو عالم أكثر قدمًا وبعدًا عنا في اللحظة التاريخية.

مصر القديمة.. تمائم على هيئة جراد علّ الآلهة تخلصهم منها

من أقدم المصادر التاريخية المعروفة لنا التي ذكرت الجراد في مصر القديمة، هي نصوص الأهرام التي ذكرته، وسجّلت كيف كان مرعبًا؛ إذ يقول النص إن «طيران الجراد يمكن أن يسبب نتيجة مروعة، فهو يمكنه حتى أن يحجب الشمس ذاتها».

وكذلك ورد ذكره في أحد نقوش معركة قادش، التي خاضها المصريون بقيادة الملك رمسيس الثاني، ضد الحيثيين بقيادة الملك مواتالي الثاني، بالقرب من الحدود السورية اللبنانية في عالمنا المعاصر؛ إذ وصف رمسيس الثاني جنود الأعداء في نقشه، بأنهم «قد غطوا الجبال تمامًا كأسراب الجراد».

وحسب أكثر الآراء التاريخية ترجيحًا حتى الآن، فإن الجراد الذي كان معروفًا للمصريين القدماء، ينحصر في نوعين، إما الجراد المهاجر، وإما الجراد الصحراوي، لما يُعرف عن كلاهما من الوجود بكثافة في مناطق التربة الزراعية الغنية، المحيطة بوادي النيل.

وبالرغم من أن المصريين القدماء قد قدّسوا حشرات بعينها كالذباب، إذ كانت هناك قلادة عسكرية رفيعة المستوى تسلم للقادة العسكريين الشجعان على هيئة ذبابة ذهبية، وقد سلمت إحداها للملكة إياح حتب، والدة الملك أحمس طارد الهكسوس؛ لبسالتها في المقاومة، وتشجيع أبنائها على مقاتلة الغزاة، وقدسوا النحل منذ عصور ما قبل التاريخ، حتى إن مصر السفلى، وهي المنطقة من الدلتا حتى مدينة منف؛ كانت تسمى «تا بيتي»؛  أي أرض النحل، ويُرجع الباحثون تقدير المصريين القدماء للنحل؛ لفوائد العسل الأبيض الجمة التي اكتشفوها مبكرًا، في قتل البيكتريا، وتطهير الجروح.

إلا أنهم لم يقدسوا – بحسب ما نعرف- الجراد؛ بل صنعوا تمائم واقية على شكل الجراد لارتدائها وتعليقها في رقابهم، آملين في الحماية من الآلهة، والتخلص من هذه الحشرات المرعبة، التي تأتي على محاصيلهم، وتتركهم نهبًا للجوع والموت.

بلاد الرافدين.. تقديم القرابين للجراد

بلاد الرافدين هي واحدة من أقدم الحضارت في العالم، وهي المنطقة التاريخية التي تقع في جنوب غرب آسيا، وتشمل حاليًا المنطقة الجغرافية للعراق، وسوريا، وتركيا، على روافد النهرين العظيمين، اللذين نسبت إليهما الحضارات التي قامت في تلك المنطقة، وهما دجلة والفرات، فكل الحضارات القديمة قد قامت على ضفاف الأنهار لضمان الماء العذب، والتربة الخصبة للزراعة، كحضارة مصر القديمة في وادي النيل، وحضارة بلاد السند حول ضفاف نهر السند.

ولأن الشيء بالشيء يذكر؛ فإن أسوأ الكوابيس التي كان يواجهها شعب تعتمد حياته وحضارته على الزراعة، هو بالطبع آكل الأخضر واليابس؛ الجراد. ولم يكن القدماء في بلاد الرافدين بأفضل حال من الآخرين في هذا الأمر.

فبحسب أحدث الدراسات الأثرية للدكتور أندرو جورج، الأستاذ بكلية الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة لندن، وهي دراسة لسانية تتبع فيها الباحث دلالات الكلمة والحشرة ذاتها في المخيلة الرافدية، من خلال النقوش المسمارية، نستقي منه ما يلزم لموضوعنا اليوم، دون الإغراق في تفاصيل أكاديمية لا يتسع المجال لذكرها.

فإن أقدم المصادر التاريخية – فيما نعرف حتى الآن – لمنطقة بلاد الرافدين التي ذكرت الجراد بوصفه شيئًا يستوجب استرضاء الآلهة وتقديم القرابين لها للحماية منه، ترد لنا خلال ما يعرف بعصر الدولة البابلية القديمة، فيما عرف باسم تعليمات للفلاح، وهو نص سومري يحث الفلاحين على تقديم القرابين للإلهة نينكليم، والتي كانت تُعرف بربة الحيوانات البريَّة، أو فئران الحقول بشكل خاص، لحمايتهم مما وصفه البابليون القدماء بـ«أسنان الجراد».

كذلك في إحدى النقوش المسمارية للملك مانشتوشو ابن سرجون الأكدي الكبير، ثالث ملوك الإمبراطورية الأكدية، فيما يعرف بمسلة مانشتوشو، وهي على شكل مسلة صغيرة من حجر الديوريت، ومنقوشة على جهاتها الأربعة، ويبلغ طولها حوالي متر ونصف، يتحدث النص عن أن الجراد سيأكل ويفني محاصيل كل العصاة الذين لا يستمعون لتعاليم الآلهة، والمسلة محفوظة الآن بمتحف اللوفر في باريس.

وكذلك نجد في إحدى الحوليات الملكية الآشورية للملك سرجون الثاني،  والذي يرجح أنه قد سمى نفسه بهذا الاسم تيمنًا بالملك سرجون الأكدي الكبير، مؤسس الإمبراطورية الأكدية، في هذه الحوليات الملكية هناك تضرع للإلهة ناناي؛ لكي تحفظ الملك وتحميه من مثل هذه الشرور، المتمثلة في أسراب الجراد المرعبة.

الجراد في الديانة الزرادشتية.. غضبًا إلهيًّا تصبه السماوات

ورد ذكر الجراد في الكتاب الديني المقدس للزرادشتية «الإبستاق»، أو ما يعرف باسم أكثر شهرة في عالمنا المعاصر وهو «الأفستا»، المرجح كتابته – حسب التقليد الزرادشتي – أثناء عصر الإمبراطورية الساسانية، ويعتقد أن معظم نصوص هذا النص الأصلي التي كتبت – حسب التقليد الزرادشتي – على جلود البقر، وهو ما يشي بأن آلاف الرُقع قد فقدت أو تلفت مع مرور الزمن، وتعرف بالنسخة الساسانية.

مع الأخذ في الاعتبار أن هكذا كتب دينية مهمة لأصحابها ومعتنقيها، قد يحملهم ذلك على حفظها وتناولها شفاهة، بل إعادة تدوينها لحفظها من الضياع؛ نظرًا لاستخدامها في الطقوس والصلوات اليومية، حسبما علق مؤرخو الفترة الساسانية القدامى لاحقًا في القرنين التاسع والعاشر الميلادي؛ ولأن الشيء بالشيء يذكر، فإن أقدم نسخة مخطوطة وصلت إلينا حتى الآن من «الأفستا»، تعود لأوائل القرن الرابع عشر الميلادي، وتحديدًا لعام 1323 ميلاديًّا.

في هذه النصوص ذُكر الجراد بوصفه غضبًا إلهيًّا تصبه السماوات على المخالفين للتعاليم المقدسة، والذين يخترقون المحرمات الخاصة بالطهارة الروحية، كم عدوه كذلك من بين نتائج الشرور الإنسانية.

الجراد في العهد القديم.. إحدى الضربات الإلهية

عاش اليهود القدامى في منطقة الشرق الأدنى (العراق والشام ومصر)، وسط حضارات عظيمة وقديمة قامت في هذه المناطق التاريخية، وهي كلها حضارات، كما أسلفنا، قامت على الزراعة؛ لكونها الدافع الأول لاستقرار البشر في مكان بعينه لرعاية محاصيلهم وحصادها وتخزينها، لتستمر دورة الحياة وتزدهر الأمة.

وقد جاء ذكر الجراد في العهد القديم، وتحديدًا سفر الخروج، في الأصحاح العاشر، بوصفه إحدى الضربات الإلهية التي وُجهت إلى مصر القديمة، ويعرف بالضربة الثامنة، إذ يقول النص: «فدخل موسى وهارون إلى فرعون وقالا له هكذا يقول الرب إله العبرانيين، إلى متى تأبى أن تخضع لي، أطلق شعبي ليعبدوني، فإنه إن كنت تأبى أن تطلق شعبي ها أنا أجيء غدًا بجراد على تخومك فيغطي وجه الأرض، حتى لا يُستطاع نظر الأرض، ويأكل الفضلة السالمة الباقية لكم من البرد، ويأكل جميع الشجر النابت لكم من الحقل، ويملأ بيوتك وبيوت جميع عبيدك وبيوت جميع المصريين، الأمر الذي لم يره أباؤك، ولا أباء أبائك منذ يوم وجدوا على الأرض إلى هذا اليوم».

هنا أيضًا نرى الجراد غضبًا إلهيًّا – بحسب الرواية التوراتية – يُصب على مصر القديمة وزراعتها وحقولها وأهلها، بل كل ما فيها. كذلك ورد ذكر الجراد في العهد الجديد، على أنه كان الطعام الذي يتناوله يوحنا المعمدان في البريَّة؛ إذ يذكر النص بإنجيل متىَ الأصحاح الثالث: «ويوحنا هذا كان لباسه من وبر الإبل، وعلى حقويه منطقة من جلد. وكان طعامه جرادًا وعسلًا بريًّا».

الجراد طعامًا!

ربما يبدو الأمر غريبًا للبعض حين نتحدث عن الجراد تلك الحشرة التي تأكل كل شيء، كطعام. إلا أنه عبر التاريخ وخلال ثقافات مختلفة في آسيا مثل الصين، وفي أفريقيا مثل كينيا، وفي الشرق الأوسط كذلك؛ عُد الجراد طعامًا يمكن أكله، فما يعرف شعبيًّا بـ«الجراد العربي»، كان يؤكل في السعودية، ومصر، وسوريا؛ لاحتوائه على نسب عالية من البروتين، كما أنه غير محرم أكله في الشريعة الإسلامية، فيما يمكن عده حلًّا ذكيًّا وعمليًّا لمشكلة مزمنة كانت تؤرق عرب الجزيرة العربية ذات موارد المياه القليلة، والمحاصيل الزراعية الأقل.

علوم

منذ سنة واحدة
لماذا يجب عليك ألا تقتل حشرات منزلك؟!

إلا أن دراسات حديثة أوضحت عدم صلاحية الجراد الحالي للأكل؛ نظرًا إلى تلوث العديد من النباتات والمحاصيل في عالمنا المعاصر بالمبيدات الحشرية والأسمدة والكيماويات؛ مما يشكل خطرًا لاحقًا على البشر إذا تناولوها، بل حذرت وزارة الصحة السعودية المواطنين من تناول الجراد؛ إذ تنتشر هذه العادة بالمملكة، خصوصًا منطقة القصيم.

وبعد هذه الرحلة القصيرة في رحاب التاريخ القديم والوسيط والحديث حول الجراد، وكيف فهمته الحضارات القديمة، لا يسعنا إلا أن نعترف بخوف البشر من هذا الكائن السريع الحركة، الذي يلتهم الأخضر واليابس، ما يعرض حياتنا جميعًا للهلاك والموت. وأن الشعوب القديمة لم تختلف عنا في هذا الصدد، فهم ورغم بعد الشقة الزمنية بيننا وبينهم، كانوا أيضًا بشرًا يأملون في الحفاظ على مصدر قوتهم وطعامهم من عدو مخيف لا يمكن السيطرة عليه.

ولأن الشيء بالشيء يذكر؛ فإن هذا الخوف ربما هو ما دفع بعض الثقافات لأكله، وهي عادة قديمة ترسبت في نفوس البشر منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث كان الإنسان يصطاد الحيوانات الضارية التي ترعبه على وجه الخصوص، إما لقتلها والتخلص منها، وإما لأكل ما يمكن أكله منها، وارتداء فروها أو جلودها – كل على حسب – حتى يحوز قوتها وبأسها، ويتقي شرها.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد