جاء في أحدث استطلاع شهري لمؤسسة «هارفارد هاريس» هذا الأسبوع أنه «على الرغم من الاستياء واسع النطاق لسجل الديمقراطيين، فإن الناخبين غير متحمسين بشأن أي من الحزبَين؛ فالأمريكيون يبحثون عن التغيير في المرشّحين السياسيين. وغالبية الناخبين لا يريدون أن يترشّح جو بايدن أو دونالد ترامب عام 2024».

 إلا أنّ الصحافية الأمريكية، مارجريت نونان، ترى أنه حتى في ظروف مثل هذه، وعلى الرغم من أنّ إدارة جو بايدن لم تكن ناجحة منذ الخروج الفوضوي من أفغانستان، مرورًا بالفشل في تحسُّن الاقتصاد، وصولًا إلى التضخم الكبير الحالي، فإنّ انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 ستكون جيدة للجمهوريين، حسب قولها.

لكن كلمات مارجريت نونان تُجسد حالة الانقسام الاجتماعي الحاد الذي يعيشه الشارع الأمريكي، والذي ينعكس سياسيًا على الحزبين الجمهوري والديمقراطي فيما يخص مؤشرات التأييد، إلا أنّ قرارات المحكمة العليا الأخيرة بخصوص حق الإجهاض، بالإضافة إلى الشهادة الأخيرة من مساعدة سابقة في البيت الأبيض، كاسيدي هاتشينسون، ضد الرئيس السابق ترامب، أعطت دفعة لإدارة جو بايدن المتهالكة في السباق الانتخابي، بعد أن أجرت أكثر من نصف الولايات الآن انتخابات تمهيدية.

نقطة تحول.. هكذا عجز ترامب عن استثمار انهيار شعبية جو بايدن

تبدّل وضع الرئيس السابق، دونالد ترامب، وحزبه الجمهوري، في السباق الانتخابي خلال وقت ضئيل، بعد أن كان الأوفر حظًا في الانتخابات التمهيدية، مستفيدًا من التخبط الإداري والاقتصادي لجو بايدن في ملف أفغانستان، وكذلك دفع الاقتصاد الأمريكي للتعافي من أزمة كورونا، وتخبط سلاسل الأمداد، لكن الأحداث التي جرت في هذا الأسبوع، ضاعفت حظوظ جو بايدن. 

Embed from Getty Images

دونالد ترامب

فخلال الفترة الأخيرة تراجعت شعبية الرئيس الأمريكي، جو بايدن، إلى أدنى مستوى تاريخي لشعبية الرؤساء في الولايات المتحدة، وذلك مع ارتفاع معدلات التضخم، ومعدلات الجريمة، وسوء الحكم الفوضوي على الحدود الجنوبية، والخروج الكارثي من أفغانستان، فضلًا عن انعدام الحماسة لطريقة تعامله مع الحرب في أوكرانيا.

وفي مقاله بصحيفة التايمز وصف الصحافي، جيرارد باكر، قبول الناخبين الأمريكيين برئاسة جو بايدن بأنه «اضطراري تمامًا مثل تعاملهم مع وباء كوفيد»، مشيرًا إلى أنه «في انتخابات التجديد النصفي، التي تفصلنا عنها الآن ستة أشهر فقط، يتفوق الجمهوريون في الاستطلاعات بمعدل أربع نقاط مئوية، وقد لا يبدو هذا كثيرًا، ولكن الديمقراطيين كانوا متقدمين بست نقاط قبل عام واحد فقط».

فبعد أن قاد جو بايدن العالم لأكثر من عام، للخروج من الركود القصير الناجم عن إغلاق كوفيد، أصبح الاقتصاد الأمريكي يتحرك في الاتجاه المعاكس، إذ انكمش بمعدل سنوي قدره 1.4% في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2022.

 كما تشير مؤشرات السوق المالية إلى تزايد احتمالية حدوث ركود، فقد انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي بنسبة 10% تقريبًا بالمقارنة مع ذروته في بداية العام، كما أنّ مؤشر «ناسداك» – الذي يظهر أداء الأسهم التكنولوجية، وهو ما كان جيدًا خلال فترة الوباء – انخفض بنسبة 20% تقريبًا.

ومع ذلك لم يجد انهيار شعبية جو بايدن المستمرة، من يستغله، فعلى الجهة الأخرى كان دونالد ترامب مشغولًا، في اختبار مستقبله كزعيم للحزب الجمهوري خلال الانتخابات التمهيدية، بالتزامن مع الاتهامات التي طالته هو وأسرته بداية من قضية اقتحام الكونجرس إلى الدعوات بالتحقيق مع مستشاره وزوج ابنته، جاريد كوشنر، في تهم بالفساد تربطه مع ولي العهد السعودي، حتى بعد أن فازت المرشحة المفضلة لدونالد ترامب، النائبة ماري ميللر، بالانتخابات التمهيدية في إلينوي. 

وكذلك حتى مع فوز مرشحي ترامب في الانتخابات التمهيدية التنافسية في أوهايو وبنسلفانيا، وولايات أخرى، بالإضافة إلى أن العشرات من المرشحين الجمهوريين لم يواجهوا إلا معارضةً ضئيلة أو معدومة؛ ما دفع ترامب للتفاخر بانتصاراته الساحقة.

لكن يبدو أنّ الرئيس السابق، يتعرض للضرب حتى في الليالي الجيدة، فلم يمنع انتصار رفاق ترامب، من ظهور علامات تراجع في تأييد ترامب في حزبه، فنجد جون توماس، الإستراتيجي الجمهوري، يصرح بأنه «بدأ يرى صدعًا» في قبضة ترامب على الحزب، وقال ديك وادهامز، الرئيس السابق للحزب الجمهوري في كولورادو، والمحلل الإستراتيجي للحزب منذ فترة طويلة، بأن «هناك الكثير من الدلائل على أنّ الحزب بدأ في الابتعاد قليلًا عن ترامب». 

ففي تلك الأثناء لم يكن من المرجح أن يشغل بلاد العام سام انتصار الجمهوريين في الانتخابات التمهيدية، ليس بعد أن أنهت المحكمة الأمريكية العليا الجمعة الماضية حق الإجهاض بإصدارها قرارًا تلغي فيه القرار التاريخي المعروف باسم «رو ضد وايد»، والذي صدر عام 1973، ليكرس حق المرأة في الإجهاض. 

ليشتعل الشارع ضد الجمهوريين ومن بعده تأتي شهادة المساعدة السابقة في البيت الأبيض، كاسيدي هاتشينسون، الثلاثاء، أمام اللجنة التي تحقق في أعمال الشغب التي وقعت في السادس من يناير (كانون الثاني) لتشعل الصراع وتصعّب فرصه ترامب للعودة إلى القمة.

إجهاض محاولات ترامب.. محاسبة الرئيس السابق على فواتير المحكمة العليا

في الشهر السابق على انتخابه رئيسًا في نوفمبر عام 2016 وعد ترامب، خلال مناظرة مع منافسته الديمقراطية، هيلاري كلينتون، بتعيين قضاة في المحكمة العليا يلغون الحكم في قضية «رو ضد وايد»، وقال ترامب في ذلك الوقت: «حسنًا، إذا عيّنا اثنين، أو ربما ثلاثة قضاة آخرين، فإن ذلك (إلغاء حكم رو)… سيحدث تلقائيًا في رأيي؛ لأنني أضع قضاة مؤيدين للحياة في المحكمة».

Embed from Getty Images

جو بايدن

وفي بداية حكم ترامب كانت المحكمة تتكون من أربعة قضاة محافظين مقابل أربعة قضاة ليبراليين، وسريعًا خلال رئاسته عيّن ترامب ثلاثة قضاة هم القاضي نيل جورساتش عام 2017، والقاضي بريت كافانو في عام 2018، والقاضية إيمي كوني باريت عام 2020؛ لتصبح المحكمة بأغلبية راسخة من القضاة المحافظين: ستة قضاة محافظين مقابل ثلاثة قضاة ليبراليين عند نهاية رئاسته. 

والآن وبفضل تعيينات ترامب تلك لا صوت يعلو فوق صوت الانقسام السياسي حول أمور جوهرية في المجتمع الأميريكي، وعلى رأسها قضية حمل السلاح، وحق الإجهاض، المتزامنة مع خريف اقتصادي، وكانت المحكمة العليا بطل هذا الأقسام، ربما نجح ترامب في الوفاء في عهده السابق بإلغاء قضية «رو ضد وايد»، لكن ذلك قد يتسبب في خسارته هو وحزبه في الانتخابات بسبب استثمار الديمقراطيين في الغضب الناجم عن قرارات المحكمة الأخيرة المتعلقة بالسماح بحمل السلاح وحظر الإجهاض.

إذ بدأت المحكمة التي تقبع تحت سيطرة الجمهوريين في قراراتها المثيرة للاحتقان حين أعلنت للمرة الأولى أنّ الدستور الأمريكي «يحمي حق الفرد في حمل مسدس في الأماكن العامة للدفاع عن النفس» وقررت توسعة حق حمل السلاح، وكان القرار مخالفًا للتوجه المجتمعي بعد عدة حوادث إطلاق نار أدت لمقتل العديد من المواطنين.

وفي المقابل شنّ جو بايدن وإدارته وحزبه حملة انتقاده لحكم المحكمة العليا، واستشهد في الانتقادات الموجهة للحزب الجمهوري باستطلاع دولي للخبراء بتقييم الأحزاب في جميع أنحاء العالم على مدى التزامها بالمبادئ الديمقراطية الأساسية وحقوق الأقليات عام 2019؛ إذ جاء فيه أنّ الحزب الجمهوري لا يشبه أحزاب يمين الوسط في الدول الغربية الأخرى، بل يشبه، بدلًا عن ذلك الأحزاب الاستبدادية مثل حزب «فيدس الهنغاري» أو «A. K. P التركي».

كما قامت صحيفة نيويورك تايمز بتحليل قوانين سلامة الأسلحة المعلقة، ووجدت أن 446 شخصًا ربما كانوا لينجون من القتل بالرصاص في الأحداث المتكررة لإطلاق النار الجماعي في الفترة من 1999 إلى 2021 إذا كان مثل هذا التشريع ساري المفعول.

وتساءلت الصحيفة لماذا يجب السماح لمن يبلغ من العمر 18 عامًا بشراء AR-15؟ وحين سُئل بليك ماسترز، مرشح الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ في ولاية أريزونا، عن المشكلة الرئيسة وراء إطلاق النار الجماعي، أجاب «السود.. بصراحة».

وفي هذا السياق، خَلُصَ استطلاع «AP / NORC» إلى أنّ ثلثي الناخبين الجمهوريين يؤمنون بنظرية «الاستبدال العظيم» العنصرية، والتي تقوم على فكرة أن الديمقراطيين يحاولون تغيير الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق الهجرة غير الشرعية، ويقول غالبية ناخبي الحزب الجمهوري: إنّ «العنصرية العكسية» (كراهية البيض) أسوأ من «العنصرية»، وكانوا يعتقدون في وقت سابق أنّ باراك أوباما لم يُولد في الولايات المتحدة.

ولم تكتف المحكمة بقرار السماح بحمل السلاح، بل ألحقته بقرار منع الإجهاض وإبطال قرار «رو ضد وايد» لتزيد من حدة المشكلات بينها وبين الرئيس الحالي المناهض لها ولقراراتها، بالإضافة إلى جلب مشكلات إضافية للرئيس السابق ترامب، بعد أن وُجّه له الانتقاد بأنّ «القضاة الثلاثة الذين عينّهم رئيس واحد، هو دونالد ترامب، كانوا أساس القرار الذي صدر اليوم بقلب ميزان العدالة، واجتثاث حق أساسي للنساء في هذه البلاد». 

فيما قال ترامب في بيان أصدره عقب القرار بأنّ «القرار (الحكم) الذي صدر عن المحكمة هو أكبر نصر للحياة، بالإضافة إلى قرارات أخرى أُعلنت في الآونة الأخيرة، لم تكن لتصدر إلا لأنني فعلت كل شيء كما وعدت به، بما في ذلك تعيين ثلاثة قضاة أجلاء، وهم دستوريون أقوياء، والحصول على التأييد لتعيينهم (في الكونجرس) في المحكمة العليا للولايات المتحدة، لي عظيم الشرف أنني فعلت هذا».

لكن قضايا المحكمة ليست حاسمة بالقدر الكافي في التأثير على آراء الناخبين، وإطاحة ترامب من السباق الرئاسي كما يأمل  جو بايدن، خصوصًا أنّ قرارات المحكمة تتماهى مع أفكار كتلة ضخمة من الناخبين المحافظين.

بل يمكن اعتبارها جزءًا من حملته الانتخابية الاستقطابية للمحافظين في الولايات المتحدة، وحاليًا يمكن لترامب الاستفادة من تخبط إدارة جو بايدن في كافة النواحي، ويحصد تأييدًا شعبيًا، خاصة في هذا الوضع الاقتصادي المتردي. 

فقد دخل الديمقراطيون دورة الانتخابات النصفية في مواجهة رياح معاكسة تاريخية، فكان من المتوقع على نطاق واسع أن يخسر الديمقراطيون مجلس النواب في نوفمبر 2022، لكن الأمور لم تسر كما كانت منذ ذلك الحين.

Embed from Getty Images

اقتحام الكابيتول

وما تغيّر هو استغلال الديمقراطيين لقرارات المحكمة العليا، ومحاولة ربطها بالجمهوريين، وخاصة بترامب، لكن حتى «حملة التوبيخ» التي شنها جو بايدن وإدارته على ترامب لم تكن لتحمل في طياتها النصر، وإن كانت شهادة المساعدة السابقة في البيت الأبيض، كاسيدي هاتشينسون، أمام اللجنة التي تحقق في أعمال الشغب، التي وقعت في السادس من يناير 2020، هي التي قد تحسم السباق الانتخابي القادم، إذ أكدت المساعدة السابقة في البيت الأبيض أنّ ترامب كان يعلم أن هناك أسلحة بحوزة أنصاره عندما حثهم على اقتحام مبنى الكابيتول في محاولة لإلغاء نتائج انتخابات عام 2020 الرئاسية. 

وأشارت هاتشينسون إلى أنّ ترامب وكبار موظفيه كانوا على علم باحتمال اندلاع أعمال عنف، ولكن جرى المُضيّ في تنظيم المسيرة المقررة؛ إذ قال ترامب حينها إنّ المسلحين الحاضرين فيها «ليسوا هنا لإيذائي».

ولم تذهب اللجنة المختارة في تحقيقها قبل هذه الشهادة بعيدًا، في ظل افتقادها إلى شهادة من داخل البيت الأبيض، وامتناع أيّ شخص يمكنه تقديم تقرير مباشر عن كيف كان الوضع في البيت الأبيض في تلك الساعات الحرجة التي سبقت هجوم أنصار ترامب على مبنى الكونجرس لتعطيل عمل المشرعين أثناء تصديقهم على فوز جو بايدن. 

وتأتي أهمية تلك الشهادة، كون اللجنة قد تكون قادرة على إصدار اتهام لترامب مباشر بتنفيذ محاولة انقلاب، والأهم من ذلك هو تراجع في مؤشر تأييده، فبحسب استطلاع حديث أجرته ABC News/ Ipsos، يعتقد 58٪ من الأمريكيين الآن أنه تجب محاكمة ترامب لدوره في أعمال الشغب بمبنى الكابيتول، ومن الجدير الإشارة إلى أنّ الاستطلاع جرى قبل شهادة هاتشينسون.

أبحاث ودراسات

منذ 3 شهور
تمسكُ بأحشاء البيت الأبيض.. هل اشترت الصين عائلة بايدن؟

المصادر

تحميل المزيد