عادةً ما نخشى زيادة الوزن في شهر رمضان المبارك؛ بسبب العادات الغذائية المرتبطة بالشهر الكريم، وكثرة استهلاكنا للسكريات والحلويات والمشروبات المحلاة. لكن التأثير السلبي للسكريات لا يقتصر فقط على زيادة الوزن، فإن له تأثيرًا سلبيًّا أيضًا في العقل. وبالرغم من أنك قد تكون ممن لا يحبون الأطعمة والمشروبات المُحلاة، لكن هذا لا يعني أنك لا تتناول السكر، فهذه المادة أحد المكونات الأكثر شيوعًا في الأطعمة المُصنعة. خلال السطور التالية سنتعرَّف سويًّا عن قرب أكثر إلى التأثيرات السلبية للسكر على أدمغتنا.

ليسا سواء.. السكر المعالَج والسكر «الجيد»

بالرغم من أن له أنواعًا مختلفة عديدة، فإن كل الأنواع تتحول إلى جلوكوز. لكن الأطعمة التي تحتوي على السكر الذي يأتي طبيعيًّا (يوجد السكر الطبيعي في الفاكهة والخضراوات، والمكسرات، والحبوب الكاملة، والفاصوليا)، تميل إلى أن تكون غنية بالعناصر الغذائية الأخرى، بما في ذلك الفيتامينات والمعادن والألياف والبروتين، وهي المواد التي يحتاج إليها الجسم من أجل صحة مثالية.

Embed from Getty Images

ونظرًا إلى أن السكر الطبيعي لا يؤدي بشكل عام إلى التأثيرات السلبية لزيادة تناول السكر؛ فإن ما نُركز عليه هنا هو النوع المُعالَج، الذي يستخرج من قصب السكر أو بنجر السكر، وعادة ما يوجد على شكل سكروز (مزيج من الفركتوز والجلوكوز)، والذي يوجد في الكعك والبسكويت والحبوب والمشروبات المُحلاة. يوجد أيضًا في الأطعمة التي قد لا تعدها «حلوة»، مثل الصلصة، واللبن قليل الدسم، والكاتشب.

وبالرغم من أن الأطعمة التي تحتوي على السكر المُعالج تكون مصدرًا جيدًا للطاقة، فإنها تحتوي على القليل من العناصر الغذائية، أو قد لا تحتوي على أي مواد مُغذية من الأساس، ويمكن أن تتسبب في ارتفاع مستويات السكر في الدم.

أهمية الجلوكوز للدماغ

تحتاج أجسامنا إلى طاقة من الغذاء حتى نتمكن من العيش، نحصل على تلك الطاقة من الجلوكوز، وهو شكل بسيط من السكر، نحن نعلم أن تناول الكثير من السكر يمكن أن يؤدي إلى جميع أنواع المشكلات الصحية، بما في ذلك مشكلات الأسنان وتسوسها، وزيادة الوزن غير المرغوب فيها، وصولًا إلى أمراض القلب ومرض السكري، كل هذه المُشكلات الصحية مرتبطة بتناول الكثير منه. ولكن ماذا عن أدمغتنا؟ ما تأثيره في الدماغ؟

كما سبق الذكر، فإن الجلوكوز هو المصدر الأساسي للطاقة لكل خلية في الجسم. وبما أن الدماغ هو عضو غني جدًّا بالخلايا العصبية، فهو العضو الأكثر تطلبًا للطاقة، فترتبط وظائف الدماغ مثل التفكير والذاكرة والتعلم ارتباطًا وثيقًا بمستويات الجلوكوز في الجسم، ومدى قدرة الدماغ وفاعليته في استخدام مصدر الوقود هذا.

فمثلًا، إذا لم يتوفر ما يكفي من الجلوكوز للدماغ، فلا تنتج الناقلات العصبية، والرسائل الكيميائية في الدماغ، وينهار التواصل بين الخلايا العصبية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي نقص السكر في الدم، إلى فقدان الطاقة اللازمة لوظائف الدماغ، ويترتب على هذا ضعف الانتباه والوظيفة المعرفية.

هل يمكن أن يتحول زيادة استهلاك السكر إلى «إدمان»؟

عندما تأكل شيئًا، فإن هذا الشيء يقود إلى عدد من الإجراءات بداخلك. يُرسل لسانك إشارات إلى دماغك حول مذاق الشيء الذي تناولته، ثم تبدأ أمعاؤك وعقلك في العمل معًا، فيُطلق عقلك الدوبامين في الدم، وهو من الهرمونات التي تُسبب السعادة، ويجعلك تشعر بالارتياح، مما يُعزز لديك أن تناول هذا الطعام كان أمرًا جيدًا. عندما يتعلق الأمر بالسكر، فإن الكمية التي يُطلقها دماغك من الدوبامين تكون أقوى، مما يجعلك تريد أن تُزيد من الكمية التي تتناولها من هذه الأطعمة.

Embed from Getty Images

مراكز الشعور بالمكافأة التي يتعامل معها الجلوكوز في الدماغ، هي المراكز نفسها التي يجري تحفيزها لدى مدمني المخدرات والكحول. وقد ذكرت دراسة نُشرت عام 2018 أنه بناءً على التجارب التي أُجريت على الحيوانات بالإضافة إلى أبحاث الصحة العامة حول السمنة وإدمان الطعام، فإن هناك دليلًا قويًّا على وجود ما يُسمى بـ«إدمان السكر»، والذي يشترك مع اضطراب تعاطي المخدرات في خمسة معايير من أصل 11 معيارًا، كما هو موضح في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5).

وقد وجدت دراسة أخرى أُجريت على الحيوانات أن الأطعمة الحلوة يمكن أن تكون بالنسبة للبعض أكثر إدمانًا من الكوكايين، إذ وجد الباحثون أن إثارة مراكز المُكافأة بالحلاوة الشديدة يمكن أن يتجاوز إثارتها بالكوكايين.

التأثير السلبي للسكر في الدماغ أكبر مما تتخيل!

على الرغم من أهمية الجلوكوز البالغة للدماغ، والتي سبق ذكرها، فإن الكثير من مصدر الطاقة هذا يمكن أن يكون أمرًا سيئًا. فقد أشارت دراسة أجراها الباحثون في جامعة كاليفورنيا عام 2012، إلى وجود علاقة إيجابية بين استهلاك الفركتوز وشيخوخة الخلايا، كذلك ربط فريقان من العلماء في جامعة مونتريال وكلية بوسطن، خلال دراسة أجريت عام 2009، بين الاستهلاك المُفرط للجلوكوز، وضعف الذاكرة والقصور الإدراكي.

Embed from Getty Images

تُشير الأبحاث كذلك إلى أن النظام الغذائي الذي يحتوي على نسبة عالية من السكر المُضاف يُقلل من إنتاج مادة كيميائية في الدماغ تُعرف باسم عامل التغذية العصبية المشتقة من الدماغ (BDNF). والتي بدونها لا يمكن لأدمغتنا تكوين ذكريات جديدة، أو التعلم، أو تَذَكُّر أي شيء. مستويات الـ«BDNF» تكون منخفضة بشكل خاص في الأشخاص الذين يعانون من ضعف استقلاب الجلوكوز، مثل مرضى السكري، ومع انخفاض كميتها، يزداد استقلاب الجلوكوز.

بعبارة أخرى، فإن تناول السكر المُضاف دومًا وبإفراط يُقلل من إنتاج «BDNF»، ثم تبدأ المستويات المنخفضة من المادة الكيميائية في الدماغ بالمساهمة في مقاومة الأنسولين، مما يؤدي إلى مرض السكري من النوع 2 ومتلازمة التمثيل الغذائي، وهو ما يؤدي في النهاية إلى مجموعة من المشكلات الصحية المرتبطة بعضها ببعض.

أظهر بحث آخر أن الاستهلاك المُستمر والدائم للسكر المُضاف يُضعف قدرة الدماغ الآلية لإخبارك بالتوقف عن الأكل، فعند الإفراط في استهلاك السكر، لا يستطيع الدماغ أن يُطالبك بالتوقف عن الأكل في الوقت الصحيح، وهو ما يدفعك إلى تناول المزيد من الطعام، والبحث عن وجبات خفيفة عند منتصف الليل، كما ربطت الأبحاث أيضًا انخفاض مستويات «BDNF» بالاكتئاب والخرف.

السكر والذاكرة

تُشير بعض الأبحاث إلى أن الاستهلاك المُرتفع للسكر يُسبب التهابًا في الدماغ، مما يؤدي إلى حدوث اضطرابات في الذاكرة. لاحظت دراسة أُجريت عام 2016 ونُشرت في «Behavioral Brain Research» وجود علامات التهابية في حصين الفئران التي تناولت نظامًا غذائيًّا عالي السكر.

Embed from Getty Images

لكن الخبر السار هنا، أن هذا الضرر الالتهابي الناجم عن الجلوكوز قد لا يكون دائمًا، فقد وجدت دراسة أُجريت عام 2017 في مجلة «Appetite»، أن تلف الذاكرة الناتج من استهلاك الجلوكوز يمكن تلافيه باتباع نظام غذائي منخفض السكر، وخفض معدل استهلاكنا له.

بالإضافة إلى ذلك، وجد بحث منشور في مجلة «Nutrients» في عام 2015، أن تقليل استهلاك الجلوكوز والحرص على مكملات أحماض أوميجا 3 الدهنية والكركمين يُحسن الذاكرة العاملة.

تأثير الجلوكوز في الحالة المزاجية

وجدت دراسة نُشرت في مجلة رعاية مرضى السكري أن الأشخاص المُصابين بداء السكري من النوع 2 أبلغوا عن زيادة شعورهم بالحزن والقلق أثناء الارتفاع الحاد للسكر في الدم.

ووجدت دراسة ثانية نُشرت في عام 2017 في مجلة التقارير العلمية، أن الأشخاص الذين يستهلكونه بمُعدلات أعلى، كانوا أكثر عرضة للإصابة بالاضطراب العقلي والاكتئاب بنسبة 23% من أولئك الذين يتناولونه بمعدل أقل.

ما تقترحه هذه الدراسات وغيرها بقوة، هو أن معظمنا يضر نفسه ضررًا خطيرًا بالأغذية المُصنعة عالية السكريات، ويبدأ الضرر بأدمغتنا، وفي ضوء هذا يصبح استهلاك السكر المضاف بكثرة أمرًا لا يقل خطورة عن التدخين، أو إدمان الكحول.

طعام

منذ 7 شهور
تعاني من المزاج السيئ؟ 4 أطعمة صحية تعمل على تحسين حالتك النفسية

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد