بدأ الهجوم الروسي على أوكرانيا الخميس 24 فبراير (شباط) 2022، وبدأ فصل جديد في السياسة الدولية، لن يقتصر على شرق أوروبا وحدها، بل سيطال غيرها من العالم؛ فتداخل روسيا في السياسة والاقتصاد العالميين ليس شبيهًا بكوريا الشمالية مثلًا. 

هذا يعني أن الأثر لن يقف عند السياسة والتطورات العسكرية على الأرض، بل سيتعداه إلى الاقتصاد أيضًا؛ لا اقتصاد روسيا وأوكرانيا ودول أوروبا فقط، بل الاقتصاد العالمي ككل، ومع أن أحدًا لا يستطيع التنبؤ بدقة بمدى هذه الأزمة وآثارها، إلا أن من الممكن توقع بعض الاتجاهات ومآلاتها الممكنة. 

الاقتصاد العالمي في مرحلة انتظار الحرب 

يحاول هذا التقرير شرح ما حصل للاقتصاد العالمي في الأيام الأخيرة الماضية في قسمة الأول، وما يمكن أن يحصل في قادم الأيام على المدى القصير بالتحديد.

الأسواق المالية: هبوط ثم ارتفاع.. عنوان اليوم الأول من الهجوم

من حيث المبدأ فإن العرض والطلب هما ما يقرر ارتفاع سلعة ما أو انخفاضها، أما العوامل الأخرى فتؤثر في السعر بشكل غير مباشر، عن طريق تغييرها لآليات العرض والطلب في السوق، ويبقى القانون البسيط هو الأساس في كل ذلك: إذا زاد الطلب على شيء ما فإن سعره سيرتفع، وإذا ارتفع العرض من شيء ما فإن سعره سينخفض. 

استخدمت الفقرة الماضية كلمة «شيء»، لا «منتج»، ولا «سلعة»، للتأكيد على أن ذلك يشمل أمورًا أخرى، مثل العملات والأسهم وغيرها، والتي يجري المتاجرة بها على أنها سلع ومنتجات عادية في السوق، وإن لم تكن كذلك. 

فكيف تؤثر حرب ما على آليات العرض والطلب في السوق؟ في المدى القصير يتبع ذلك بالدرجة الأولى التوقعات الاقتصادية عن قادم الأيام، فإذا كان التوقع أن هبوطًا سيحصل في سوق ما، فإن ذلك يعني أن المستثمرين سيبيعون ما يمتلكونه في هذا السوق، منتجين ارتفاعًا في العرض، وانخفاضًا في السعر بالتالي. 

لكن هل هذه هي الصورة البسيطة لتأثير الحرب على أسواق الأسهم مثلًا؟ 

أظهر بحث لمؤسسة Swiss Finance Institute، لمجموعة باحثين سويسريين؛ أن للحرب تأثيرات متناقضة، ومثيرة للاستغراب عند رصدها على الأسواق المالية، وعليها أسميت بـ«لغز الحرب». سعى الباحثون إلى رصد تأثير عدد كبير من النزاعات المسلحة على الأسواق المالية، وتحديدًا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ورصد الطريقة التي تؤثر بها هذه الحروب في النهاية على أسعار الأسهم. 

«اشتر عند سماع صوت المدافع، وبِع مع أبواق الانتصار»، مثل إنجليزي يرجع إلى فترة الحروب النابليونية، ويقترح أن بداية الحرب وقت مثالي لشراء الأسهم، وأن نهايتها وقت مثالي للبيع، وأن مثل هذه الإستراتيجية تعني على الأغلب ربحًا مضمونًا. 

يرجع منطق هذا المثل إلى أن الناس سيبالغون في ردة فعلهم على الأخبار السيئة، وسيبدأون بالبيع هلعًا من الآثار اللاحقة للحرب (Panic Selling)، وفي المقابل سيبالغون في الشراء عند انتهاء الحرب بوصفها أخبارًا جيدًا، ويبالغون في الشراء نتيجة لذلك. 

دون الخوض في تفاصيل البحث يمكن القول إن النتيجة التي وصل إليها الباحثون هو أن سوق الأسهم تتأثر بشكل كبير بأخبار الحروب، إلا أن هذا الأثر يتناقض في المراحل المختلفة للحروب، قبلها وبعد نشوبها، وللحروب التي تحصل فجأة حالة خاصة بها. 

أولًا تتأثر سوق الأسهم سلبًا كلما زادت احتمالية نشوب الحرب، وتبدأ الأسهم بالانخفاض، بينما كلما قلت احتمالية نشوب الحرب عادت الأسهم للارتفاع؛ لكونها أخبارًا جيدة في العموم، وتزيد ثقة الناس بالاقتصاد عمومًا؛ ما ينتج عنه شراء للأسهم. 

أما بعد نشوب الحرب بالفعل؛ فإن الأمر المحير أن ما رصده الباحثون هو ارتفاع أسعار الأسهم نتيجة لذلك، بل إن ذلك كان هو المُشاهد من قبل الباحثين في كل الحروب التي رصدوها، ومن الجدير بالعلم أن الحروب الفجائية تميل إلى خفض أسعار الأسهم بشكل عام، دون لحوق ارتفاع فيها في أي وقت لاحق بشكل متعلق بالحرب. 

تمثل الحرب الحالية في أوكرانيا مثالًا واضحًا على هذا اللغز؛ فقد مالت الأسهم إلى الانخفاض مع تزايد التصعيد في أوكرانيا، وتزايد الاهتمام العالمي بها، خصوصًا منذ شهر يناير (كانون الثاني)، وحتى يوم بدء الحرب، والذي شهد في بدايته انخفاضًا واضحًا في الساعات الأولى من إعلان الحرب، رغم وجود تذبذبات خلال هذه الفترة، قد يعود كثير منها إلى تناقض الأخبار المتداولة عن قرب نشوب الحرب من عدمها. 

لكن الأسهم بعدها حققت عودة ملحوظة عن انخفاضات الأيام السابقة، وكل مؤشرات سوق الأسهم الرئيسة في ارتفاع متفاوت، أبرزها مؤشر (NASDAQ)، الذي كان أحد أبرز الخاسرين بهبوط نسبته 3.11% عند الساعة الثامنة صباحًا بتوقيت جرينيتش، إلا أنها كانت أبرز الرابحين بارتفاع نسبته 3.34% في وقت لاحق. 

في وقت لاحق، وتحديدًا في الساعات الأولى من صباح الجمعة 25 فبراير، عادت هذه الأسعار للتذبذب، ولكن بدرجة أقل مما حصل في الفترات الماضية، وما تزال أسعارها أعلى من الانخفاض الكبير الذي حققته خلال فترة ترقب الحرب، وأقل من قيمها القياسية التي وصلت إليها في نهاية عام 2021. 

لا تقتصر عوامل تذبذب الأسهم على الحرب وحدها، بل على أمور أخرى أيضا، بينها العقوبات الغربية على روسيا، والتي قد تؤدي إلى أثر مختلف عما وصفه البحث السويسري، كما أن الأسهم وصلت إلى سعر قياسي، بعد الصعود المضطرد الذي بدأ في الأشهر الأولى من جائحة كورونا، ومن المتوقع أن تبدأ السوق بالتصحيح نزولا، فأي هبوط لاحق قد لا يكون أثرًا للحرب، أو أثرا لها وحدها.

يحاول البحث السويسري تقديم تفسيرات لهذا اللغز؛ سنقتصر على ذكر التفسير الذي يعتقد الباحثون أنه ملائم نظريا لتفسير الحالة؛ وإن كان غير تماما لتفسير البيانات المجموعة من الواقع من قبل الباحثين. طبقًا لهذا التفسير النظري؛ تُقسم السوق إلى نوعين من الأسهم، إحداهما تضم الأسهم التي من المرجح أن تستفيد شركاتها من حالة الحرب، والأخرى تضم الأسهم التي يرجح أن تستفيد من حالة السلام. 

في المرحلة السابقة للحرب تسود حالة من الالتباس عن مصير التوتر، فهل ستحل الأزمة بشكل سلمي حتى نختار الاستثمار في النوع الأول المستفيد من الحرب، أم ستندلع الحرب لنستثمر في النوع الثاني؟ 

تتسبب حالة الالتباس بميل المستثمرين إلى الانسحاب من السوق بشكل كامل، ما يعني انخفاض الطلب، وارتفاع عمليات البيع التي تعني ارتفاع العرض، وبالتالي انخفاض أسعار الأسهم. 

عندما تندلع الحرب تنتهي حالة الالتباس، ويعرف المستثمرون أي الأسهم ليختاروا شراءها؛ ما يعني ارتفاع الطلب وعودة الأسعار للارتفاع، ولا يقتصر ذلك على شراء أسهم شركات السلاح؛ بل يتعداها إلى أية شركة من أي قطاع قد تزيد مبيعاتها نتيجة للحرب، فمثلًا قد تستفيد شركات زراعية من حالة الحرب في روسيا وأوكرانيا لتصدر قمحًا أكثر للدول المستوردة من هذين البلدين. 

لأن هذا التفسير جيد نظريًا ولكنه قاصر واقعيًا، خلُص الباحثون إلى اختيار نموذج إحصائي لتفسير هذه البيانات، ونتيجته النهائية أن حربًا أكيدة أفضل للمستثمرين من سلام هش؛ ما يفسر انخفاض أسعار الأسهم في حالة ترقّب الحرب، وارتفاعها عند وقوعها بالفعل، أما تفاصيل هذا النموذج فهي بحث اقتصادي وإحصائي بحت. 

النفط والذهب يسيران عكس تيار الأسهم

روسيا أحد أهم منتجي ومصدري النفط في العالم، فهي المنتج الثالث للنفط، والمصدر الثاني له في العالم، وأي عقوبات تجارية على روسيا قد تعني حرمان العالم من مصدَر مهم لاستيراد النفط، وبالتالي انخفاض العرض؛ المؤدي إلى ارتفاع السعر. 

وبمجرد توقع حصول هذا الانخفاض في العرض، يكون منطقيًا أن تتخوف الأسواق ويزيد الطلب على النفط، ما يعني ارتفاع سعره، وهو ما حصل في الفترة السابقة، وإن لم تكن أزمة أوكرانيا السبب الوحيد في ارتفاع السعر. 

وصل سعر خام برينت إلى 105 دولار، وذلك لأول مرة منذ عام 2014، بحسب وكالة رويترز، إلا أنّ التطمينات الغربية بالقيام بإجراءات تحد من أثر الأزمة على إمدادات النفط العالمية تسببت في تخفيف أثر ارتفاع سعر النفط عالميا، وخصوصا مع إعلان بايدن في وقت متأخر من 24 فبراير بتوقيت غرينيتش، أن الولايات المتحدة تعمل مع شركائها لضخ احتياطات النفط في السوق؛ ما يعني توقع زيادة عرضه، وبالتالي انخفاض سعره. 

بلغ سعر برميل خام برينت عند الساعة العاشرة والربع مساء من يوم الخميس 24 فبراير أكثر بقليل من 95 دولارًا، بانخفاض قيمته 10 دولارات عن أعلى سعر حققه خلال اليوم، ثم عاد لتسجيل 101 دولار للبرميل الواحد في ساعات مبكرة من يوم الجمعة.

ولكن من المبكر الحديث عما سيحصل للنفط في قادم الأيام، فمن غير المتوقع أن تكفي إمدادات النفط لتعويض انقطاع النفط الروسي عن الاقتصاد العالمي، على فرض حدوث ذلك نتيجة للعقوبات، أو لغيرها من الأسباب. 

أما الذهب الذي يمثل للكثيرين ملاذًا آمنًا في أوقات عدم اليقين؛ فقد ارتفع حتى قارب على الوصول إلى ألفي دولار للأونصة، ثم انخفض سعره بعد نشوب الحرب إلى أقل من 1900 دولار بقليل، وهو الآن – الساعة العاشرة وربعا بتوقيت جرينتش 24 فبراير – 1905 دولار. 

التضخم العالمي في مستويات غير مسبوقة

قبل اندلاع الحرب، بل قبل توقع اندلاعها، كان التضخم في ارتفاع مستمر في العالم، نتيجة لمشاكل سلاسل التوريد الناتجة عن إغلاقات جائحة كورونا، التي رفعت تكاليف الشحن والنقل في العالم، وانعكس ارتفاع هذه التكاليف على ارتفاع أسعار المنتجات، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الطاقة في العالم في الأشهر الأخيرة. 

يذكر تقرير لـ«بي بي سي» تفسيرين محتملين لتعميق الحرب لأزمة التضخم في العالم في قادم الأيام، أولها ما يتعلق بانخفاض عرض الطاقة؛ ما يعني ارتفاع سعرها في العالم، نظرًا لكون الطاقة تكلفة أساسية لجميع الأنشطة الاقتصادية، وثانيها تأثر أسواق الغذاء العالمية لكون روسيا وأوكرانيا مصدرين مهمين للمنتجات الغذائية، وللحرب في أوكرانيا أثر على أسواق الغذاء مشابه لأثرها على النفط. 

بلغ التضخم في الولايات المتحدة الأمريكية معدلًا غير مسبوق منذ عام 1982، حيث وصل إلى 7.5%، وهو مرتفع – نسبيا – أيضا في أوروبا، والتي وصل فيها التضخم إلى أكثر من 5%، وبحسب التقرير فإن التضخم قد يصل إلى 10% نتيجة للحرب القائمة. 

لا تُنشر البيانات الاقتصادية التي تخص الاقتصاد الحقيقي بالسرعة ذاتها للأحداث السياسية والعسكرية على الأرض، مثل بيانات الناتج المحلي الإجمالي، الإنتاج، البطالة… إلخ، لذلك من الصعب أن نعرف بوضوح كيف أثرت الأزمة في سابق الأيام على الاقتصاد الحقيقي في العالم، كما لا يمكن الجزم بارتباط أي تحركات في هذه المؤشرات بالأزمة، أما الأسواق المالية وأسواق النفط والذهب والسلع هي الأكثر عكسًا للأحداث، ولذلك سيقتصر التقرير على ذكرها في هذا القسم. 

كيف يمكن أن يتأثر الاقتصاد العالمي في قادم الأيام؟ 

من المبكر الجزم بأي شيء في هذا الصدد؛ لا في روسيا وحدها، بل في العالم أجمع، لأن تطورات الحرب الراهنة لا يمكن التنبؤ بها، ولا يمكن التنبؤ بطبيعة العقوبات الاقتصادية التي ستفرض على روسيا، ولا مداها أو مدى تأثيرها على اقتصادات أخرى، ورغم أن البلدين ومحيطهما وعلاقاتهما الاقتصادية تمثل نسبة غير قليلة من الاقتصاد العالمي، إلا أننا لا نعلم على وجه الدقة أي القطاعات التي ستتأثر أكثر، وما مدى هذا التأثير. 

أما بالنسبة للاقتصاد الأوكراني؛ فمساره سيتبع حرفيًا مسار الأحداث على الأرض، في حال حصول دمار كامل لأوكرانيا فإن ذلك يعني نهاية الاقتصاد عمليًا، وسيتأثر الاقتصاد نسبيًا بحجم الدمار، كما أننا لا نعلم حتى الآن ما هي مخططات روسيا في أوكرانيا، فقد يتمكن الروس من إقامة سلطة تابعة لهم فيها مثلًا، أو قد تتطور الأحداث لضم أوكرانيا إلى روسيا، كما يشي بذلك أجزاء من خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والذي بدأت بعده مباشرة الخطوات الروسية العسكرية في أوكرانيا. 

ولا نعلم أيضًا ماذا قد يترتب على ذلك من خطوات اقتصادية، فمثلما أن الرئيس الأمريكي جو بايدن أعلن حظر التعاملات المالية مع الجمهوريتين المنفصلتين، والتين أعلنت موسكو الاعتراف بهما، فقد تفرض الولايات المتحدة الأمريكية قيودًا شبيهة على أوكرانيا المسيطر عليها من قبل الروس بأي شكل، وقد لا تكون هذه القيود مطلقة لكي لا تؤثر على المواطنين الأوكران. 

ويستعرض التقرير الآثار المحتملة للحرب في أوكرانيا، وعواقبها الاقتصادية على العالم، بدءًا من روسيا؛ محور هذه الحرب، ومن ثم استعراض الآثار العالمية ككل، مع تخصيص الحديث على دول بعينها، لها ارتباط اقتصادي أكثر من غيرها بالأزمة. 

روسيا.. ثمانية أعوام من الاستعداد لهذه اللحظة!

العقوبات الغربية – عقوبات الولايات المتحدة وأوروبا تحديدًا – على روسيا ليست أمرًا جديدًا بالنسبة لموسكو، بل هو سلاح واجهته روسيا لثماني سنين عجاف مرت منذ قررت روسيا ضم شبه جزيرة القرم؛ أولى مغامراتها في أوكرانيا في عام 2014

ظلت هذه العقوبات فعالة طوال السنوات الماضية، طالت هذه العقوبات شخصيات ومؤسسات روسية، شملت بنوكا وشركات عديدة، وأثرت على الاقتصاد الروسي ونموه، محققة انكماشًا في بعض السنوات؛ أهمها عام 2015، التي سجلت انكماشًا للناتج المحلي الروسي بنسبة قاربت 2%، كما شهد الروبل انخفاضًا منذ ذلك الحين، حتى وصل الآن إلى قرابة 85 روبل للدولار الواحد، مع أنه كان قرابة 35 روبل للدولار الواحد في منتصف عام 2014.

بفضل هذه التجربة السابقة للاقتصاد الروسي؛ فإن من المتوقع أن الدولة الروسية استطاعت التكيف مع العقوبات؛ بل والاستعداد للمزيد منها، خصوصا وأن روسيا بدأت تصعيدها في أوكرانيا منذ شهور عديدة، وربما كان احتمال اتخاذ خيار قائمًا عند القيادة الروسية منذ سنوات، خصوصًا أن بوتين قال في خطابه الخميس 24 فبراير إن روسيا جربت الصبر خلال الثلاثين سنة الماضية دون جدوى. 

ومنذ ضم القرم بدأت روسيا استعدادها للحظة الحالية، عن طريق مجموعة خطوات مهمة، قللت من اعتمادها على الغرب بالمجمل، وزادت من قدرتها على الاعتماد على الذات، وعلى حلفاء مهمين لموسكو، وبين ذلك خطوات لتقليل أهمية الدولار ومجمل النظام المالي والنقدي العالمي؛ على الأقل بالنسبة لروسيا وحلفائها. 

أهم هذه الخطوات هو توفير المزيد من الاحتياطات؛ فإذا كان الغرب يظن أن بإمكانه إخضاع موسكو عن طريق استهداف قدراتها المالية والنقدية؛ فإن بوتين قد أعد لهذه اللحظة أكثر من 630 مليار دولار من الاحتياطات الأجنبية، واحتياطات الذهب أيضًا، بزيادة قريبة من 200 مليار دولار عن عام 2014. 

تمثل هذه الاحتياطات أكثر من 40% من كامل الناتج المحلي الروسي لعام 2020، باستخدام سعر الدولار الحالي، وهو معدل غير مسبوق في روسيا، ورابع أعلى احتياطي في العالم، وسيستخدم لدعم الاقتصاد الروسي والروبل للصمود لفترة طويلة من الزمن.

يذكر أن 16% من هذه الاحتياطات فقط بالدولار، بينما كانت تمثل 40% منها، في خطوة مؤشرة على رؤية السياسة الروسية لضرورة تقليل الاعتماد على الدولار، بينما 13% من هذه الاحتياطات بالعملة الصينية، وهي الجهة الأخرى المقابلة لتقليل الاعتماد على الدولار في روسيا.

أما الخطوة الثانية فهي تغييرات على بنية الاقتصاد الروسي، شملت تخفيض الاعتماد على القروض والاستثمارات الخارجية؛ خصوصًا أن العقوبات تستهدف هذا الاعتماد بشدة، في ظل احتياج الميزانية الروسية للاقتراض بسبب عجوزاتها المتراكمة، وحاجتها للاستثمار الخارجي لدعم القطاعات المحلية.

تبحث روسيا عن فضاءات أخرى للتجارة والاستثمار، وحتى للاقتراض كإستراتيجية روسية موجهة لمقاومة العقوبات الغربية، والصين في قلب هذه الإستراتيجية، مع وجهات آسيوية أخرى، مع تخفيض استخدام الدولار عملة تبادل تجاري، واستخدام عملات أخرى بديلة، بينها الروبل واليوان الصيني، في خطوة استباقية لإمكانية قطع روسيا عن نظام (Swift) وهو الآلية التي ينقل من خلالها العالم القيمة، وتمر من خلالها التعاملات المالية الدولية.

كما خفضت روسيا من نفقاتها عمدًا، كجزء من التكيف مع العقوبات السابقة، والاستعداد للعقوبات القادمة، مفضلة بذلك الاستقرار والقدرة على مواجهة صدمات العقوبات، بدلًا عن محاولة رفع الإنفاق لتحقيق النمو. 

ولكن هل ستنجح كل هذه الخطوات في منع نزيف الاقتصاد الروسي؟ 

على المدى القصير جدًا؛ والمتمثل في الأيام والشهور الماضية، كان باديًا أن الاقتصاد الروسي متأثر بالفعل، وأن بدرجة منخفضة نسبيًا، فرغم أن الساعات الأولى شهدت انخفاضًا ملحوظًا للروبل أمام الدولار، وانخفاضًا في البورصة الروسية أيضًا؛ إلا أن الإجراءات الروسية الاحترازية المتمثلة بوقف تداول الروبل والبورصة قد تساهم في تخفيف هذه الآثار، ولو في المدى القصير. أما على المدى البعيد؛ فإن الأثر يعتمد على مدى ونجاعة العقوبات الغربية، ومدى نجاح الاستعدادات الروسية في خفض هذه الآثار. 

بحسب رويترز؛ فإن لدى الغرب طيفًا واسعًا من خيارات العقوبات الممكن فرضها، تتفاوت بين أن تسبب انكماشا في الاقتصاد الروسي يصل إلى 5% وقد يزيد، وبين عقوبات محسوبة أكثر، وتمنع إيصال الضرر إلى الغرب نفسه، فبعض خيارات العقوبات شديدة القسوة، وقد تؤثر على الغرب بسبب حجم الصلة بين الاقتصاد الروسي والغربي، وارتباط بنوكهما، بالإضافة إلى أن استهداف قطاع الطاقة الروسي قد يكون مدمرًا للكثير من دول أوروبا، وفي الحالة الأولى سيتأثر الاقتصاد الروسي بحدة أقل، ولكن لن تظهر هذه النتائج بشكل واضح إلا لاحقًا.

لكن الاستعدادات الروسية المذكورة أعلاه قد تخفف من وطأة هذه العقوبات، وإضافة إلى ما ذكر سابقًا، فإن البنوك الروسية بدأت استعداداتها للخطوات الغربية، واستبقت تجميد أصولها ومنع التعاملات معها، عن طريق استيراد وخزن العملات الأجنبية بشكل مكثف في الفترة الماضية. أما العنصر الأخير فهو مدى الإنفاق العسكري الروسي في أوكرانيا، والذي لن نستطيع معرفته إلا في قادم الأيام.

اليد الأوروبية المغلولة بالغاز الروسي

بخلاف الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تحتل الوجهة رقم 40 للصادرات الأمريكية إلى روسيا، والمصدر 20 لتصدير السلع إليها من روسيا، فإن التجارة الأوروبية مع روسيا كبيرة جدًا بالمقارنة. روسيا تمثل خامس أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي، والتجارة بينهما تمثل 5% من إجمالي تجارة أوروبا مع العالم، كما أن قرابة 38% من مستوردات روسيا تأتي من الاتحاد الأوروبي، و36.5% من صادراتها تذهب إلى الاتحاد. 

لكن السؤال الأهم هو ليس حجم التجارة، بل حجم التجارة التي لا يمكن استبدالها من مكان آخر غير روسيا، فقد تستطيع أوروبا التخلي عن تصدير منتجاتها لروسيا، وقد تتحمل خسارة أرباح عدم التصدير إليها، لكن أوروبا لن تجد في أي وقت قريب مصدرًا للطاقة، يعوض ما تصدره روسيا إليه. 

تصدر روسيا إلى أوروبا 26% من احتياجاتها النفطية، و40% من احتياجاتها من الغاز، وهي نسبة ضخمة يصعب توفيرها من مكان آخر، خصوصًا أن نقل الغاز يحتاج إلى ترتيبات ضخمة ومكلفة، وتحتاج إلى زمن لإتمامها، والخيارات الأخرى أبعد من روسيا – مثل الغاز القطري والإسرائيلي والمصري وغيرها، ولا يمكن لأوروبا أن تحتمل انقطاع الغاز، ولو لفترة قصيرة. 

لهذا السبب ربما اختار البيت الأبيض أن يستثني من عقوباته ما يضر بصادرات الطاقة الروسية، والتي تعلم موسكو مسبقًا أن الغرب لا يستورد الطاقة منها حبا فيها، وإنما لعدم وجود بديل، وكذلك تعلم الولايات المتحدة خطر الإضرار بهذه الإمدادات. 

كما استثني قطاع الطاقة من العقوبات المتعلقة بالتعاملات المالية، لتستطيع أوروبا تسديد أثمان الغاز لروسيا، ما يعني بقاء أحد مصادر قوة الاقتصاد الروسي دون ضرر، بل قد تستفيد روسيا من أي ارتفاع لسعره، طالما أنها ستظل قادرة على التصدير. 

هددت موسكو سابقًا باستخدام سلاح الغاز ضد أوروبا، وحذرت من أن أسعار الغاز ستصعد إلى ارتفاعات مخيفة جدا، وأن ذلك سيكون من فعل الأوروبيين أنفسهم؛ في حال فرضوا العقوبات على موسكو، وهو سلاح اتُّهمت موسكو باستخدامه سابقًا، بالإضافة إلى حليفتها روسيا البيضاء. 

أي ارتفاع على أسعار الطاقة يعني ارتفاعًا لكل تكاليف الإنتاج والعيش في أوروبا، فالغاز أحد أعصاب اقتصاد أوروبا ومحركيه، وستتأثر أوروبا كثيرًا في حال ارتفعت أسعاره بالفعل للحدود التي حذرت منها موسكو. كما أن الدول الأوروبية لها علاقات مالية مع روسيا، من الاستثمارات حتى القروض، وقد تخسر أوروبا ما كانت تربحه من هذه التعاملات مع روسيا، بل إن الأمر إذا وصل إلى حرب اقتصادية شاملة؛ فقد يتعدى الأثر خسارة الأرباح المحتملة إلى خسارة الاستثمارات والقروض حقيقة، وإن كان ذلك مستبعدًا. كل هذه الخسائر ستؤدي إلى إضعاف مسار التعافي من جائحة كورونا في أوروبا، والتي ما تزال تؤثر على اقتصادها، وعلى العالم بأسره. 

الولايات المتحدة الأمريكية

لن تتأثر الولايات المتحدة الأمريكية بنفس قدر أوروبا، ولكنها ليست بعيدة عن تحمل عواقب آثار الحرب، والعقوبات المترتبة عليها. تتلخص مخاوف الاقتصاد الأمريكي بالتضخم وعرقلة مسار التعافي الاقتصادي من الجائحة، ويتمثل خطر التضخم في ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا؛ ما يعني ارتفاع سعر كل شيء تدخل الطاقة في تكاليف إنتاجه ونقله واستهلاكه. 

كما أن التضخم المرتفع أساسًا إذا ما وصل إلى معدلات أعلى فسيضطر الفيدرالي الأمريكي أخيرًا إلى مواجهة ذلك برفع أسعار الفائدة؛ ما يعني ارتفاع تكاليف الاقتراض، المؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستثمار، والذي سيعني نهاية المساهمة في تباطؤ الاقتصاد. 

الأثر الاقتصادي للحرب على العالم ككل

مع أن الاقتصاد الروسي في الترتيب 11 ضمن أكبر اقتصادات العالم، إلا أنه لا يمثل إلا أقل من 2% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ولكنه مع ذلك سيسبب مشاكل في الاقتصاد العالمي، إذا ما تراجع أو انفصل عن النظام المالي العالمي. 

لم يتعاف العالم بعد من آثار الجائحة الاقتصادية، ومن المحتمل أنه على أبواب أن يواجه مشكلة اقتصادية جديدة، متمثلة في ارتفاع أسعار الطاقة؛ وهو الأمر المستمر منذ شهور، والمتوقع أن تصل إلى 120 دولار للبرميل الواحد؛ ما يعني إضافة ضغوط أخرى على التضخم في العالم، لكون الطاقة تدخل في تكاليف إنتاج ونقل واستهلاك كل شيء تقريبًا. 

من المتوقع أن تكون الآثار المباشرة للحرب مزيدًا من التضخم، نموًا أقل، واضطرابات في الأسواق المالية؛ فرغم ما ذكرناه في القسم السابق عن أثر الحروب على أسعار الأسهم، قد تكون هذه المرة مختلفة لزيادة عامل العقوبات وعمقها، فكل الشركات التي تعمل في قطاعات مرتبطة بروسيا واقتصادها، أو بالقطاعات المتأثرة بشكل مباشر بالاقتصاد الروسي؛ مثل الطاقة، قد تواجه تذبذبات كبيرة في الأيام القادمة. 

بالإضافة إلى قطاع الطاقة؛ تعد روسيا وأوكرانيا من أهم منتجي ومصدري القمح في العالم، إذ يشكل تصديرهما معًا 30% من صادرات العالم من القمح، وانخفاض عرضهما منه يعني ارتفاعًا لسعره في السوق العالمية، وفي السيناريو الأسوأ قد تنقطع هذه الإمدادات مسببة أزمة غذاء عالمية.

كل هذه الآثار وغيرها تعتمد على عوامل كثيرة؛ لذا لا يمكن توقع مداها وحجمها، بل على العالم كله الانتظار، وترقب ردود الفعل المختلفة، والإجراءات الحكومية لمواجهة الآثار، سواء من روسيا أو دول الغرب، بما يشمل العقوبات وقرارات البنوك المركزية، والإفراج عن احتياطات النفط، وصفقات الطاقة الجديدة، وما تخبئه حكومات العالم من إجراءات جديدة، أو إعادة استخدام إجراءات قديمة لتخفيف الآثار الاقتصادية الناتجة عن الحرب. 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد