يسير «قانون المحروقات» الجديد رويدًا رويدًا نحو الاعتماد الرسمي، بعد أشهرٍ من الجدل حول مصيره ومحتواه، وذلك بعد أن صدَّق مجلس الوزراء الجزائري أول أمس الأحد على مشروع القانون المثير للجدل الخاص بالمحروقات (المصدر الأساسي للاقتصاد الجزائري)، ليتبقى له خطوة المرور عبر البرلمان لكي يصدر في الجريدة الرسمية ويصبح أمرًا واقعًا، وأمام إصرار السلطة على تمرير قانون المحروقات الجديد، عاد الشارع الجزائري للانفجار مجددًا؛ رفضًا للقانون الذي يرهن الاقتصاد الجزائري، حسب الكثير من الجزائريين.

الاحتياطي ثابت رغم التنقيب والإنتاج.. أين يذهب ذهب الجزائر؟

20 سنة من الفشل في سنّ قانون ناجح للمحروقات

منذ تسلمه الحكم في أبريل (نيسان) 1999؛ رأى بوتفليقة في الاستثمار في المحروقات السبيل الأمثل لاسترجاع الاقتصاد الجزائري توازنه، بعد عقدٍ من الدمار والخراب. ساعده على ذلك احتواء الجزائر على الاحتياطي الكبير من الغاز والنفط جعلها من أكثر الدول المنتجة للنفط والغاز في العالم، ساهم ذلك في ما يزيد عن ثلثَي إيرادات الحكومة. وتكاد تكون عائدات القطاع، التي تمثّل 98% من الصادرات، المصدر الوحيد من العملة الأجنبية حتى اليوم.

وأمام هذا الأمر، شرع نظام بوتفليقة في إعداد قانونٍ للمحروقات يُنظم من خلاله القطاع، بدءًا من قانون 2005، والذي اتهم فيه بوتفليقة ببيع شركة «سوناطراك»، ووصولًا إلى المرسوم الرئاسي لسنة 2006، الذي بموجبه بدأ تطبيق قانون المحروقات.

بوتفليقة مع أحمد أويحيى سنة 2006
                                          بوتفليقة مع أحمد أويحيى سنة 2006

ونصّ ذلك القانون الذي أُعد له منذ خمس سنوات، على توسيع مجال الاستثمار لشركات النفط الدولية بإلغاء العراقيل البيروقراطية، ومطابقة شروط الاستثمار المعروفة عالميًّا، وتمكين الشركة الوطنية للنفط (سوناطراك) من كسب وسائل المنافسة في الأسواق المحلية والدولية، في وقتٍ اتهم فيه الخبراء الاقتصاديون الحكومة الجزائرية بخصخصة «سوناطراك» وبيع الجزائر.

وفي تصريحٍ مثيرٍ لوزير الطاقة الأسبق شكيب خليل، اعترف المسؤول الحكومي بإشراك شركات أجنبية أمريكية وفرنسية في إعداد ذلك القانون. وكان علي بن فليس أحد المترشحين للرئاسة؛ قد صرّح سنة 2014 عن أسباب الخلاف بينه وبين بوتفليقة، وعزى بن فليس ذلك إلى رفضه لقانون المحروقات، الذي أراد بوتفليقة أن يفرضه، في  الوقت الذي كان فيه بن فليس يشغل منصب رئيس حكومة، كونه يرهن ثروات الجزائر للشركات الأجنبية.

ومع فشل القانون في جذب المستثمرين الأجانب، خصوصًا إذا علمنا أنّ من أصل 67 منطقة استكشاف طُرحت للمناقصة العالمية منذ سنة 2005، حُصِّل 19 اقتراحًا ووقِّع 13 عقدًا منها فقط إلى اليوم، شرع نظام بوتفليقة في التفكير مجددًا في تعديل قانون المحروقات بدايةً من سنة 2016.

وعلى الرغم من استقالة بوتفليقة واعتقال أركان نظامه، فإنّ تحضير مشروع القانون استمرّ، لتصدِّق عليه الحكومة في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، وأقرَّه مجلس الوزراء أول أمس، على أن يُناقشه البرلمان الجزائري ويصدق عليه في الأيام القادمة.

من الذي أعدّ قانون المحروقات الجديد؟

لعلّ هذا هو السؤال الأبرز الذي يتردد الآن بين الجزائريين، فما بين السلطة الحالية والنظام السابق، وحتى مشاركة الأجانب  في صياغة القانون الجديد، تدور أغلب الإجابات عن تساؤل من أعدّ هذا القانون؟

وبالعودة إلى الوراء قليلًا، في مارس (آذار) 2018، أي قبل عامٍ من استقالة بوتفليقة، خرج وزير الطاقة الجزائري السابق، مصطفى قيطوني، ليعلن أنّ النسخة الأولية لمشروع تعديل قانون المحروقات ستخرج للنور في السنة ذاتها، قبل أن يعود ويمد فترة إعداد مشروع القانون وخروجه للعلن إلى شهر يوليو (تموز) 2019.

ولم يُخفِ وزير الطاقة الجزائري استعانة وزارته بما سماها «الخبرة الدولية» لإعداد قانون المحروقات الحالي. وأوضح الوزير أن «القانون المستقبلي للمحروقات في طور التحضير والاعداد من طرف الخبراء، بالاعتماد على خبرة الدول الأخرى من أجل تفادي الأخطاء والعمل على إنجاحها».

                                  الوزير الأوّل الجزائري نور الدين بدوي

وفي الرابع من يونيو (حزيران) من العام الماضي، صرّح عبد المؤمن ولد قدور الرئيس التنفيذي السابق لشركة «سوناطراك» الجزائرية بأن الجزائر عينت مكتب المحاماة الأمريكي «كورتيس موليه- بروفوست كولت آند موسلي» ومستشارين آخرين للمساعدة في وضع القانون الجديد للمحروقات؛ بهدف جذب استثمارات، بحاجة شديدة لها.

وقال ولد قدور في تصريحات للصحافيين لحظتها «الجزائر تعمل على وضع قانون جديد، لكن لم يتضح بعد متى ستكون مستعدة، فهناك عدة أطراف منخرطة في الموضوع، لكن في وقت قريب سيكون لدينا قانون جاذب هو الأفضل»، وختم حديثه بالقول إن «مسار تحضير قانون المحروقات معقد جدًّا».

ومع اندلاع الحراك الشعبي في  22 فبراير (شباط) الماضي، والذي أجبر بوتفليقة على الاستقالة، وشهود شعاراتٍ مناوئة للشركات الفرنسية المستثمرة في الجزائر، والمطالبة بإلغاء قانون المحروقات الساري حينها، عاد قانون المحروقات ليثير الجدل من جديد، بعد أن قررت حكومة بدوي  إدراجه في جدول أعمالها والإسراع في إنهائه وتمريره إلى البرلمان.

ودفاعًا عن هذا المشروع، قال وزير الطاقة محمد عرقاب، في تصريحات صحافية، إن «المشروع يتميز بالمرونة في التعامل بهدف جلب واستقطاب أكبر عدد من الشركات الأجنبية المتمكنة تكنولوجيًّا في المجال، وتلك التي تكتسب الموارد المالية الكافية للنشاط في الجزائر، بالشراكة مع المؤسسة العمومية سوناطراك».

وفي تعليقه على القانون قال رئيس الدولة الجزائرية عبد القادر بن صالح «إن القانون سيسمح بمباشرة إصلاحات عميقة في قطاع الطاقة لمواكبة التطورات التي يعرفها على المستويين الوطني والعالمي، وكذا توفير الشروط الضرورية لتجسيد مخطط تطوير سوناطراك»، وهي التصريحات نفسها التي أدلى بها بوتفليقة في دفاعه عن قانون المحروقات 2005.

ونفى مدير المحروقات في وزارة الطاقة الجزائري مصطفى حنيفي الأخبار التي انتشرت حول مشاركة جهات أجنبية في إعداد القانون، مؤكدًا أن خبراء مختصين وكفاءات وطنية هي التي أعدت مشروع القانون.

هل سيشكل قانون المحروقات الجديد خطرًا على اقتصاد الجزائر؟

يمثل مستقبل الثروات النفطية في الجزائر محور اهتمام الرأي العام الجزائري؛ وذلك من خلال الجدل الذي يرافق قانون المحروقات الجديدة، ورفض قطاعاتٍ واسعة من الجزائريين له، عن طريق الاحتجاجات التي شهدتها العاصمة الجزائرية أول أمس رفضًا للقانون، فما بين شعار «يا العار يا العار باعوا الجزائر بالدولار»، و«يسقط قانون المحروقات» تعالت أصوات الجزائريين رفضًا للقانون الجديد.

وفي تفاصيل مشروع قانون المحروقات، حافظ  القانون، على قاعدة 51 و49% في مجال الاستثمار، كما حافظ على حق الشفعة لصالح شركة «سوناطراك»، ومنح القانون حق تسيير معطيات الحقول النفطية لكلٍ من الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات، وسلطة ضبط المحروقات، كما تحدد هاتان الوكالتان السياسة الوطنية للمحروقات، على أن تمنح التراخيص باستغلال الحقول النفطية، ويمكنها سحب التراخيص إذا أُخل بالعقود، كما قدّم القانون تحفيزات جديدة لصالح المستثمرين الأجانب من خلال الإعفاء الضريبي الذي كان يشكل عقبة في وجه الاستثمار.

ولقي المشروع معارضةً شديدة من طرف الجزائريين، وتحذيرًا من الخبراء الاقتصاديين من خطورة رهن الاقتصاد الوطني لفائدة الشركات الأجنبية. وفي هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ في «جامعة الأغواط»، فارس دمانة، أن: «مشروع القانون الجديد الخاص بالمحروقات سيفتح الباب واسعًا، أمام استحواذ الأجانب على القطاع، وبالتالي سيرهن سيادة البلد الذي للأسف ما يزال ريعيًّا»، وأضاف فارس أنّ «القانون سيبقى غامضًا ومثيرًا للجدل، وسترتفع وتيرة رفضه لأنه أعدّ في دوائر مغلقة بعيدًا عن آراء المختصين من الجزائريين».

احتجاجات ضد قانون المحروقات الجديد
                             احتجاجات واسعة ضدّ قانون المحروقات أمام مبنى البرلمان

الخبير الطاقوي في شركة «شلانج بيرغ» الأمريكية، إحدى الشركات الأجنبية في الجزائر، عبد الحميد مكشاتي، يرى أنّ «القانون هو مسمار آخر في نعش خصخصة شركة سوناطراك، التي ستجد نفسها غير قادرة على المنافسة، كما  أن هذا القانون سيدخل القطاع في نوعٍ جديدٍ من الاحتكار»، ولم يُخف مكشاتي تخوفه «من نفور الشركات الأجنبية من الاستثمار في الجزائر، كون بيئة الاستثمار المثالية – حتى النفطية- غير متوفرة في الجزائر».

وعن حيثيات القانون يضيف خبير الطاقة أنّ «أخطر ما في مشروع قانون المحروقات هو عقود التراضي المباشرة فيما يخص استغلال الغاز الصخري، والذي يعد خطرًا على المياه الجوفية الصحراوية، وهنا  لا ننسى أن فرنسا بشركتها «توتال» التي تريد الاستحواذ على «مجمع أناداركو» الأمريكي، لبدء مشروعات استغلال الغاز الصخري»، ويضيف مكساتي أن «القانون يحتوي على مخاطر ترهن ثروات الجزائر وسيادتها، خصوصًا في مجال الغاز الصخري التي انتهت الجزائر من مرحلة التنقيب عنه، وستدخل قريبًا مرحلة الاستغلال».

من جهته عد الخبير الاقتصادي حاتم غندير، رئيس قسم الاقتصاد في قناة «الجزيرة» في منشورٍ له على «فيسبوك» أنّه «بحلول عام 2030 سيكون الاستهلاك الوطني يساوي الإنتاج؛ أي لا يوجد فائض للتصدير، وبحلول 2040 وفق السيناريو الحالي نفسه سنتجه للاستيراد لسد العجز، وأمام هذا  الوضع يأتي الهدف الأساسي لقانون المحروقات وهو جذب الشركات الأجنبية لاستكشاف حقول جديدة في ظل عزوف هذه الشركات لأسباب جبائية وإدارية وفنية».

وأصاف غندير أنّ «قانون المحروقات على أهميته غير كافٍ لحل مشكلة كبيرة للطاقة والاقتصاد في البلاد، فضلًا عن أن زمن طرحه غير مناسب حاليًا، ويمكن تأجيله قليلًا ليكون قد نوقش حقيقة، بعيدًا عن الاستقطابات السياسية».

ويرافق جدلٌ دستوري تمرير السلطة لقانون المحروقات؛ إذ يرى بعض الجزائريين أنّ الحكومة الحالية اخترقت الدستور بمناقشتها وتصديقها على هذا القانون كونها حكومة تصريفٍ أعمال، لا يحق لها دستوريًّا الخوض في القوانين السيادية، في وقتٍ ربط بعض المتابعين خطورة القانون في الوقت الذي أثير فيه، في بلاد تعيش حراكًا شعبيًّا وتسير نحو انتخاباتٍ رئاسية في 12 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

هل تعيد الانتخابات الجزائرية القادمة فلول بوتفليقة إلى الحكم؟

المصادر

تحميل المزيد