كان للخبر وقعُ الصاعقة، لا في المغرب فحسب بل في كافة أرجاء العالم الإسلامي، لا سيَّما بين أهل العلم والأدب والشعر والتاريخ. الخبرُ مأساةٌ أندلسية جديدة، تضافُ إلى قائمة الأحزان الأندلسية المتكررة في ذلك القرن العصيب، الثالث عشر الميلادي (القرن السابع الهجري)، الذي شهد سقوط مدن الأندلس الكبرى، وعلى رأسها قرطبة وإشبيلية وبلنسية، وتضاؤل الأندلس الإسلامية إلى بقعةٍ صغيرة في أقصى جنوب الجزيرة، هي مملكة غرناطة.

الواقعة هذه المرة هي مأساة فردية لواحدٍ من أنبغ العقول الأندلسية، لقدْ قُتِل غدرًا ابن الأبَّار البلنسي الأندلسي، شاعر الأندلس وكاتبها وعلّامتها، وقد جاوز عمره الستين، بعد سنواتٍ من لجوئهِ إلى تونس كريمًا عزيزًا، وقاده إلى تلك النهاية الأليمة غير المستحقة مؤامرة في البلاط دبَّرَها خصومه في الحظوة والنفوذ.

يَا للجَزيرَةِ أَضْحَى أَهلُها جَزَرًا … لِلحَادِثَاتِ وأَمْسَى جَدُّهَا تَعَسا

* ابن الأبار البلنسي في قصيدته السينية الشهيرة في رثاء الأندلس ومدينته بلنسية (فالنسيا المُعاصرة)

وحتى نعرف جيدًا لماذا كان لمصير هذا الرجل الفاجع هذا الصدى المؤلم، سنتعرف إلى شيءٍ من تاريخ وإنتاج هذا الموسوعة البشرية الأندلسية التي كانت تمشي على قدمين.

نجمٌ منيرٌ في أيام الأندلس الآفلة

فأينَ عيْشٌ جنيْناهُ بها خَضِرًا … وأين عصرٌ جليْناهُ بها سلِسا؟!

محا محاسنَها طاغ أتيَح له….. ما نام عن هضمِها حينًا ولا نَعِسا

* ابن الأبار البلنسي في قصيدته السينية الشهيرة في رثاء الأندلس ومدينته بلنسية

وُلدَ محمد بن عبد الله بن أبي بكر القُضاعي عام 1199م (595هـ) في مدينة بلنسية (فالنسيا المُعاصرة)، حاضرة الشرق الأندلسي، والتي ارتبطت به ارتباطًا وثيقًا، وحمل نسبها في اسمه، فعُرف دائمًا بـ«ابن الأبًّار البلنسي»، وكان مولدُه بعد أربعة أعوامٍ من آخر انتصارٍ كبير للمسلمين في الأندلس على خصومهم القشتاليين الإسبان في موقعة الأرك عام 1195م (591هـ)، في عهد خليفة دولة الموحدين المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، والذي توفي للمفارقة في عام مولد ابن الأبار نفسه، ولم يحكم الأندلس والمغرب بعده أحد بقوتِه نفسها وتمدُّد دولته.

كانت أسرة ابن الأبَّار معروفة بالعلم والمكانة الاجتماعية، وكان أبوه عبد الله من العلماء المعروفين، ودرس على يديْه فترةً من الزمن، ثمَّ سافر في كافة أنحاء الأندلس طلبًا للعلم والمعرفة، وتتلمذ على يد كبار فقهاء وأدباء عصره من القضاة وعلماء الأحاديث، ومنهم الحافظ أبو الربيع بن سالم، كبير علماء الحديث في الأندلس، والذي لازمه ابن الأبار لأكثر من 20 عامًا.

تِلك الجَزيرَةُ لا بقاء لها إذا … لَمْ يَضْمنِ الفَتْحُ القريب بَقاءَها

* ابن الأبار البلنسيّ 

بمرور الوقت، وتراكم المعارف، ذاع صيت ابن الأبَّار بالعلم والنُبل وجودة الكتابة في الأندلس، فتولى القضاء في مدينة دانية الأندلسية لفترة، ثم أصبح الكاتب الأبرز في بلاط أبي زيد الموحدي، والي بلنسية في دولة الموحدين، ولما ثار على الموحدين في بلنسية أبو جميل بن مردنيش، واستقلَّ بها عن الموحدين، عيَّن ابن الأبَّار كاتبًا له.

ثم كانت نكبة بلنسية الكبرى، عندما حاصرتها جيوش الصليبيين الإسبان، فأرسل حاكمها كاتبَه الأثير ابن الأبَّار بالبحر إلى ملك تونس أبي زكريا الحفصي، ليطلب النجدة العاجلة لفك الحصار، فألقى ابن الأبَّار في مجلس ملك تونس قصيدته السينية الشهيرة، التي تعد من أروع مراثي الأندلس، والتي يحثُّه فيها ويستنهض عزيمته لنجدة المدينة، وكان مطلعها:

أدرِكْ بخيلِكَ خيلَ اللهِ أندلسا … إن السبيلَ إلى منْجاتِها دَرَسا

وهبْ لها من عزيزِ النصرِ ما التمستْ … فلم يزلْ منكَ عزُّ النصرِ مًلتمَسا

استجاب الملك الحفصي، وأرسل إمداداتٍ بحرية كبيرة مع ابن الأبَّار، لكن كان الأوان قد فات، وأجهد الحصار الخانق الطويل المدينة، وأصبح الاستسلام أمرًا واقعًا، ليجد ابن الأبار نفسه أمام المهمة الكتابية الأقسى في حياته، إذ خطَّ بيديه كتاب استسلام المدينة عام 1239م (636هـ) ورغم تأكيد المنتصرين في بادئ الأمر التزامهم بحقوق المسلمين من أهل بلنسية في العبادة والعيش الكريم، فإن ابن الأبَّار لم يُطِق الإقامة تحت حكم الصليبيين، فرحلَ إلى تونس على الفور، باحثًا عن بلد مسلم حر يقيمُ فيه بكرامة.

جزء من القصيدة السينية الشهيرة لابن الأبار

وكان لابن الأبّار استقبالٌ حسن عند ملك تونس، أبي زكريا الحفصي، وما لبث أن قرَّبه من مجلسه، وجعله من صفوة كتابه، وصار يُدرس العلوم المختلفة في تونس ومدينة بجاية، وظلَّ محفوظ المكانة في عهد أبي زكريا حتى وفاته عام 1249م (647هـ). واستمرَّت مكانته لسنواتٍ في عهد المستنصر الحفصي بن أبي زكريا، قبل أن يدور الزمان بأهله ويفعل بهم ما يفعل.

ابن الأبَّار.. عالِمٌ موسوعيٌّ

سطعت شهرة ابن الأبار العلمية والأدبية، خاصةً في الشعر وتاريخه وتدوين الأحداث والتواريخ، وفي علم الحديث والفقه، وشهد له بالتفوق المشارقةُ في الشام ومصر مع شهادة المغاربة، ووصفه المؤرخ المملوكي صلاح الدين الصفدي بعد قرنٍ من وفاته، في كتابه «الوافي بالوفيات» قائلًا عنه:«وَكَانَ بَصيرًا بِالرِّجَالِ، عَارِفًا بالتاريخ، إِمَامًا فِي الْعَرَبيَّة، فَقِيها مقرئًا، إخباريًّا فصيحًا، لَهُ يَدٌ فِي البلاغة، والإنشاء فِي النّظم والنثر، كَامِل الرياسة، ذَا جلالة وأبهة».

وقال عنه المؤرخ الأشهر ابن بن خلدون: «كان الحافظ أبو عبد الله بن الأبار من مشيخة أهل بلنسية وكان علامة في الحديث ولسان العرب وبليغًا في الشعر».

واعتبره مؤرخ الأندلس في العصر الحديث الدكتور محمد عبد الله عنان، صاحب موسوعة «دولة الإسلام في الأندلس»، أبرزَ شعراء ومؤرخي الأندلس في تاريخها المتأخر. فماذا كتب ابن الأبَّار؟

ومن أشهر مؤلفات ابن الأبَّار البلنسي: «الحلة السِّيَراء» والذي أهداه إلى ملك تونس أبي زكريا الحفصي، الذي استقبله بحفاوة بعد خروجه من الأندلس، وكان هذا الملك محبًّا للشعر، فألف ابن الأبَّار هذا الكتاب وجمع فيه أبرز ما سجلَّه التاريخ من أشعار الأمراء والملوك والسلاطين في القرون الهجرية السبعة.

/
غلاف كتاب «التكملة لكتاب الصلة» لابن الأبّار

وله كتاب «تحفة القادم»، والذي ذكر فيه موجزًا من سيرة ومؤلفات ما يقارب المائة من شعراء وشاعرات الأندلس، لا سيَّما الوافدين إلى الجزيرة الأندلسية من خارجها، وكذلك من انتقلوا إلى شرقي الأندلس، وحاضرتها بلنسية، وطن ابن الأبَّار الذي هام به عشقًا.

وكذلك كتاب «التكملة لكتاب الصلة»، وهو معجم ضخم مرتب وفق أبجدية الأسماء لمشاهير الأندلس من العلماء والكُتَّاب وغيرهم، وهو استكمال لكتاب ابن بشكوال المعروف باسم «الصلة في تاريخ أئمة الأندلس»، ويعد من أبرز وأكثف المراجع التاريخية عن تاريخ الأندلس ورجالها، وكان الذي أشار عليه بتأليف هذا الكتاب الموسوعي أستاذُه أبو الربيع بن سالم، وظلَّ ابن الأبار يراجعه ويعدل فيه لأكثر من 20 عامًا.

ولهُ مُؤلَّفُ في رثاء الحسين بن علي بعنوان: «معادنُ اللُّجَيْن في مراثي الحُسيْن»، قال عنه شهاب الدين المقري التلمساني في «نفح الطيب» أنه لو لم يؤلِّفْ غيرَه لكان دليلًا كافيًا على علو مكانته ورتبته في العلم والأدب، ويبدو أن ابن الأبار كان له هوًى كبير في حب آل البيت، فألف أيضًا في مناقب الإمام علي كتابًا عنوانه «دُرَر السمط في أخبار السَّبط»، فيه من شعره:

يا شقيقَ النفسِ أُوصيكَ وإنْ … شقَّ في الإخلاصِ ما تَنتَهجُهْ

لا تَبِتْ في كَمَدٍ من كَبَدِ … رُبَّ ضيقٍ عاد رحباً مَخرَجُهْ

وبلطفِ اللهِ أصبح واثقاً … كلُّ كرْبٍ فعليهِ فرجَهْ

مقتل ابن الأبَّار.. واختفاء مكتبته من بعده

عاش ابن الأبَّار سنواتٍ طويلة في تونس اعتاد خلالَها أن يكون هو الكاتب المُفضّل في بلاط ملك تونس الحفصي، وهنأ لسنواتٍ بأيامٍ من العز في تونس حتى إنه وصفها في إحدى رسائله البديعة بأنها:«بلدةٌ طيبةٌ وربٌّ غفور، ودولةُ مباركةٌ لمحاسنِها سُفورْ».

وكان ابن الأبَّأر يمتاز خاصةً بالإبداع في الخط المغربي، لكن كان المستنصر الحفصي يميل إلى الخط المشرقي، فرقَّى كاتبًا آخر يجيدُه وعيّنه مكان ابن الأبار، فاستشاط الأخير غضبًا، وكان يشتهر بالأنَفة وبعض النرجسية، فلم يُخفِ نقمته على الملك، فأمر الملك بوضعه فيما يُشبه الإقامة الجبرية في منزله، بعدما وصلتْهُ أنباءٌ عن رد فعل ابن الأبار السلبي تجاهه وتجاه قراره.

ما لبث ابن الأبار أن راسل المستنصر معتذرًا، فقبلَ منه، ليعود من جديد إلى مجلس السلطان، ولكن استغلَّ خصوم ابن الأبَّار الحدث الأخير، وضعفَ شخصية المستنصر واستماعه المستمر للوشاة، فجدَّدوا الإشاعات عن ابن الأبَّار لدى الملك، وقالوا له إن ابن الأبار يذمُّه سرًّا وجهرة، ويراه غير أهلٍ للحكم، وأنه دائمًا ما يزدريه، وينتقص من حكام تونس بالمقارنة ويقارنهم بحكام الأندلس السابقين. ومما عزَّز من مصداقية تلك التهم أمام الملك ما كان يراه في مجلسه من اعتداد ابن الأبار برأيه، وصراحته في نقد آراء الآخرين ولو كان رأي الملك نفسه، وسخريته اللاذعة.

ثم كانت القشَّة التي قصمت ظهرَ البعير، عندما وصلت نقمة الملك إلى مرحلة اللاعودة، بعد خلافٍ كبير في الرأي مع ابن الأبَّار في أحد المجالس، فأمر الملك بعدها باعتقاله وتفتيش منزله، وادَّعوا أنهم عثروا على كتاباتٍ مُسيئة عن الملك المستنصر، منها أبيات من الشعر مطلعها يقول: «طغا بتونسَ خلفٌ … سمُّوهُ ظُلما خليفهْ!»

وبعد محاكمةٍ صورية، اتُهم ابن الأبّار بالخروج على السلطان ومحاولة قلب نظام الحكم، وأمر الملك بقتله طعنًا بالرماح، ومصادرة كتبه، وإحراقها مع جثته، وأدت تلك النكبة إلى ضياع الكثير مما كتبه ابن الأبار، والعثور على بعضه متفرقًا في كتابات اللاحقين، وفي مخطوطاتٍ في كبار المكتبات حول العالم، مثل مكتبة قصر الإسكوريال في إسبانيا.

وكانت وفاة ابن الأبَّار في شهر المحرم من عام 1260م (658هـ)، ولم تخلُ اللحظات الأخيرة من عمره الحافل من لمسةٍ إنسانية لافتة، إذ عندما شعر بخيوط المؤامرة تلتفٌّ حول عنقه، وأن نهايته قد حلَّت، أمر خادمَه بالفرار، وأهداه راحلته ليرحل بها إلى حيث شاء، حتى لا ينالَه مصيره نفسه.

تاريخ

منذ سنة واحدة
حرب الأربعين عامًا.. هكذا أفلتتْ تونس من مصير الأندلس

المصادر

تحميل المزيد