تأسس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بعد الحرب العالمية في مؤتمر عُقد عام 1944 نتج منه الاتفاقية المعروفة باسم «بريتون وودز – Bretton Woods»، والتي حكمت سير النظام النقدي العالمي، وجعلت من الدولار عملة العالم الأساسية. ولا تزال المؤسستان تدخل في عالمنا العربي، وترتهن بعض اقتصادات دولنا عليهما. 

فما قصة نشأة المؤسستين وتطورهما؟ ومن يحكمهما من الداخل؟ وكيف تعمل سياسات الإقراض؟ يجيب التقرير عن هذه الأسئلة.

من النشأة إلى «إجماع واشنطن»

كان هدف اتفاقية بريتون وودز تأسيس نظام اقتصادي عالمي، لتجنب ما أدى سابقًا إلى «الكساد العظيم»، والذي لم ينتهِ إلا خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، وكان أحد مسببات حالة عدم الاستقرار، ومن ثم اندلاع الحرب.

أرادت دول الحلفاء قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية بدء التخطيط لعالم ما بعد الحرب، واحتاج تصورها إلى مؤسسات تطبق الخطط والرؤى، وتضمن تحقيقها على أرض الواقع. ورغم انسحاب الشيوعيين بقيادة السوفيت والصينيين من هذه المؤسسات مبكرًا قبل بدء عملها، فإن هذه المؤسسات ما تزال محورية في عالم اليوم، وخصوصًا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وظهور «إجماع واشنطن».

بدأ الخط الزمني لعمل المؤسستين بداية الحرب الباردة، ويمكن فهم سياق بداية عملهما بوصفه جزءًا من هذه الحرب الباردة، وجزءًا من أدوات المعسكر الغربي لمحاولة فرض النفوذ، وتمهيدًا لجعل المؤسستين أداتين لحكم العالم اقتصاديًّا.

الأهداف المعلنة لهاتين المؤسستين متكاملة، فبينما يعمل صندوق النقد الدولي على مستوى الاقتصاد الكلي، وتحديدًا على مستوى مراقبة النظام النقدي العالمي، وإقراض الدول كما نرى اليوم في مصر ومشكلاتها المتعلقة بمستوردات القمح مثلًا؛ يعمل البنك الدولي ضمن أهداف تنموية بعيدة المدى، أهمها محاربة الفقر والتوزيع العادل للرفاه.

وبينما كانت الكتلة الشرقية تروج فكرة أنَّ المعسكر الغربي مصدر الشرور، ودفعت الدول النامية لمحاربة الهيمنة الغربية، وتبني الاشتراكية نموذجًا اقتصاديًّا مناهضة لهذه الهيمنة، حاول المعسكر الغربي استخدام المؤسستين أداة لتوسيع معسكره عن طريق المساعدات والقروض. ولكن وبسبب المنافسة مع الكتلة الشرقية ونموذجها لم تكن هذه المؤسسات بالسوء الذي يُنسب إليها اليوم في الدول النامية.

ومع نهاية ثمانينيات القرن الماضي بدأت الكتلة الشرقية بالترنح، وانهار نظام بريتون وودز النقدي بسبب حرب فيتنام، لكن لم تنهر مؤسسات بريتون وودز، فبدلًا من أن يدير صندوق النقد الدولي نظامًا نقديًّا تثبت فيه العملات للدولار، ويثبت الدولار للذهب؛ أصبح الصندوق يدير نظامًا نقديًّا تعوم فيه العملات، وحصل ذلك أساسًا بسبب الاختيار الأمريكي حصرًا، بعد أن قرر الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون إنهاء التحويل من الدولار إلى الذهب بداية السبعينيات.

كان الوصول إلى المحطة الأخيرة محطة «إجماع واشنطن» متوقفًا على هزتين مناقضتين لبعضهما، الأولى كانت الكارثة النفطية المترتبة على حظر الدول العربية بيع النفط للدول الغربية على خلفية حرب أكتوبر عام 1973، والمحطة الثانية الاتفاق الأمريكي السعودي على ربط النفط بالدولار أو ما عرف بنظام «البترودولار»، والذي ترافق مع تضخم في سعر النفط ومن ثم في عائدات الدول النفطية.

كانت عوائد النفط ضخمة جدًّا بحيث إن الأنظمة المصرفية لهذه الدول النفطية لم تستطع امتصاصها، وكان لزامًا عليها استثمار الفائض منها في الخارج، وتحديدًا في البنوك الأمريكية، وغيرها من البنوك الأوروبية الحليفة في المعسكر الغربي، وخلق ذلك فوائض كبيرة في المعسكر الغربي، ما تسبب بخلق فقاعة دين للدول النامية، وخصوصًا في أمريكا اللاتينية باستخدام هذه الفوائض.

أنتج كل ذلك أزمة دين في الدول النامية، مثل الأزمة التي حصلت في المكسيك، وتدخلت المؤسستان لحل أزمة الديون، تمامًا في الفترة السابقة لسقوط جدار برلين، وبدء تداعي الكتلة الشرقية بشكل عام، ودخول دول الكتلة لعضوية المؤسستين وانفتاحها على الاقتصاد العالمي وترك الاشتراكية. 

لكن أزمة ديون الدول النامية ومعها أزمة انهيار الاتحاد السوفيتي، والذي كان الاقتصاد جزءًا مهمًّا من قصة انهياره، سمح الظرف والفراغ الدولي، للبنك والصندوق الدوليين لقيادة دول العالم عن الكيفية الأفضل لإدارة اقتصاداتها، ولم يعد في العالم بديلًا آخر، وهو ما رصده باحثون في «لغة البنك الدولي».

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
هكذا رسخ صندوق النقد والبنك الدوليين عروش الاستبداد في العالم

ولكن التغير في اللغة ليس إلا مؤشرًا للتغير في العقائد والتصورات الاقتصادية، وهذا التغير هو ما يعرف باسم «إجماع واشنطن»، والذي صُكَّ نهاية التسعينيات للتعبير عن السياسة التي أصبحت محط إجماع للمؤسسات الدولية التي تتخذ من واشنطن مقرًّا لها، والتي تتفق فيها مع رؤى وزارة الخزانة الأمريكية، وأصبحت هذه العقيدة المرادف لتيار «الخصخصة» و«النيوليبرالية» الجارفة في العالم.

ينص الإجماع على 10 نقاط تلخص الموقف الاقتصادي الجديد، والذي بدأ «يفرض» ولو بشكل ناعم على العالم، (تحديدًا على دول الاقتصادات النامية)، ويمكن تتبع سياسات التقشف، ورفع الضرائب، وتوسيع قاعدتها، بالإضافة إلى تفكيك ملكية الدولة في الاقتصاد، وتعويم العملات، وغيرها من السياسات التي ما نزال نشهد اشتراطها حتى اليوم من قبل المؤسسات الدولية على الدول النامية.

من يحكم البنك والصندوق؟

يُدار البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي بوصفهما شركتين مساهمتين (Joint Stock Company)، بحيث إن لكل منهما «رأس مال»، يوزع حصصًا على الدول الأعضاء وفق مساهمة كل دولة، وتعكس ملكية رأس المال القوة التصويتية لكل دولة. 

وتنتخب الدول الأعضاء بناء على قوتها التصويتية «المجلس التنفيذي – Executive Board» المكون من 24 عضوًا في صندوق النقد الدولي، و«مجلس إدارة – Board of Directors» مكون من 25 عضوًا في البنك الدولي. ويعدُّ المجلسان صانعَي سياسات المؤسستين، والمسؤولين عن الإدارة اليومية من قبل الإدارة العليا التنفيذية، وهي بدورها أيضًا منتخبة من قبل الأعضاء بالآلية نفسها التابعة للقوة التصويتية.

تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية الحصة الأكبر من المساهمة في صندوق النقد الدولي بنسبة 16.5%، بينما لا تمتلك دولة مثل الصين إلا ما نسبته 6.08%، وروسيا 2.6%، أما حلفاء الولايات المتحدة فيزيدون من حصة التحالف الغربي بشكل كبير؛ فالمملكة المتحدة تملك 4.03% من حقِّ التصويت، وألمانيا 5.31%، وفرنسا 4.03%، واليابان 6.14%، وبدون ذكر الحلفاء الآخرين يمتلك هؤلاء وحدهم أكثر من 35% من إجمالي حقوق التصويت.

Embed from Getty Images

شعار صندوق النقد الدولي  

لا تختلف الصورة كثيرًا في البنك الدولي؛ إلا أن التوزيع في البنك الدولي مقسم على أربع منظمات داخلية، تمتلك فيها الدول حصصًا تعبر عن قوتها التصويتية، والولايات المتحدة الأمريكية في الصدارة مرة أخرى، ومعها حلفاؤها من الأوروبيين وغيرهم. 

وهذا يعني أن الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تمتلك الحق الأكبر في التصويت للهيئات التي تدير البنك والصندوق، ومن ثم تدير سياستهما في إقراض الدول النامية، ومراقبة النظام النقدي العالمي، بالتوازي مع كون الدولار عملة العالم الأهم بلا منازع، تتلوها عملات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، مع أهمية عملات أخرى من هذا التحالف نفسه مثل عملة اليابان. 

طبعًا فإن تمويل المؤسستين يعتمد على هذه الحصص بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية لدى كلٍّ منهما أساليب أخرى لتمويل أنشطتهما؛ مثل اتفاقيات إقراض مشتركة تُقرض فيها مجموعة من الجهات بشكل جماعي صندوق النقد مثلًا، أو عن طريق اتفاقات إقراض ثنائية، وأخيرًا يمكن لهما إصدار سندات لتستثمر فيها الجهات المختلفة.

كيف تعمل سياسات إقراض البنك والصندوق؟

يعمل الاقتصاد العالمي بطرق معقدة؛ فلا يستطيع أحد السيطرة على اقتصاد بلد مستقل عن طريق الصندوق والبنك ببساطة، ولكن يمكن لهاتين المؤسستين التحكم بسياسات الدول الاقتصادية نتيجة لتشابك عملهما مع جهات أخرى في العالم.

يقدم الصندوق والبنك للدول نهجًا اقتصاديًّا مقترحًا غير مفروض على أحد، مع حوافز كثيرة لتطبيق مثل هذا النهج، ويحصل أن تتوافق مصالح نخب دولة ما مع تطبيق ما يقترحه الصندوق والبنك؛ فقد سجلت مخاطر فساد مالي مترافقة مع خصخصة القطاع العام وبيعه مثلًا، ما يعني سهولة توجه الدولة المطبقة لهذه الاقتراحات نحو الفشل الاقتصادي، وهذا الفشل يترجم عجزًا في الموازنة الحكومية والميزان التجاري، ما يعني اضطرار هذه الدول للاستدانة؛ وهنا يبدأ دور البنك والصندوق. 

يرغب المستثمرون بإقراض الدول عمومًا، ولكن المستثمرين يرغبون بضمان قدرة الدول على سداد القروض، ولا يهتمون بما يترتب على الحكومة من مهمات تجاه الاقتصاد المحلي، لذلك يطلبون من الحكومات تخفيض الإنفاق ورفع الإيرادات، خصوصًا عن طريق الضرائب لضمان تخفيض العجز، ومن ثم ضمان قدرة الحكومات على سداد الديون.

Embed from Getty Images

احتجاج لفلاحين إندونيسيين ضد سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي 

في حال رفض دولة ما تنفيذ مثل هذه الإجراءات فإن المستثمرين، ووكالات التصنيف الائتماني، تقرر رفع مخاطر إقراض هذه الدول، ما يعني ارتفاع أسعار الفائدة المقبولة بالنسبة للمستثمرين لإقراض هذه الدولة.

ولكن هذه المفاوضات على ميزانية الحكومة لا تتم بين الدولة والمستثمرين مباشرة، وهنا يأتي دور صندوق النقد الدولي الذي يفاوض الحكومات مقدمًا شروطه التي تتضمن في الغالب ضرورة التقشف، وتصبح موافقة الصندوق على إقراض بلد ما مؤشرًا للمستثمرين، ووكالات التصنيف الائتماني على مدى إمكانية الثقة بالإجراءات التي ستتخذها حكومة هذا البلد بخصوص قدرتها على سداد ديونها لاحقًا. 

تستطيع الدول طبعًا رفض هذه الشروط، ولكن طالما لم يكن لديها بديل لتمويل عجز موازنتها فإنها ستكون مضطرة لمواجهة وضع تفوق فيه ضرورات الإنفاق قدرة الدولة على تأمين التمويل اللازم للإنفاق، وهذا قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج أسوأ من الالتزام بشروط الصندوق، ولذلك يرى البعض هذه الشروط ابتزازًا للدول المحتاجة.

انتقد اقتصاديون معتبرون هذه المؤسسات كثيرًا؛ منهم الاقتصادي جوزف ستيجلتز حائز جائزة نوبل في الاقتصاد، والذي يرى أن سياسات التقشف التي تفرضها المؤسسات الدولية في مفاوضاتها تمثل فهمًا معكوسًا لأساسيات علم الاقتصاد.

وإذا أضفنا إلى كل ذلك رأي الكثيرين عن أن الدول المتقدمة تحتاج إلى منع تقدم الدول النامية، وفرض حالة التخلف الدائم عليها لإبقاء هيمنتها على العالم، فإن سيطرة هذه الدول على هذه المؤسسات تعني تضارب مصالح الدول المتقدمة (المسيطرة على البنك والصندوق) مع الأهداف المعلنة لهما، ومن ثم اتهام المؤسستين والدول المسيطرة عليها بتعمد تخريب اقتصادات الدول النامية.

المصادر

تحميل المزيد